رسم هوبسون، اذاً، الخطوط الأولية لنظرية "الامبريالية" ــــ عبر التقاط فكرة "الفائض الرأسمالي"، الذي يدفع النخب في الدول الثرية الى النظر باستمرار خارج سوقها ــــ غير أنّ الرؤية التي قدّمها عن نشوء الامبريالية كانت وصفية، "ميكانيكية"، كأنّ الامبريالية صدفةٌ تاريخية أو "مسار محتمل"، نتج عن سياسات وقرارات ونخب معيّنة، ومن الممكن ببساطة تغييره عبر استبدال السياسات وتبديل سلوك النّخب (وكاوتسكي قدّم، بمعنى مختلف، أطروحة قريبة). من هنا جاء النّقد الماركسي، اللينيني تحديداً، ليعطي المفهوم أبعاداً جديدة وتفسيراً أعمق لعمل الرأسمالية في العالم. على الهامش هنا: نجد استمرارية لمنطق جون هوبسون الليبرالي في العرب الذين يتحمّسون للانتخابات الرئاسية الأميركية ويدعمون ــــ من موقعهم كعرب وكضحايا للامبراطورية ــــ مرشّحين مثل باراك اوباما وبيرني ساندرز ويركزون عليهم الأمل، كأنّما المشكلة في اميركا سببها انتخاب سلسلة طويلة من الرؤساء الأشرار. وهو ايضاً منطق الحركات الرومانسية الّتي تطالب بالتفاهم والتفهّم والحبّ بين البشر، وتؤمن بأنّ السّلام يمكن أن يحلّ بين الشمال والجنوب (أو الفلسطينيين والصهاينة) وتنتهي التناقضات والحرب ببساطة عبر تغيير عقليتنا و"الانفتاح على الآخر" و"الحوار" وما الى ذلك.

حين كتب لينين نصّه الشّهير عن الامبريالية عام 1917، بعد نشر هوبسون لكتابه بخمسة عشر عاماً، كان لديه أكثر من هدف: الرد على كاوتسكي، إظهار أن الحرب العالمية المستعرة حينها ليست حرباً بين قوميات وهويات وشعوب بل حرب مصالحٍ ومصارف، كما أنّه ــــ وهذا أهمّ ــــ أسّس لدراسة الرأسمالية كـ"نظام عالمي"، له تأثيرات متفاوتة بين المركز والأطراف، متنبئأً بأنّ هذه الأطراف والهوامش والمستعمرات هي التي ستحاصر، في النهاية، اوروبا الصناعية بـ"ألف مليون" من ضحايا الامبريالية. غير أنّنا، في هذا المقال، سنتابع خيطاً واحداً من هذا التّحليل هو ما يسمّيه الماركسيون "الانحياز العسكري" ضمن الأنظمة الامبريالية.

شراسة هيلاري كلينتون

يقتبس الباحثان نيتزان وبريكر كتابات الماركسي رودولف هيلفردينغ (1907) حول الأخلاقيات العدوانية التي تبثّها الامبريالية داخل مجتمعها. الرأسماليّون الأوائل في القرن التاسع عشر، كتب هيلفردينغ، كانوا يربطون بين الحرية الاقتصادية والسّلام في العالم، وينظّرون بأن السوق الحرة، حين تمتد الى أرجاء الكوكب، فهي ستلغي الحرب وتنتج نخباً برجوازية لها عقليّة براغماتية مسالمة، تنفر من العنف والصّراع. ولكن ما جرى مع صعود الامبريالية كان العكس تماماً: حين تيقّنت البرجوازية من حاجتها الى "دولة قوية" والى التوسّع والاستعمار، اكتسبت ــــ بشكلٍ متزايد ــــ أخلاقياتٍ عدوانيّة شرسة، تبرّر الاستعمار والهيمنة، وتمجّد الجيش والصناعات الحربية، فتحتقر الشعوب والأعراق الأخرى، وتخرج بنظريّات عن تفوّقها القومي وحقّ أمّتها في قيادة العالم وريادته.
المثال الأبرز اليوم على نهاية "الليبرالية المثالية" و"الرأسمالية المسالمة" نجده في هيلاري كلينتون، كمرشّحٍ للرئاسة الأميركية. كلينتون، ولغة حملتها الانتخابية، تمثّل هذه الأخلاقيات الامبريالية التي تعتبر الحرب أمراً "روتينياً"، والغزو الخارجي من أجل المصالح قراراً "بيروقراطياً" (في السّاحة السياسية الأميركية اليوم، المرشّح الذي يعلن أنه غير مستعدٍّ لشنّ حربٍ الا اذا تعرّضت اميركا وأمنها المباشر للتهديد يُعتبر "راديكالياً" و"انعزالياً"). هيلاري كلينتون، الرئيس القادم، لا تعد بسلام كونيّ وازدهار تحت ظلال الامبراطورية، كما فعل بوش الأب وكلينتون إثرالحرب الباردة؛ وهي حتّى لا تكذب عليك ــــ على طريقة أوباما ــــ وتقدّم نفسها كمرشّحٍ مثالي وتغييري. هيلاري كلينتون تقول بوضوح إنّها ممثل المجمع المصرفي المالي (الذي كتب عنه لينين وهيلفردينغ)، وأنّها ستمارس بعد انتخابها قدراً عظيماً من العنف على هذا الكوكب (ومع ذلك، تجد المثقّف العربي الذي يستفظع ترامب ــــ وهو لا يمكن أن يفوز في انتخابات وطنية، حتّى ولو لم تكن المؤسسة الأميركية محتشدة ضده ــــ ويعتبر أن دعم كلينتون هو الخيار "الرشيد" و"العاقل"، طالما أن هناك ترامب "المجنون" مقابلها).

"التراكم المتفاوت"

أمّا السّبب الرئيسي خلف هذا "الانحياز العسكري" فهو العنصر الأخير في هذه المحاججة، ويعتبر نيتزان وبريكر أن فهمه ضروريّ لأجل فهم الامبريالية والرأسمالية معاً. باللغة النظرية، يطلق على هذا المفهوم اسم "التراكم المتفاوت" وهو يعني، باللغة البسيطة، أنّه في ظلّ الرأسمالية ستكون هناك دوماً قطاعاتٍ معينة تنمو أسرع من قطاعات، وصناعات تربح أكثر من غيرها، وأنّ هذا التفاوت هو محرّك كلّ اللعبة السياسية في الغرب الصناعي. التنافس بين الرأسماليين، كما يقول ماركس، لا يقوم على تحقيق حدٍّ لامتناهٍ من الربح، فهذا غير ممكن، بل على "أن تسبق السوق": لو كان نمو الاقتصاد 3% فالنجاح هو أنّ تربح أربعة في المئة، ولو كان النمو العام 8% فأنت تحتاج الى تسعةٍ في المئة على الأقل والّا تخلّفت عن غيرك. الجهد الأساسي للرأسمالي هو في البحث، بكلّ الوسائل وبأي طريقة، عن هذه الامتيازات التي تزيد الربح وتقلل المخاطر، وهي غالباً سياسية الطابع.
"التراكم المتفاوت" هو الذي يفسّر ما يقوله دايفيد هارفي، مثلاً، عن مفارقة أنّ الاقتصاد الغربي، بينما كان يمرّ في فترة طويلة من الركود والكساد، كانت قطاعات ونخب نيوليبرالية محدّدة فيه تشهد ارتفاعاً هائلاً في دخلها وأرباحها. "التراكم المتفاوت" يفسّر ايضاً لماذا لا تعكس القيمة المطلقة لأعمال قطاعٍ معيّن ــــ دوماً ــــ قوّته السياسية. شركة بيع بالتجزئة كـ"والمارت"، مثلاً، لديها رقم مبيعات هائل، قد يكون أكبر بكثير من مجموع مبيعات شركات السلاح، ولكنّ النفوذ السياسي لشركات الأسلحة أكبر بكثير من نفوذ "والمارت". هذا لأنّ "والمارت" يعمل في قطاعٍ تجاريّ بالغ التنافسية، وبهامش أرباحٍ ضئيل، ولا تؤمّن له السياسة امتيازات حقيقية أو حماية من المخاطر، أمّا شركات السلاح (والنفط والتبغ وغيرها)، فهي في سوقٍ ذي طابعٍ سياسي، وهي تحقق نسب أرباحٍ هائلة بفضل ذلك، وحياتها وموتها يقومان على عقود الدولة وسياستها الخارجية. بالمناسبة، قال لينين أمراً مشابها، منذ قرن، عن أنّ الشركات التي تحقّق أرباحاً "امبريالية" فائقة تقدر على توزيع نسبة من هذه الأرباح على صورة رشاوى للسياسيين في الغرب، ولشراء نخب الجنوب وطبقاته الحاكمة، لضمان استمرار امتيازاتها (هذا ما نراه حولنا كلّ يوم، يكفي أن نراقب تعامل شركات السلاح والنفط مع نخب العالم الثالث، من أذربيجان الى افريقيا، وكيف تتسامح الحكومة البريطانية مع الرشوة حين تثمر صفقة سلاح أو نفط "مربحة"، فكلّما أزدادت تنافسية الاقتصاد "العادي"، وصعب على الشركات الغربية تحقيق أرباحٍ في وجه منافسين جدد، تزداد أهمية قطاعات كالنفط والسلاح، تؤمّن أرباحاً كبيرة ومضمونة في الداخل والخارج، وهي آمنة نسبياً من المنافسة).

الحرب والامبريالية

هنا، نفهم لماذا نشأ "المجمع العسكري ــــ الصناعي" في أميركا، ولماذا نشهد دوماً طغياناً لقطاع التسليح والمصارف والطاقة في الدول الامبريالية، نسبةً الى حجمها في الاقتصاد. هذه القطاعات هي التي تدرّ أعلى الأرباح، وصناعة السّلاح (لو تذكّرنا مشكلة "الفائض الرأسمالي") هي قناة مثالية لامتصاص الرساميل الفائضة في دولٍ متقدّمة. من هنا يبدأ كلّ شيء، ويتحوّل القطاع العسكري (مع ما يجرّه من حروب وضرورة لـ"تصريف" للسلاح حول العالم) الى جزءٍ أساسي من النظام، ومحرّكا للنمو، وغاية في ذاته بغض النظر عن وضع الأمن القومي والتهديدات الخارجية (الصناعة العسكرية تاريخياً، يذكرنا نيتزان وبريكر، يحكمها منطق التقلّب في الطّلب، فقد تحتاج الدولة الى كميات هائلة من السلاح والذخائر في مرحلة أزمة، ثم تمرّ فترة سلمٍ طويلة يتوقف فيها الانتاج الحربي؛ ولكن تحوّل الصناعة العسكرية في أميركا الى قطاعٍ "رأسمالي" يستلزم "نمواً" مستمراً وطلباً لا يتوقّف).
في دولةٍ كروسيا، وقبلها الاتحاد السوفياتي، كلّ دولارٍ ينفق على القطاع العسكري هو خسارةٌ كاملة، ويذهب من طريق الاستثمار والاستهلاك والنموّ، على عكس الوضع في أميركا. الانفاق العسكري يُقتطع من رفاهية الشعب وحاجات الدولة، والمهندس الايراني الذي يعمل في قطاع التسليح يحتاجه البلد بشكلٍ ماسّ في الصناعة والطاقة وغيرها من القطاعات الحيوية التي لم تنمََ بعد، وهو ليس "فائضاً" بأي حالٍ من الأحوال. هذا من الاسباب التي جعلت الاتحاد السوفياتي يخسر سباق التسلّح بسهولة أمام الغرب، وهو ايضاً ما جعل القيادة السوفياتية ــــ منذ أيام خروتشيف ــــ تسعى الى تجنّبٍ منافسةٍ من هذا النّوع. الحرب بالنسبة الى الرّوس ليست أمراً بيروقراطياً بل هي، في العادة وبالتجربة، صراعٌ على البقاء، يذهب ضحيته ملايين الرّوس وتدمّر فيها البلاد بشكلٍ تام (بالمقابل، من بين عشرات الحروب الغربية في العقود الأخيرة، متى وجدنا أميركا تقاتل دفاعاً عن أرضها الوطنية أو ضد تهديدٍ وجودي؟).
في مقالٍ عسكري عن روسيا، يلحظ الكاتب هذه المفارقة الطريفة: الجنرالات والضباط الروس يبدون غالباً وكأنهم خرجوا للتوّ من ستالينغراد، وشهدوا فظائع لا توصف وارتكبوا مثلها، فيما القادة العسكريون الأميركيون ــــ كويسلي كلارك أو بيترايوس ــــ لهم مظهرٌ "نظيف" مدني، يليق بمدير شركة أو موظّف في مصرف. هذا لأنّ القائد الروسي يُعدّ ليوم المحنة، وهو كئيب على الدوام لأنه يعرف أن الحرب حين تقع، فهي ستكون عنيفة وثقيلة ومكلفة، وستُخاض بالأظافر والأسنان. أمّا نظيره الأميركي، فهو "يدير" ــــ بحيادية و"مهنية" ــــ خمس حروبٍ في وقتٍ واحد، ليس فيها ما يمسّ بلاده أو شخصه أو عائلته. من العدواني هنا، وما معنى العدوانية؟ مفهوم "الامبريالية"، لو أخذناه بجدية، قد يرينا طريقاً بديلاً عن ايديولوجيا الهيمنة وأخلاقها.