هي مأساة شاملة. الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥ - ١٩٩٠) موت حزين يُندي جبين الإنسانية كلّها، لا القوى المشتركة فيها فحسب. أحد أوجهها الحزينة تلك، والبارزة دون شك، حصار مخيم تل الزعتر في عام 1976، إذ مثلّ سقوطه - حينها - نقطة تحول عسكري وسياسي هامّةً في مسار الأحداث، لكن المحاولة غير النزيهة لاستدعاء الحدث اليوم، معزولاً عن المناخ العام الذي أنتجه هو - بالنسبة إلي - اجتزاء مسيء للعمل التأريخي، وللشهداء ومحاولة غير نبيلة لتوظيف المأساة في خدمة الهجوم «الناعم» على الدولة السورية، الذي هو جزء أساسي، ومكمّل وموازٍ للحرب الأميركية المستمرة على دمشق منذ ستة أعوام.

بالطبع فإنه من السهل تبنّي سرديّة المنتصرين حينها: رواية الكتائب والقوات وبقية قوى اليمين اللبناني (المتحالف وقتها مع اليمين العربي كلّه، من السعودية إلى مصر مروراً بالأردن وحتى العراق، حتى لا نذكر المرجعيات الأساسية في تل أبيب وواشنطن - وهذا كله تاريخ موثّق)، وهي روايةٌ مليئة بالمغالطات، والمبالغات، والعدواة العنصريّة البغيضة. فالمهزومون والضحايا لا صوت لهم. والمصادر التاريخية حول الفترة الدامية قليلة، وشديدة الانحياز بحيث لا يمكن تكوين سردّية بديلة موثّقة.
هنا، أحاول إعادة تركيب مشهد مأساة تل الزعتر، عن طريق وضعه ضمن السّياق الكلّي للأحداث، وتجنّب السقوط في فخ الاجتزاء، والاقتطاع السائد، حتى دون الدّخول في التفاصيل التقنية للحصار، ومن ثم تقديم قراءة نقدية - سريعة - لدور مزعوم للدولة السورية في تنفيذ الحصار على المخيم.
البداية كانت في الساعة الواحدة والنصف فجر ٢٧ تشرين الأوّل ١٩٧٣. شقّ الضابط المصري، عدلي الشريف، طريقه عبر خطوط النار في سيناء نحو خيمة كبيرة مزينة بنجمة داود الزرقاء، وصافح مدير الاستخبارات الإسرائليلة، اللواء أهارون ياريف، قائلاً: «لقد تحاربنا بشجاعة لثلاثة أسابيع، فلنحاول الآن التوصل إلى سلام مشرّف».
كانت تلك نقطة الكيلو ١٠١، والتي منها بدأت مرحلة الانحسار العربي المتسارع في تاريخ المنطقة، وكشفت أوراق كل الأنظمة الوظيفية، والدول العميقة، ورؤساء العصابات الذين كانوا هبة الإمبريالية للمنطقة، وهي مرحلة - وإن استمرت مفاعيلها إلى الآن - فإنها انتهت رمزياً عام ٢٠٠٠، بالانسحاب الإسرائيلي الذليل من جنوبي لبنان، وتحوّلت إلى شكل صراع آخر، ليس هذا مكاناً للحديث عنه.
لم يحضر الأميركيون محادثات الكيلو ١٠١ بأنفسهم، لكن روح الدكتور هنري كيسنجر - طويل العمر - كانت حاضرة. الإسرائيليون امتصوا صدمة هجمات تشرين الأوّل، وحققوا نصراً استراتيجياً هائلاً على الجيش المصري، فحوصر الجيش الثالث، وأصبحت القاهرة نفسها مهددة بالاجتياح رغم جعجعات أنور السادات بأن «الجيش الثالث ثابت وصامد كالصخر». بالطبع فإن الإسرائيليين المنتصرين لم يكن لديهم أي دافع لمنح الهدايا المجانية لعدلي الشريف - ربما غير كوب من الشاي - ولولا إصرار كيسنجر الشخصي على القيادة الإسرائيلية بضرورة فتح ممر إغاثة حيوي للقوات المحاصرة (وتحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة)، لما أمكن للسادات التظاهر بحصوله على التعادل، وأن الأمم المتحدة تسيطر على الأمور. لقد كان ممر الإغاثة هذا ضربة المعلم التي فتحت الطريق لكيسنجر كي يتولى من بعدها التلاعب بالرئيس المؤمن ضمن سياسة الخطوة خطوة، وعزل مصر نهائياً عن محيطها الإقليمي.
انتهت المحادثات وما تلاها من مداولات بتوقيع اتفاقية فكّ الاشتباك الذي حصل من خلاله الإسرائيليون على كل ما يريدونه تقريباً، مقابل انسحاب محدود لخطٍّ يقع على بعد ١٥ ميلاً من قناة السويس، مع تحديد دقيق لعدد القوات المصرية المسموح بتواجدها على الضفة الشرقية من القناة. بالطبع كانت الاتفاقية هزيمة شاملة لا تحتاج لكثيرٍ من التأويل، لكنّها كانت بمثابة صفعة شديدة للدولة السوريّة بالذات. فحافظ الأسد كان شريك مصر في الحرب، ودفع جيشه أثماناً باهظة في القتال الشجاع على جبهة الجولان، وهو بسبب سلوك السادات المشبوه اضطر مكرهاً لقبول الوساطة الأميركية للحصول على فك اشتباك خاص به. كان السادات قد سلك طريق التسليم بتهور غير مسبوق، فسارع إلى توقيع اتفاقية سيناء الثانية، متوقّعاً في ٢٨ أيلول ١٩٧٥ في خطابه في مجلس الشعب المصري أن السوريين سيلحقون به، وأنه حصل من الرئيس الأميركي (جيرالد فورد) على تعهد بإشراك الفلسطينيين في أي تسوية ستتم.

لم يشارك السوريون مباشرةً في حصار تل الزعتر ولا غيره

استشاط السوريون غضباً مما أسموه «اتفاقية الخيانة»، التي كانت بمثابة تسليم «بتجميد الجبهة المصرية في الوقت الذي بقيت فيه سيناء فعلياً تحت الاحتلال، مع إعطاء إسرائيل الفسحة اللازمة لتركيز مواردها في الجبهات الأخرى». كان حافظ الأسد قلقاً جداً من تسارع الانهيار الرسمي المصري لأسباب استراتيجية مفهومة، وهو أراد مواجهة اندفاع السادات التهريجية لتولي وكالة النفوذ الأميركي في العالم العربي، وهو من أجل ذلك ارتأى أن تستجيب سوريا له عن طريق توثيق نفوذها الإقليمي في سوريا الكبرى. هذا كان ما دفع الرئيس الأسد إلى فتح الباب للملك حسين مرة أخرى، بعدما كاد البلدان أن يخوضا حرباً قبل خمس سنوات فقط، وأيضاً إلى وضع لبنان والمقاومة الفلسطينية تحت جناحه. كان ذلك خطراً بشكل مباشر على إسرائيل، لكن الذي تولى مواجهة طموحات حافظ الأسد الإقليمية هذه كان السادات، الذي أطلق ما أسماه سياسة «تحجيم» مناوئيه في المنطقة العربية، أي بمعنى آخر الرئيس الأسد.
هذا الصراع الإقليمي بين جناحي (الأمة العربية) انفجر بأعنف ما يكون على شكل حرب أهليّة لبنانية. لبنان، الذي منذ اقتطعه الفرنسيون من سوريا في ١٩٢٠ وأقاموا فيه دولة على شكل تحالف لزعماء العصابات، كان خاصرة رخوة لسوريا، ويمتلك من تاريخ الصراعات المحليّة بين طوائفه التي التحق بها الفلسطينيون (عسكريون ومدنيون)، وأيضاً من صراعات سياسية موضعية ما يؤهله لاشتعال سريع. وهكذا حملت الميلشيات اليمينية اللبنانية السلاح ضد الفلسطينيين وحلفائهم من اللبنانيين في حرب بدأت على نطاقات محدودة، لكنّها ما لبثت أن انفجرت على نطاق واسع بعد اتفاقية سيناء الثانية. لا تحدث الحروب الأهلية بالصدفة طبعاً، فقد روى روجر موريس - أحد مساعدي كيسنجر حينها - كيف كان سيده يقوم بأعاجيبه الديبلوماسية في الشرق الأوسط، فيما المخابرات المركزية الأميركية تدعم اليمين اللبناني بصورة سريّة، ما أدّى إلى استنزاف مرعب لمنظمة التحرير الفلسطينية، ما أخرجها فعلياً من إمكان تهديد إسرائيل بأي شكل، «وهو أمر كان يتم من وراء الكونغرس ولجان الإشراف على السلطة التنفيذية» وفق ما يذكر موريس، الذي لم يؤكّد فيما إذا كان كيسنجر نفسه مطّلعاً على نشاط هذا الجزء من الاستخبارات الأميركية أم لا.
وينقل ديفيد هيرست، عن مصدر سوري، قوله حينها إن «اتفاقية فكّ الاشتباك في سيناء، بدأت تكشف ثمارها في شوارع بيروت». عندئدٍ، كان السادات مستعداً للوقوف حتى مع الشيطان نفسه ضد حافظ الأسد، وهكذا حينما كان السوريون وضعوا ثقلهم في بداية الحرب وراء الفلسطينيين وقوى اليسار اللبناني، دعم اليمين اللبناني.
استراتيجية حافظ الأسد لبنانياً كانت في ذلك الوقت تتلخص في عدم منح أي من الطرفين انتصاراً حاسماً في الحرب، أملاً بتحقيق توازن سياسي في البلاد يخدم أهدافه الإقليمية في سوريا الكبرى. وهكذا، عندما ظهر وكأن الأسد حقّق أهدافه، استاء السادات وعزم على تخريب الهدوء. وفعلاً بعد أقل من شهر من هدوء غير مستقر، عادت الحرب للانفجار وعلى نحو أشد عنفاً هذه المّرة. كان الفلسطينيون الذين يقودهم المغامر السياسي ياسر عرفات قد شعروا بالثقة النسبية بعد الجولة الأولى من الحرب، وأرادوا التصرف على مزاجهم في الساحة اللبنانية - لا يعرف بالطبع بتوجيه من، وهذا بحث آخر - الأمر الذي أزعج السوريين ودفع بحافظ الأسد إلى تغيير التحالفات ومساندة اليمين اللبناني، وهو تحالف سياسي ميكافيللي محض، أملته سياسة عرفات المعادية لسوريا، لكنه أدّى على نحو أو آخر إلى تمكين اليمين اللبناني من ارتكاب أعمال بربرية ضد الفلسطينيين وحلفائهم، ودخلت التاريخ لبشاعتها. لم يشارك السوريون مباشرةً في حصار تل الزعتر ولا في غيره، لكن حصار المخيّم وسقوطه فيما بعد ما كان يمكن أن يكون دون الثقل الاستراتيجي والسياسي الذي قدّمه الصمت السوري.
كان السادات أسعدهم بالورطة التي وجد السوريون أنفسهم فيها نتيجة حصار تل الزعتر. ونقلت الصحافة المصرية الحكومية بابتهاج، كما يقول ديفيد هيرست، أخبار الإبادة الجماعية للفلسطينيين في المخيم المحاصر، وهو أرسل أسلحة ووحدات من جيش التحرير الفلسطيني المرابط في مصر للقتال إلى جانب قوات عرفات. الزعيم الفلسطيني المهووس بالسياسة كان قد رفض خطط المسؤول العسكري لفتح بكسر الحصار عسكرياً من خلال هجوم التفافي عبر خطوط التماس، وكان قد وافق، تقريباً، على تسليم المخيم للكتائب اللبنانية سلمياً عندما نجحت القوات الانعزالية في دخوله.
دفع الفدائيون الفلسطينيون الشجعان، وسكان المخيم المدنيون المحاصرون في المخيم ثمناً باهظاً خلال القتال وبعده في مذبحة يندى لها جبين الإنسانية، اشترك فيها الجميع: قوى الانعزال اللبناني كافّة بما فيها الجيش اللبناني حينها، مدعومين بالطبع من المخابرات الأميركية والموساد والأنظمة الوظيفية في المنطقة دون استثناء، وأيضاً بمساهمة فظّة من النظام المصري، وتعمّد إساءة إدارة المعركة من عرفات، وبتقديرات سياسية سوريّة لم تحسب حساباً للدم المراق في المخيم. للأسف.
سقط المخيم، وشُرّد من نجى من القتل المجاني فيه، وانتصر اليمين. وبالنتيجة الضمنية النظام السوري. عندها فقط تدخلت السّعودية، وجمعت الخصمين الأسد والسادات في الرياض في ١٨ نشرين الأوّل ١٩٧٦، وبعدها في مؤتمر القمّة العربية في القاهرة، 1977، حينما اعترف السادات بأن لسوريا وضعاً خاصّاً في لبنان، وكان من مفاعيله أن سميت القوات السورية المنتشرة في البقاع وشرقي لبنان بـ"قوات حفظ السلام العربية".
هكذا فإن مأساة المخيّم التي ينبغي لنا جميعاً أن نتعلم منها الدروس، لا تصلح أبداً أداةً للسّجال في المسألة السوريّة الحاليّة. إذ أن الإدانة التامة - إن حصلت - يجب أن تشمل جميع العرب من المحيط إلى الخليج، مروراً بمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتهاء بأسيادهم في واشنطن وتل أبيب، وهي أصلاً إدانة متأخرة، فارغة، لن تقدم للشهداء والجرحى سوى ذكريات ماضٍ أسودٍ حزين.
* باحث عربي في الشؤون الأوروبية