ليس من المبالغة القول إن حالة من الذعر تسود أوساط صهاينة أميركا —حرّاس دولة العدوّ الإسرائيلي. العالم يتغيّر من حولهم وليس هناك من طريقة لإرجاعه إلى الوراء. يستطيع الصهاينة أن يحافظوا في المدى المنظور على مستوى هائل من الدعم الأميركي العسكري والاقتصادي لدولة الاحتلال. ويستطيع صهاينة أميركا أن ينتشوا لأن الحكومة الأميركيّة تفرض أجندتها في السياسة الخارجيّة نحو الشرق الأوسط على المجموعة الأوروبيّة (ليس هناك من سياسة أوروبيّة مستقلّة عن سياسة أميركا، كما كان الأمر إلى حدٍّ ما حتى الثمانينيات). ويستطيع صهاينة أميركا أن يطمئنّوا لأن الحكومة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة على وشك توقيع اتفاقيّة تضمن دعماً أميركيّاً اقتصاديّاً وعسكريّاً بقيمة ٣٧ مليار دولار على مدى عشر سنوات (أي نحو ٣,٧ مليار في السنة، بزيادة تقلّ عن المليار في السنة الواحدة عن المستوى الحالي من الدعم). وكان نتنياهو يأمل بزيادة القيمة إلى ٤ مليارات في السنة لكن إدارة أوباما رفضت ذلك، وأصرّت على أن تكون القيمة نهائيّة وهي تلزم دولة العدوّ بعدم التقدّم إلى الكونغرس بطلبات زيادة خلال هذه المدّة. وكانت حكومة نتنياهو تماطل في المفاوضات حول الاتفاقيّة لأنها أملت بأن يأتي واحد من المرشّحين الجمهوريّين، من أمثال تد كروز أو ماركو روبيو، إلى سدّة الرئاسة كي تطلب منه ما تشاء، لكن نتنياهو اقتنع أخيراً بأن ليس هناك ما يضمن أن لا يأتي رئيس أميركي أقلّ حبّاً لدولة العدوّ. وقيمة الدعم هذه ليست بسيطة أبداً لكنها في السياق التاريخي تأتي لتخفّض سقف الرضى الإسرائيلي.

تكفي المقارنة للتدليل على واقع المساعدات الأميركيّة لدولة العدوّ. كان حجم الدعم الأميركي بعد حرب أكتوبر يبلغ ٢٠٪ من مجمل الناتج المحلّي الإسرائيلي، وكان ذلك يشكّل نصف الميزانيّة الدفاعيّة الإسرائيليّة. أما اليوم فإن الدعم الأميركي يبلغ ١,٥ في المئة من مجمل الناتج المحلّي الإسرائيلي، وهو نحو عشرين في المئة من ميزانيّة الدفاع الأميركيّة. لا تزال دولة العدوّ هي المحظيّة الأولى في رصد أموال المساعدات الخارجيّة من قبل الكونغرس، ولا تزال ميزانيّة الدعم الأميركيّة تسمح لإسرائيل بالإنفاق على صناعة التسليح (لكن بنسب أقلّ وفق هذه الاتفاقيّة التي تتولي شراء المعدّات والسلاح من الصناعة الأميركيّة). ليست هذه أرقاماً صغيرة في حجم الدعم، لكن العدوّ لا يستطيع في زمن عصر النفقات أن يتأمّل زيادة أكبر في الدعم، كما كان نتنياهو يأمل كثمن للرضوخ الإسرائيلي (المكره) للاتفاقيّة النوويّة مع إيران. لكن هناك في الأفق ما يثير قلق الصهيونيّة الأميركيّة.
ليست العلاقات الأميركيّة ــ الإسرائيليّة في أزمة على المستوى الرسمي. صحيح أن أوباما لم يكن متيّماً بنتنياهو لكنه لم يقلّ دعماً للعدوان والاحتلال الإسرائيلي عن سابقيه. لا بل إنه، ربما بسبب اللغط حول أصل عائلته الأفريقية والمسلمة، شعر بحاجة إلى إثبات ولائه لمصلحة دولة العدوّ. ولم يُخطئ شمعون بيريز عندما نوّه بحجم الدعم الذي تلقّته دولة العدوّ من أوباما في سنوات حكمه. هذا الرجل دعم مجازر العدوّ قبل أسابيع فقط من تبوّئه لسدّة الرئاسة في ٢٠٠٨، عندما ناصر الحرب على غزة. واللوبي الإسرائيلي لا يزال يسيطر على أجندة وخطاب ومصطلحات الكونغرس الأميركي فيما يتعلّق بالسياسة نحو الشرق الأوسط والإسلام. لا يشذّ عن ذلك الجمهوريّون الذين باتوا خاضعين بالكامل للرؤية الدينيّة لصهاينة المسيحيّة في الجناح التبشيري في الحزب الجمهوريّ (وصهاينة المسيحيّة يتفوّقون على صهاينة اليهوديّة في التطرّف والعدوانيّة ضد العرب لأنهم يسترشدون في رؤيتهم لواقع الشرق الأوسط مِن نبوءات إنجيليّة)، ولا الديمقراطيّون الذين يعتبرون كلام بيرني سندرز عن إسرائيل (عندما قال إنه ليس متيّماً بنتنياهو) بأنه ذروة الوقاحة والخذلان نحو إسرائيل.
لكن مشكلة الصهيونيّة الأميركيّة هي مشكلة ديمغرافيّة لا حلّ لها. يرصد أصحاب المليارات من الصهاينة ملايين الدولارات لحلّ هذه المشكلة من دون جدوى. ماذا يفعل الصهاينة الأميركيّون عندما يرون تعاقب الأجيال أمام ناظريهم؟ ماذا يفعلون تجاه أن دولة العدوّ فقدت بريقاً مميّزاً كانت تتمتّع به حتى السبعينيات من القرن الماضي؟ بعض الأرقام توضح المشكلة لهم. في استطلاع للرأي من قبل مؤسّسة «بيو» في أيّار الماضي تبيّن أن ٢٧٪ من الشباب في أميركا (ما يُسمّى هنا بـ«الألفيّين» مع أن التسمية غير عمليّة لأنها تشمل مواليد ما بعد الثمانينيّات حتى الألفيّة، أي ما بين جيل «إكس» وجيل «زد») يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني فيما كانت تلك النسبة هي ٩٪ فقط في سنة ٢٠٠٦. كما أن نسبة مناصرة إسرائيل بين أفراد هذا الجيل تناقصت من نسبة ٥١٪ إلى نسبة ٤٣٪ في الحقبة الزمنيّة نفسها. قد تكون هذه النسب متواضعة جدّاً للجمهور العربي الواثق من أحقيّة القضيّة الفلسطينيّة لكن هذه النسب هي ما يثير الرعب في نفوس صهاينة أميركا. لقد كانت نسب دعم الرأي العام الأميركي هي واحدة بين مختلف الفئات العمريّة وبين مختلف الأعراق والإثنيّات. لكن من سِمات التغييرات في طبيعة وقواعد التأييد الشعبي لإسرائيل في أميركا أن التأييد تغيّر عبر السنوات بطرق مختلفة. لم تعد سمعة إسرائيل على ما كانت عليه بعد النكبة. وفي عدوان غزّة الأخير في عام ٢٠١٤، كانت العلاقة بين دعم إسرائيل والتقدّم في السن مباشرة وواضحة: كلّما تقدّم السن كلّما كان تأييد العدوّ الإسرائيلي أكبر، والعكس صحيح.

لم تعد
سمعة
إسرائيل على ما كانت
عليه بعد النكبة

عوّلت الحركة الصهيونيّة الأميركيّة على عدة عوامل لبناء قواعد شعبيّة متنوّعة للتأييد الأميركي لدولة إسرائيل. وكانت عناصر هذا التأييد مبنيّة على أسس التحالف الدولي مع المصالح والخطاب الأميركي في السياسة الخارجيّة. أنشأ بن غوريون هذه العلاقة في مؤتمر «بلتمور» في نيويورك في عام ١٩٤٢، عندما أدرج الحركة الصهيونيّة في صفوف الحرب العالميّة الأميركيّة ضد اليسار والشيوعيّة (فيما كانت الصهيونيّة تروّج لنفسها مع ستالين على أنها حركة اشتراكيّة معادية للرجعيّة اليمينيّة العربيّة الحاكمة). لكن الحرب العالميّة الثانيّة ولّدت أجيالاً أميركيّة شديدة المناصرة لدولة الاحتلال الإسرائيلي لأسباب متعدّدة: ١) شارك الجنود الأميركيّون في الحرب العالميّة الثانيّة وعادوا بحكايات وانطباعات عن ويلات فظائع النازيّة ضد اليهود، وتأسّست ذاكرة شعبيّة أميركيّة عن اليهود من خلال تلك الحرب. ٢) إن تشكيل الوعي الأميركي عن إسرائيل استقى من الانجيل الأميركي، ولا يفصل المتدينون المسيحيّون هنا بين السياسة الدوليّة وبين نبوءات الانجيل. ٣) ساعد إسرائيل ترويجها لنفسها على أنها حمل وديع مُحاط بوحوش عربيّة كاسرة. ٤) كانت الليبراليّة الهوليووديّة (اليهوديّة وغير اليهوديّة) متعصّبة للفكرة الصهيونيّة ومساهمة في زرع أفكارها وتوجّهاتها بين العامّة. لا يمكن التقليل من مدى تأثير فيلم «الرحيل» (وهو مبني على كتاب للعنصري، ليون أوريس) من بطولة بول نيومن. كان معظم نجوم هوليوود الكبار من دعاة الصهيونيّة ومن مموّلي مشاريع في الدولة الصهيونيّة (هناك حديقة باسم فرانك سيناترا في فلسطين المحتلّة). ٥) يعمّ الفكر الليبرالي (المعتدل في نسخته الأميركيّة) في صفوف تلاميذ الجامعات، وكانت الليبراليّة اشدّ الحركات السياسيّة مناصرةً للصهيونيّة في أميركا. ٦) سارعت الصهيونيّة الأميركيّة إلى استثمار صورة الحاج أمين الحسيني مع هتلر كي توازي بين الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وبين النازيّة، وقد ساهم في هذا الاستثمار كل مَن شارك عفواً أو قصداً في التركيز على قضيّة الحاج أمين الذي بولغ كثيراً في دوره في تاريخ الصراع العربي ــ الإسرائيلي، والذي لعب فيه في حقبات مختلفة دور الأداة إما للاستعمار البريطاني في مرحلة أو لبعض الأنظمة العربيّة الموالية للاستعمار في مراحل أخرى. ٧) حظيت الدولة اليهوديّة الفتيّة بإجماع غربيّ شامل، تنافست دول الغرب لمساعدة الدولة الاحتلاليّة الجديدة في عدوانها. ٨) أجمع قادة اليسار الليبرالي ـ في داخل الحزب الديمقراطي ــ والاشتراكي، مثل مايكل هارنغتون، على ضرورة مناصرة إسرائيل. هذه العوامل كلّها تغيّرت على مرّ العقود.
لم تعد صورة الحمل الوديع - عن إسرائيل - قابلة للترويج، وأضحت ذكرى الحرب العالميّة الثانيّة أثراً منسيّاً عند الجيل الجديد من الأميركيّين، وجنود تلك الحقبة ماتوا أو هم في سن الشيخوخة. لم يعد لهم تأثير على تكوين الرأي العام الأميركي، والجيل الناشئ فيه. لا تزال الثقافة السياسيّة والشعبيّة الأميركيّة، بإسهام مباشر من صناعة الأفلام في هوليوود —والذي لا يزال للصهاينة والإسرائيليّين (وحتى «الموساد») دور لهم فيه، كما كشف كتاب جوزيف غلمان ومئير دورون عن أرنون ميلشان تضخّ كماً هائلاً من الدعاية المباشرة الصفيقة أو المبطّنة بالنيابة عن مصالح دولة العدوّ الإسرائيلي. ولا تزال ثقافة التذكير بالمحرقة تربط بين ضرورة دعم دولة العدوّ كثمن للتغفير عن خطايا التواطؤ أو الصمت عنها. ولا تزال المحرقة اليهوديّة تحتلّ موقعاً هاماً في الثقافة الشعبيّة والفنيّة في هذه البلاد: لا ضيرَ في ذلك لكن كل جملة عن المحرقة تكاد تليها جملة مديح باحتلال إسرائيل، كان منع حصول المحرقة يتطلّب السماح لإسرائيل بارتكاب المزيد من المجازر وجرائم الحرب والاحتلال.
وفقدت دولة العدوّ بريقَها ووهْجها بين الأمم في المنظور الأميركي. لم تعد تحتلّ موقعاً مرموقاً في الخيال الأميركي خارج العاصمة واشنطن، وخارج عواصم الولايات حيث مقرّات المجالس الاشتراعيّة المحليّة. لم يعد نجوم هوليوود يتنافسون لجمع التبرّعات لدولة العدوّ: آخر حفلة جمعت أمثال سيلفستر ستالون وأرنولد شوارتزنغر وبربارة ستراسيند. جيل ممثّلي أفلام العنف العتاق لا يُقرّرون القيم الأخلاقيّة ولا يؤثّرون على آراء الشباب الأميركي. يكاد التعاطف مع إسرائيل ينحصر في أبطال الأفلام المتقاعدين. وفيلم أدام سندلر الكوميدي، «لا تعبث مع زوهان» كان علامة فارقة من حيث قبول مبدأ التوازي بين آثام الطرفيْن في الصراع —وكان هذا مرفوضاً قطعاً في زمن سينمائي سابق— مع ان الموازاة بين جرائم العدوّ وحق الشعب الفلسطيني يُعتبر ــ وعن حق ــ مُستفزّاً لنا كعرب.
تغيّرت قواعد تأييد إسرائيل في أميركا. ففي استطلاع لمؤسّسة «بيو» في عام ٢٠١٤، تبيّن ان ٣٩٪ بالمئة من الليبراليّين يتعاطفون مع إسرائيل فيما يتعاطف معها ٧٧٪ من المحافظين الجمهوريّين. وهذه النسبة هي التي تثير القلق في أوساط صهاينة أميركا لأن الآية انعكست: كان الليبراليّون الأميركيّون هم قاعدة الصهيونيّة الأميركيّة ورافعو لوائها. وأهميّة الليبراليّين أنهم أكثر تواجداً في الأكاديميا والإعلام والفنون بصورة عامّة. أي ان مفاتيح التأثير الثقافي هي في أيديهم. كان هؤلاء بحكم نفوذهم الثقافي باني وراسمي أوتاد الدعم الشعبي لدولة العدوّ على مرّ العقود. والحزب الجمهوري هو فاقد التأثير بين الشباب المتعلّم (وخصوصاً خارج نطاق البيض من الذكور). وفي استطلاع لمؤسّسة بروكنغز أجراه شبلي التلحمي عن رؤيّة الأميركيّين لخيار ضغط أميركي على أطراف نزاع الصراع العربي ــ الإسرائيلي، فضّل ٧٧٪ من الديمقراطيّين حياداً أميركيّاً نحو طرفيّ الصراع، فيما فضّل ١٧٪ منهم انحيازاً نحو إسرائيل وفضّل ٦٪ انحيازاً نحو إسرائيل. أما في المقلب الجمهوري، فقد فضّل ٥١٪ انحيازاً نحو إسرائيل، فيما فضّل ٤٦٪ حياداً أميركيّاً، وفضّل ٢٪ فقط انحيازاً نحو الفلسطينيّين (راجع دراسة «التوجّهات الأميركيّة العامّة نحو الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي»، الصادر في أيّار ٢٠١٤ عن مركز سياسات الشرق الأوسط في مؤسّسة بروكنغز). لا تشفي هذه الأرقام غليلنا، لكنها تؤشّر على تغييرات هامّة في طبيعة وتوجّهات الرأي العام الأميركي نحو الشرق الأوسط. طبعاً، لا يزال الحزب الديمقراطي (مثله مثل الحزب الاشتراكي الفرنسي أو حزب العمّال البريطاني) لا يحيد عن صراط الصهيونيّة الأميركيّة متناقضاً في ذلك مع توجّهات قاعدته الشعبيّة (لهذا، فإن هتافات الاستنكار لاحقت إعلانات هيلاري كلينتون المؤيّدة لإسرائيل في حملتها الانتخابيّة، فيما كانت انتقادات بيرني سندرز — الطفيفة جدّاً — لإسرائيل تحظى بهتافات التأييد).
لكن هناك ملاحظات جون زلر في دراساته عن الرأي العام الأميركي، وكيف تتأثّر العامّة بعناوين وخطاب وآراء النخبة، خصوصاً في مجال السياسة الخارجيّة. واللوبي الصهيوني والخليجي يقبض بحزم على مفاصل عالم مؤسّسات الفكر والأبحاث في واشنطن، لأن هؤلاء يحتكرون تفسير العلاقات الدوليّة في الإعلام السائد. لكن الإعلام نفسه تغيّر، وهذا أضرّ بقضيّة الصهيونيّة. كان أكثر مِن نصف الشعب الأميركي في الخمسينيات والستينيات يتابع ثلاث نشرات أخبار كانت العائلة تحضرها بأكملها. وكان يُطمئن العدوّ ان مذيعي النشرات كانوا من الجيل الذي تشبّع بالصهيونيّة (باستثناء مذيع محطة «إي. بي. سي» الأميركيّة، الكندي بيتر جننغز، والذي تسلّم مقدرات إدارة النشرة في السبعينيات وبقى حتى وفائه ينغّص على الصهاينة أمسياتهم لأنه تعلّم عن القضيّة الفلسطينيّة مبكّراً خلال إقامته في بيروت وزواجه الأوّل من لبنانيّة). أما اليوم فقد تشتّت الإعلام، أي ان قدرة الصهيونيّة الأميركيّة على السيطرة على توجّهات وآراء الإعلام باتت مستحيلة. والجيل الجديد لا يتابع نشرات الأخبار البليدة على الشاشات، وهو يفضّل عليها الانتقاء في تتبّع الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي —الذي لا يخضع للسيطرة الصهيونيّة، خصوصاً ان الشباب العربي (المقيم في الوطن أو في الغربة) بات ناشطاً بقوّة فيه، متصدّيّاً للدعاية الصهيونيّة. هذا يفسّر رصد الملايين من الدولارات من قبل حكومة العدوّ لدحض إعلام ودعاية القضيّة الفلسطيني على وسائل التواصل (وهذا الإعلام والدعاية لا علاقة لها بمنظمّة التحرير العجوزة أو لسلطة التواطؤ مع الاحتلال في رام الله).
وقد نشرت جريدة «لوس أنجلوس تايمز» قبل أيّام فقط عن نشاط مالي هائل للملياردير، شلدن أديلسون، الذي يُكرّس أموالاً طائلة للتشهير بأسماء الناشطين والناشطات في الجامعات الأميركيّة ضد العدوّ الإسرائيلي. وقد اعتاد الناشطون العرب - على قلّة عددهم - بين أساتذة الجامعات على تلقّي التهديدات والاتهامات بمعاداة الساميّة من قبل منظمّات صهيونيّة أميركيّة أُنشئت فقط بغاية ذمّ أعداء إسرائيل وتشويع سمعتهم. لكن الحملات هذه باتت تطال تلامذة جامعات باتوا يتلقّون التهديدات بانتظام بسبب تشهير على «تويتر» من قبل منظمّة مثل «كاناري مِشن» التي تتهم كل أعداء إسرائيل بمعاداة السامية ودعم الإرهاب (شنّت المنظمّة حملة ضدّي في الأشهر الماضية، وأدّت كالعادة إلى تلقّي تهديدات بالقتل من قبل أفراد صهاينة). لكن التلاميذ أقلّ حماية وأسهل تخويفاً، وبعضهم يتخلّى عن النشاط السياسي المعادي لإسرائيل بسبب عنف الحملات، لكن بعضهم يستمرّ ويثابر في النشاط.
وينسب صهاينة أميركا هذا النشاط المعادي لإسرائيل إلى حملة المقاطعة «بي. دي. إس». وقد وصفها ديفيد بورغ، المدير التنفيذي لمنظمّة مُكرّسة لمواجهة حملة المقاطعة (ومموّلة من قبل أديلسون بقيمة أوليّة تبلغ ٥٠ مليون دولار)، بأنها «الرقم واحد في التهديدات غير العسكريّة لإسرائيل والشعب اليهودي» (دائماً يُقرن الصهاينة بين معاداة إسرائيل وكراهية الشعب اليهودي في محاولة بائسة لاستحضار شبح الحرب العالميّة الثانية ووصم الأحقيّة الفلسطينيّة بالنازيّة). وأضاف بورغ: «أن هدفنا هو تغيير الجيل الشاب من المحايد، إن لم يكن معادياً، لإسرائيل إلى دعم إسرائيل». لكن الجيل الجديد تحرّر من وسائط التأثير الصهيونيّة التقليدية. وهو أقلّ تأثّراً بالكنيسة (الجيل المسيحي الجديد يحافظ على إيمانه لكن باستقلالية عن الكنائس التي تزرع الصهيونيّة في نفوس مريديها).
لكن الحملة المسعورة من قبل الصهاينة الأميركيّين لاقت بعض الردود العكسيّة. فقد ثار كثيرون ضد الملصقات التي نشرها تنظيم تابع لليساري السابق ديفيد هروفتز (كان الرجل من ماركسيّي الستينيات في أميركا، وتحوّل —مثل اليساريّين السابقين في بلادنا— نحو اليمينيّة الرجعيّة وهو يتلقّى تمويلاً لا يفصح عن مصادره لمحاربة أنصار فلسطين في الجامعات)، وفيها يُشهّر بـ«كارهي اليهود». وقد وصف نائب رئيس جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس، جيري كانغ، أساليب هذه الملصقات بأنها «تخويف أوغاد»، واعتماد على «القوائم السود» التي تثير حفيظة مَن درس عن الحقبة الماكرثيّة.
وصعوبة عمل المنظمّات الصهيونيّة في جامعات كاليفورنيا —وفي غيرها— أن الجيل الجديد من الناشطين من أجل فلسطين (وفيهم عرب ومسلمون ويهود وأفراد من أعراق مختلفة) يقيمون تحالفات عريضة تجمع بين منظمّات حقوق السود ومنظمات الحريّات المثليّة ومنظمّات حقوق النساء ومنظمّات حقوق ذوي الأصل الهسباني. هذا يصعّب من عمل الصهاينة لأن هذا التحالف العريض لا يسهل ذمّه بالكامل من دون إثارة حساسيّات على مستوى العلاقة بين الجاليات اليهوديّة وبين الأقليّات الأخرى.
وفي مقابل هذه الوسائل، تعمد الحركة الصهيونيّة الأميركيّة إلى وسائل رخيصة لرمي تهم معاداة لليهود ضدّ كل أعداء إسرائيل وعدوانها في الجامعات الأميركيّة والكنديّة. فلو تعرّضت تلميذة يهوديّة لحادثة معيّنة، تضجّ بها الصحافة الأميركيّة وتُعمّم القصّة للتشهير بحركة المقاطعة. وقبل بضع سنوات، وفي مناقشة للمجلس الطلابي في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس (المذكورة أعلاه)، سأل عضو في مجلس الطلبة تلميذة يهوديّة مُرشّحة: وهل يمكن لكِ ان تكوني حياديّة في مواضيع تتعلّق بالمقاطعة، وهي مطروحة على الأجندة؟ صحيح، أن السؤال ظالم لأنه يفترض ما يفترض بناء على الانتماء الديني للتلميذة، لكن «نيويورك تايمز» وضعت خبر هذه الحادثة على الصفحة الأولى ضمن تقرير طويل عن معاداة اليهوديّة في الجامعات الأميركيّة. وقبل بضعة أيّام نشرت «واشنطن بوست» مقالة لتلميذة يهوديّة في جامعة مكغل في كندا تقول فيها إن على كل اليهود التحضّر لمعاداة الصهيونيّة في الجامعات، وضمّنت مقالاتها حادثة قالت فيها إن هناك مَن وصفها بـ«صهيونيّة» مع كلمة بذيئة. لكن هذه الشتيمة (في صياغتها الانكليزيّة) مهينة لها كمرأة لا كيهوديّة. لكن من ضرورات التذمّر الصهيوني عن تنامي التعاطف مع فلسطين في الجامعات هو إقحام خطاب التهويل باللاساميّة، لأن ذلك يثير حفيظة المجتمع (والقانون في دولة مثل فرنسا).
إن حالة القلق التي تسود بين صهاينة اميركا تترافق مع حالة القلق التي ساورتهم بعد حرب تمّوز وبين العدوان المستمرّ على غزة، والذي تبيّن فيه ان العدوّ فقد القدرة على النصر السريع والحاسم، أي ان عماد استراتيجيّته ضد العرب تبدّدت. وفي مقابل ذلك، تنمو في الجامعات الأميركيّة والغربيّة بصورة عامّة، حالة تعاطف مع قضيّة الشعب الفلسطيني، وأصبحت فيه قضيّة الصهيونيّة لا تجذب إلا الشيوخ والطاعنين في السنّ. هذا لا يعني ان الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من دول الغرب سيتغيّر أو انه سينقص عمّا قريب. لكن الصهيونيّة بنت كيانها «دونماً، دونماً، وماعزا، ماعزا»، كما كان ديفيد بن غوريون يقول. وتحرير فلسطين لن يتحقّق بضربة حاسمة واحدة، بل بـ«دونم فوق دونم، وماعز زائد ماعز». وكل مليارات الصهاينة لن تمنع ذلك.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)