ألِف أهل المشرق العربي، في الأعوام الخمسة الماضية، مشاهد الدمار الذي حلّ في الكثير من مدنه. فقد تحوّل مشهد الركام إلى مادّة مرئيّة يوميّة في نشرات الاخبار، بينما تخرج التقارير بشكل شبه دوريّ عن خطط لإعادة الاعمار. فتارة تتحدث وسائل اعلام عن عقود مع شركات صينية أو روسيّة ستلتزم فيها إعادة اعمار سوريا، وطوراً نسمع عن مشاريع أميركيّة مشابهة قيد البحث في العراق وبعض مناطق سوريا التي تقع تحت سيطرة حلفاء الولايات المتّحدة.

وفي وسط كل هذا الصخب «الانمائيّ» لا تزال الذاكرة تحتفظ بمشاريع إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال الأميركيّ. هذه التجربة التي يمكن وصفها بعمليّة القرصنة كما تقول كارولين أيزنبرغ. فالعراق كان «بقرة حلوب» حسب تعبيرها. فحتى دون العودة إلى الأرقام لا يمكن إنكار أنّ العراق لا يزال متخلّفاً بمراحل عمّا كان عليه قبل الاجتياح، فما بالكم به بقبل العقوبات.

لا تزال الذاكرة
تحتفظ بمشاريع إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال الأميركيّ

ولكن تجربة إعادة إعمار العراق قام بها عدّو احتلّ البلد وأراد أن «يعيد الاعمار»، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال إسقاطها على سوريا والعراق واليمن اليوم، حيث أنّ لا عدو على شفا الانتصار ليفرض شروطه.
الأقرب إلى العقل هو الاعتقاد السائد بأنّ الحلفاء الحقيقيين للقوى التي تدافع عن وجود الدول الثلاث هم من سيتولون المساعدة في هذا الملف. ولنا في ما جرى في لبنان بعد حرب تموز عام 2006 مثلاً، عن حليف ساهم في إعادة الإعمار.

حرب تمّوز: مقاومة ما بعد الحرب

قلّة من الباحثين اهتمّت بدراسة ما حصل بعد حرب تمّوز 2006 من عملية إعادة اعمار للمناطق المنكوبة، ولكن أولئك الذين درسوها خرجوا مذهولين من التجربة. تقدّم نعومي كلاين، في كتابها «عقيدة الصدمة»، هذا النموذج كنموذج مثالي لمواجهة ما يلي الحرب من استغلال الصدمة لفرض أجندات رأسمالية (رأسماليّة الكوارث). تشخّص كلاين ثلاث نقاط أساسية في ما قامت به المقاومة، الأولى هي السرعة التي تحركت بها لمعالجة ملف النازحين ما بعد الحرب، حيث انطلقت عملية تقييم الأضرار ودفع تعويضات بدل الإيجار بعد أيّام معدودة من نهاية الحرب. النقطة الثانية كانت توزيع هذه التعويضات (12000$ في السنة للعائلة المهجّرة) على المنكوبين مباشرة بالإضافة إلى قيمتها المرتفعة نسبياً، والتي تساوي ستة أضعاف ما تلقّاه منكوبو إعصار كاترينا (عام 2005) من وكالة البيئة الفيدرالية الأميركيّة. أما النقطة الثالثة فكانت الاستعانة بالشركات والطاقات المحلّية في عملية إعادة الاعمار. لا بدّ من الإضافة هنا أن المقاومة اتّكلت على الأسواق المحلّية بالكامل في عملية الاعمار. أطلقت كلاين على هذه العملية توصيف «مقاومة الصدمة». وتستدلّ على صحّة أقوالها باستعداد الناس للتحرّك ضدّ الحكومة اعتراضاً على قرارات حاولت فرضها، في إشارة منها إلى اعتصام وسط بيروت الممتدّ من نهاية عام 2006 الى أيار 2008، والذي ربطته بالذاكرة الجماعيّة لدى اللبنانيين التي تربط الدمار والتهجير بمشروع سوليدير، الذي هجّر شاغلي العقارات في وسط بيروت منه. علماً أنّ معظم الباحثين الذين قاربوا هذا الاعتصام ربطوه بشكل أو بآخر باعتراض الشريحة الشعبية التي شاركت في الاعتصام على السياسات النيولبيراليّة المفروضة على لبنان منذ عام 1992.
أمّا في آثار نموذج إعادة الإعمار بعد حرب تمّوز على الاقتصاد اللبناني، فقد ارتفع الناتج المحلّي الإجمالي بين عامي 2007 و2010 ضمناً ما معدّله 9% سنويّاً. يعيد صندوق النقد الدوليّ، في تقريره عام 2010 عن تحليل نمو الناتج المحلّي الإجمالي اللبناني، سبب هذا الارتفاع المطّرد إلى النمو في قطاعي البناء والتجارة على عكس سنوات ما بعد الحرب الأهليّة حيث كان النموّ من نصيب القطاعات الخدماتيّة (المصارف والاتّصالات تحديداً). وبينما علاقة النمو في قطاع البناء بخيارات إعادة الإعمار واضحة، فلا يمكن تجاهل تأثير رأس المال الذي تدفّق لرفد عملية إعادة الإعمار في نمو الاستهلاك وبالتالي قطاع التجارة.
بالطبع لم يكن أي ممّا سبق ذكره وعملية إعادة الإعمار بحد ذاتها ممكناً دون توافر مال نقدي. فقد قدّر جوزيف الأغا، في كتابه «بناء هويّة حزب الله» عبر بحث ميداني انطلق مما أعلنت عنه شركة «وعد» من خطط، قيمة إعادة الإعمار الذي أخذته المقاومة على عاتقها بأربعة مليارات دولار. ولم تكن مساهمة المقاومة في إعادة الإعمار فقط بل تخطّتها إلى التعويضات على المزارعين وأصحاب المصالح، فقد لاحظ مارسيلّو موييكا، في بحث له عن تناقض ما بعد الحرب في جنوب لبنان، كيف أنّ المقاومة، وبالإضافة الى جهد إعادة الإعمار، قد قامت بالتعويض على المتضرّرين من أصحاب المصالح والمزارعين. وقد استعان بمشاهداته ما بعد الحرب في بلدة علما الشعب كمثال عن السهولة التي تمّ التعويض فيها على المزارعين المتضرّرين.
يُقدَّر ما وعدت به الدول المانحة لبنان بعد حرب تمّوز بمليار ومئتي مليون دولار، لم يُعلم على وجه التحديد كم وصل منه الى الخزينة اللبنانية، وكم من الذي وصل قد أُنفق على إعادة الإعمار فعلاً (لطالما ضجّت الصالونات السياسية بالحديث عن انفاق هذا المال لهدف خدمة الفريق الحاكم في حينه تحضيراً لانتخابات 2009). علماً أن هذا المبلغ لا يتضمّن تقدير كلفة البلدات والقرى التي التزمت بعض الدول بناءها.
من أين أتى المال النقدي الذي أُنفق على مدى خمسة أعوام حتى نهاية إعادة الإعمار رسمياً؟
أجمع كلّ الباحثين الذين قاربوا ملف إعادة أعمار لبنان بعد حرب عام 2006 على أنّ الممّول الفعلي لجهود المقاومة في إعادة الإعمار هي الجمهورية الإسلامية في إيران. وكان مدير مؤسّسة جهاد البناء قد أعلن في مقابلة مع قناة الـ«بي بي سي» في تشرين الثاني عام 2006 أنّ إيران بالفعل تموّل جهود إعادة الاعمار التي أخذتها المقاومة على عاتقها.
اكتفت إيران ببعض الألواح التي تحمل علمها في البعض من مواقع المشاريع التي نفّذتها هي في لبنان بعد الحرب، والتي يبلغ عددها 1300 مشروع. أمّا تكلفة إعادة الاعمار والتّعويضات التي انتشلت اللبنانيين المنكوبين من الكارثة فلم تحاول استغلالهم في تقوية نفوذها في لبنان، أو فرض أجندات من شأنها أن تقوّي حلفاءها، فبقيت في الظّل. كان يكفيها فقط ضمان «مقاومة الصدمة»، التي تحقّقت عبر تأمين السكن والدخل اللائقين لمنكوبي الحرب بسرعة قياسيّة، وعبر عمليّة إعادة اعمار شاملة أنعشت الاقتصاد اللبناني.

الإخضاع الناعم

ويبرز هنا نموذج مقابل لحليف يساعد على إعادة إعمار دول بعد حرب مدمّرة؛ إعادة أعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. بينما قدّمت الولايات المتّحدة عدّة حزم مساعدات لأوروبا بعد الحرب مباشرة، إلاّ أنّ المؤرّخين يرون بداية إعمار أوروبا مع «برنامج التعافي الأوروبيّ» عام 1948، أو ما يُعرف بـ«خطّة مارشال».
بدأت تباشير البرنامج في حزيران عام 1947 في خطاب لوزير الخارجية الأميركيّ في حينه جورج مارشال، بعدما أصبح تقسيم أوروبا بين معسكرين واضحاً. ويقول جيرارد بوسوا، في بحثه لمناسبة الذكرى الستين للخطّة، إنّه بالرغم من أنّ مارشال عبّر عن أن الخطر الأكبر هو الجوع والفقر في أوروبا، إلاّ أنّ مجابهة انتشار الشيوعيّة في أوروبا كان دافعاً قويّاً لإقرار الخطّة. وبالفعل سهّل مرورها في الكونغرس، المعارض لفكرة دعم أوروبا في حينه، اجتماع الأحزاب الشيوعيّة الأوروبيّة في أيلول 1947، في بلدة سكلارسكا بوريمبا البولندية ضدّ «خطّة الإخضاع الأميركيّ لأوروبا». وبعد أشهر من النقاش أُقرّت الخطّة في آذار من عام 1948 بتعيين مبلغ 17 مليار دولار على مدّة اربع سنوات، وصل منها فعلاً 13 ملياراً (توازي قيمتهم 130 ملياراً اليوم).
توزّعت أموال البرنامج على قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين والسكن والتسليح والنقل بالاضافة الى تمويل الدين. اعتمد الكثير من هذه القطاعات في السنوات الاولى من الخطّة على استيراد جزء لا بأس به من احتياجاتها من الولايات المتحدة، بدءاً من المواد الغذائية الخام والمصنعة
وصولاً الى المعدات الصناعية وحتى إلى التبغ.
يضيف بوسوا أنّ مسؤولي البرنامج تدخّلوا بشكل سافر في سياسات الدول المستفيدة منه. فمثلاً طالبوا بتحرير الاسواق الماليّة الأوروبّية وتدخّلوا في إدارة وصناعة البروباغندا وفرضوا الشروط على إقراض القطاعات المختلفة. حتى أنّهم كانوا يتدخّلون مباشرة ليحرصوا على الحصول على الفضل في حفلات افتتاح المشاريع التي أُعيد إعمارها. بالاضافة الى هذا أسّسوا «الاتّحاد الأوروبي للمدفوعات» لتسهيل التجارة الحرّة بين الدول الأوروبيّة، وهو الذي شكّل النواة الأولى للاتّحاد الأوروبي الحالي.
من نتيجة هذه السياسات وغيرها، نشأت مع بدايات الخمسينيّات طبقة متوسّطة جديدة أميركيّة الهوى في غرب أوروبا، مختلفة عن الطبقة البرجوازيّة التقليديّة.
يقول تايلر كووين إنّ الحكمة التقليديّة تفترض أنّ خطّة مارشال احتوت التوسّع السوفياتي وأوقفت الانتشار الشيوعيّ وحافظت على التقليد الرأسمالي الأوروبيّ وأطلقت عملية نمو اقتصاديّ هائل وساعدت على إنقاذ الولايات المتّحدة من كساد ما بعد الحرب.
إذا ما أضفنا كل ما سلف ذكره إلى واقع وجود قواعد عسكريّة أميركيّة في أوروبا سنجد أنّ المجتمعين في سكلارسكا بوريمبا كانوا على حق؛ الولايات المتّحدة أخضعت أوروبا.

الدماء الامانة الدليل إلى السيادة

اليوم، بينما نتلمّس بعض الأمل ووعد الانتصار من حلب الى الفلّوجة، لا يمكننا أن ننسى إعادة الاعمار السريعة واستيعاب منكوبي كلّ المناطق. فإن كانت ظروف الحرب لا تسمح اليوم بالنّظر الى تأمين اقصى الراحة لهم، إلّا أنّ التّحرك السريع لحظة انتهاء الحرب هو الذي يحدّد مسار ما بعدها. هذا المسار الذي سيمر من خلاله إعادة إعمار بلادنا. فالشعب المنهك من آثار الحرب والذي يشعر أنّه سيستجدي أبسط حقوقه، أي الحق في سكن لائق ودخل لائق، لن يكون واعياً لما سيتم طرحه من مشاريع لإعادة الحياة الطبيعيّة في البلاد.
هنا لا بدّ من السؤال التالي، هل سننساق خلف لمعان الذهب، خلف وعود بدفق من الاموال دون البحث في تفاصيلها؟ أم نريد نموذجاً يهتمّ بمقاومة الصّدمة، نموذجاً يبقي الناس عنصراً فاعلاً في عملية الخروج من الحرب؟ علينا أن نتحمّل جميعنا المسؤوليّة للتصدّي لمحاولات بعض الحلفاء اقتسام «جبنة» إعادة الاعمار، فالدماء التي سُفكت وقُدّمت على مذبح الحفاظ على سيادة سوريا وتكوين سيادتي العراق واليمن أمانة في أعناق من لا يزال قادراً على أن يحلم بها. فبعض ما يُطرح اليوم في الاعلام من اقتراحات لإبرام عقود مع شركات وتمويل هذه العقود من قروض ميسّرة، ما هو إلّا تربّح لهؤلاء الحلفاء في مرحلة ما بعد الحرب. بينما البعض الاخر من هذه المشاريع تفوح منه رائحة الاستتباع الاقتصادي والسياسي. نحن نعلم بأنّ هؤلاء الحلفاء ليسوا بالجمعيات الخيريّة، وبأنّ القروض لا بدّ منها. فلنحرص على الاستعانة بالقدرات والاسواق المحلّية حتّى يكون مآل هذا المال/ الديْن، الذي سيسدّده من عايش الحرب وأبناؤهم من بعدهم، الى الاقتصادات الوطنيّة. فلنبحث عن مال «نظيف»، والنظيف هنا بمعنى المال غير المشروط بتحقيق مصالح اقتصادية أو ذات طابع هيمنة لمانحيه. نحن ندين لشهدائنا بهذا.
* باحث لبناني