عقب بدء أولى ضربات «التحالف» الذي تقوده السعودية على اليمن قبل حوالى شهرين، جاء الاعلان السعودي بدء عملية «عاصفة الحزم» على لسان عادل الجبير، والذي كان لا يزال آنذاك يشغل منصب سفير الرياض لدى واشنطن. يبدو أن ذلك كان مقدمة لتعزيز دور الجبير في توجهات السعودية، اذ بالكاد مر شهر واحد قبل ان يعيّن وزيراً للخارجية ضمن التغييرات الكبيرة التي اجراها الملك سلمان، ليصبح بذلك الشخص الثاني فقط من خارج العائلة الملكية يتولى هذا المنصب منذ تأسيس المملكة.


صعود الجبير يشير بوضوح الى حاجة الرياض لشخصية تعرف حق المعرفة «واشنطن من الداخل» ليكون كبير الدبلوماسيين السعوديين، وذلك في الوقت الذي تنطلق فيه المملكة بسياسات هجومية غير مسبوقة تحت حكم الملك سلمان.
منذ تولي سلمان العرش شنت السعودية حرباً على اليمن المجاورة، وعززت جهودها الرامية للاطاحة بالرئيس السوري بشار الاسد، حيث بات هناك تنسيق بينها وتركيا وقطر في دعم الجماعات المسلحة. وفيما ينظر الى هذه السياسات عموماً على انها تأتي في اطار التصدي للنفوذ الايراني، بخاصة أن ايران قد تكون على وشك التوقيع على اتفاق نووي مع الولايات المتحدة وبقية اعضاء الخمسة زائداً واحداً، الا انها تحمل معها خطراً كبيراً يتمثل باطلاق عنان «القاعدة» وتوابعها.

صعود الجبير يشير إلى ح
اجة الرياض إلى شخصية تعرف «واشنطن من الداخل»
ويبدو ان هذه هي النتيجة الابرز لهذا التوجه السعودي، حيث سيطر «القاعدة» على مدينة المكلا اليمنية الساحلية، بينما لعبت «النصرة»، وهي الجماعة التابعة للتنظيم في سوريا، دوراً رئيسياً في السيطرة على بعض المناطق في الشمال السوري مؤخراً. الجدير بالذكر في هذا الاطار هو ان مسألة ارتباط الرياض بالارهاب التكفيري عادت الى الواجهة في الداخل الاميركي حتى قبيل وفاة الملك عبد الله الراحل وتسلم سلمان مقاليد الحكم.
فهناك الحديث الشهير لنائب الرئيس الاميركي جو بايدن في جامعة هارفرد عن دور السعودية (اضافة الى تركيا ودولة الامارات) بتسليح وتقوية المتطرفين في سوريا. وهناك كذلك الرسالة المكتوبة للناشط السابق في تنظيم «القاعدة» زكريا الموسوي المحتجز في سجن في ولاية كولارادو منذ عام 2001، والتي سربت الى وسائل الاعلام الاميركية، ويتحدث فيها عن دور لشخصيات بارزة في العائلة الملكية السعودية بدعم تنظيم «القاعدة» قبل وقوع احداث الحادي عشر من ايلول، بمن فيهم الملك سلمان.
امام هذا المشهد تتضح حاجة السعودية الى من هو قادر على ابقاء الغطاء الاميركي للسياسات الهجومية غير المسبوقة التي ظهرت مع بداية عهد سلمان، مع كل ما تحمله من مخاطر، بينما هناك اصلاً تركيز على علاقة الرياض بالارهاب... وهنا يأتي دور الجبير.
رأس الدبلوماسية السعودية الجديد يبلغ من العمر 53 سنة وهو خريج جامعة جورجتاون الاميركية. امضى الكثير من حياته في الولايات المتحدة وبالتالي يتقن اللعبة في واشنطن جيداً.
فعام 1987 تسلم اول مناصبه الدبلوماسية كمستشار خاص للسفير السعودي لدى واشنطن آنذاك بندر بن سلطان، الذي يعتبر مرشده الروحي. كما احتل مناصب رفيعة عدة في كل من الولايات المتحدة والسعودية قبل ان يعين سفيراً لدى بلاده في واشنطن عام 2007. الجدير بالذكر ان لدى الجبير تجربة سابقة بالدفاع عن بلاده امام تهم الارتباط بالارهاب والتطرف في الداخل الاميركي. فبعد احداث الحادي عشر من ايلول تولى مهمة التصدي لهذه الاتهامات بعد ما تبين ان خمسة عشر فرداً من اصل الافراد التسعة عشر الذين نفذوا الهجمات هم سعوديين. وفي هذا السياق اصبح وجهاً مألوفاً لدى الداخل الاميركي حيث اجرى مقابلات عدة مع كبرى وسائل الاعلام الاميركية بهدف إبعاد هذه التهم عن بلاده.
حتى الآن يبدو ان الجبير ينوي لعب ورقة «الايرانوفوبيا» بقوة في دوره الجديد، إذ تعد هذه الورقة هي الاقوى لضمان الغطاء والدعم الاميركي المستمر الذي تحتاجه المملكة اذا ما ارادت مواصلة هذا النهج الهجومي. يدرك الجبير اكثر من اي دبلوماسي سعودي آخر مدى الضغوط الداخلية التي يتعرض لها اوباما فيما يخص ايران، والمواقف العدائية الشديدة التي يحملها عدد كبير من اعضاء الكونغرس تجاه طهران. بالتالي يعد الاقدر على تقديم الحجة واللغة المطلوبة التي ستجعل من الصعب للبيت الابيض ان يقول للسعودية «كفى».
اثناء الحرب على اليمن، وحتى قبل ان يعين وزيراً الخارجية، تولى الجبير مهمة تبرير مواصلة الحرب على اليمن على رغم عدم احراز تقدم ملحوظ في ما يخص تحقيق الاهداف المعلنة.
عقد مؤتمرات صحافية عدة واجرى العديد من المقابلات، حيث استخدم لغة لا شك انها لقيت آذاناً صاغية في واشنطن. من العبارات التي استخدمها هي ان الحرب على اليمن شنت من اجل «حماية الشعب اليمني من سيطرة مجموعة راديكالية متحالفة مع ايران وحزب الله». وفي حديث آخر وصف الحرب بأنها حرب الضرورة (war of necessity) بين «قوى الخير وقوى الشر»، وهي عبارات عادة ما يستخدمها الساسة الاميركيون لتبرير العمل العسكري.
يضاف الى كل ذلك طبعاً ان وزير الخارجية السعودي الجديد يعرف حق المعرفة مدى قوة اسرائيل في الداخل الاميركي، سواء كان في اروقة الكونغرس أو في أهم وسائل الاعلام. ومن هنا، قد نرى تعزيز الجهود المشتركة بين السعودية وإسرائيل مع خصوم اوباما الداخليين.
كما قد تجد المملكة ان من مصلحتها تعزيز التنسيق مع اسرائيل بسبب نفوذ الأخيرة في وسائل الاعلام الاميركية، حيث أن ذلك قد يسهم في ابعاد الانظار الاعلامية عن مسألة ارتباط الرياض بالارهاب، وبالتالي تحصين الرياض اكثر في الداخل الاميركي. تجدر الاشارة هنا الى ان الجبير ليس غريباً على اسرائيل، حيث كان عضواً في الوفد السعودي الى مؤتمر مدريد، كما حضر التوقيع على اتفاقية اوسلو.
* باحث لبناني