حدّد كارل ماركس علاقات العنف والعنف الرمزي «بكونها آثاراً للأيديولوجية المهيمنة، التي توطد علاقات القوة لتضفي عليها شرعية المهيمن». فيما رأى بيير بورديو أن العنف الرمزي يقوم على «فرض دلالات معينة، بوصفها دلالات شرعية، حاجباً علاقات القوة التي تؤصِّل قوته، مضيفاً إلى علاقات القوة هذه قوته الذاتية المخصوصة»، أي ذات الطابع الرمزي المخصوص. ويعتبر أن النظام التربوي والتعليمي يشكّل بوابة يتم من خلالها إعادة الإنتاج الثقافي المرتبط بنيوياً وعضوياً بالسلطة. والعنف الرمزي، كما يصفه برنارتد راسل، «يؤمن من خلال العمل التربوي المحافظة على استمرار التعاليم الدينية والعادات والتقاليد، وأيضاً النموذج السياسي والثقافي للسلطة الدينية والدنيوية... فقبل أن يعي المرء ثقافته يكون قد تربى على معاييرها التربوية والأسرية والتعليمية...». فالسلطة التربوية تعمل من داخل العملية التربوية على ترسيخ التعسف الثقافي في إطار علاقة اتصال تربوية لا تنتج آثاراً خاصة، إلا بمقدار ما يظهر تعسف مضمونها القائم على ترسيخ مفهوم السلطة.

في السياق، فإن حجم السلطة التي تتمتع بها المؤسسة التربوية يبقى ضمن حدود وأطر تحددها السلطة السياسية، وبمستويات وأشكال تتناسب مع ما يُعاد إنتاجه من المبادئ الأساسية للتعسف الثقافي الذي تنتجه السلطة وتعمل على تمكينه تربوياً. بهذا المعنى، تساهم التربية المدرسية المتصلة بالسلطة السياسية وسلطة العقائد الأيديولوجية، ومنها الدينية، في تكريس مفاهيم الطاعة والإذعان والخضوع والتسليم... وذلك يقيّد الاشتغال في حقل التغيير المفاهيم السائدة، ويتجلى ما سبق في إخضاع المؤسسات التربوية لمعايير الفئات المسيطرة، ووفق أشكال تتيح لها السيطرة الرمزية، الداعمة لاستمرارها.
إذا قاربنا ما سبق مع العملية التربوية في بلداننا، نرى أنها ممتلئة بتجليات العنف الرمزي، والأخطر أنها تؤصِّل نفوذ نموذج تعسفي يتناسب مع نمط سلطة سياسية تعسفية يعتمد علاقات العنف الرمزي والقوة الزجرية. وكلاهما يتجلى من خلال أشكال علاقات السلطة الأبوية كونها أحد الأشكال المهيمنة. ويندرج ذلك في سياق إعادة إنتاج سلطة الأب الكلية، التي يمثلها غالباً الزعيم السياسي ورجال الدين والمال... ويعمل هؤلاء على احتكار الشرعية الثقافية المهيمنة. ولا تنحصر إعادة إنتاج العلاقة الأبوية السلطوية بأشكالها المتوارثة على الفئات المهيمنة. فهي تبدو جلية في أوساط الفئات الاجتماعية المهمشة، وأيضاً مثقفيها.
وتجليات العنف الرمزي لا تنحصر في بلداننا العربية والبلدان الأخرى. فالبلدان الغربية ينتشر فيها الكثير من تمظهرات العنف الرمزي: بين البيض والسود، بين السكان المهاجرين والأصليين، إضافة إلى تجليات ترتبط بخلافات دينية، وأخرى لها صلة ببنية السلطة وممارساتها. فالعنف الرمزي يمثِّل ويكثِّف العلاقة الاجتماعية التي تستبطن العنف المادي المباشر، الذي يتم إظهاره رمزياً في سياق العلاقات اليومية المتشعبة والمتداخلة. وفي حالات كثيرة تكون تعبيراً عن أشكال وعي متوارث. وفي مجتمعنا يكشف ذلك طبيعة العلاقة الذكورية داخل الأسرة، وأيضاً داخل مؤسسات الدولة وبينها. وبالتالي تُعبِّر الممارسات الحاملة للعنف الرمزي عن وعي وثقافة أيديولوجية عقائدية وسياسية يتم إعادة إنتاج المهيمن منها أو الضروري من منظور سلطوي، ما يعني أن العنف الرمزي ينتشر بنسب وأشكال مختلفة ومتباينة في تفاصيل العلاقات الاجتماعية كافة. ولذلك علاقة مباشرة بالعنف المادي المؤسس للعنف الرمزي والكامن فيه. وثانياً كونه يُعبِّر عن أيديولوجيات لا تزال تعمل على إعادة إنتاج العنف الرمزي، وفي حالات محددة العنف المادي المباشر. ويتجلى النمط الأخير في ما نشهده من عنف تمارسه غالبية أطراف الصراع في سوريا، وخصوصاً المجموعات الجهادية، ما يعني أنه يُعبِّر عن تركيبة وبنية الأيديولوجيات السائدة منها، وأيضاً التي يخضع منها للاضطهاد والتمييز.

حجم السلطة التي تتمتع بها المؤسسة التربوية تحدّه السلطة السياسية

وفي ما يتعلق بطبيعة أنظمتنا السياسية الحاكمة، وأشكال علاقتها مع مكونات المجتمع وأفراده، يبدو جلياً أنها إضافة إلى كونها تمارس العنف المادي المباشر ضد المعارضين لها والمخالفين، فإنها تمارس العنف الرمزي وتعيد إنتاجه من خلال المؤسسات التربوية، والتعليمية، والحزبية، وتشاركها في ذلك مؤسسات دينية، إضافة إلى الأسرة التي يُعاد فيها إنتاج العنف الرمزي بأشكال ومستويات مختلفة. فيتم تنميط العنف الرمزي في سياق توظيف مفاهيم وأدوات وحتى مصطلحات تكشف عن ملامح أيديولوجية وسياسية عقائدية. وعليه، فإن المؤسسات التربوية، والتعليمية، والدينية إلى حد ما تُعتبر أحد أهم مصادر العنف الرمزي، ومدخلاً إلى تمكين العنف المادي وتكثيفاً له. بهذا المعنى، فإنها حاملة له ومحمولة عليه. لكن طبيعتها، وأيضاً تركيبتها، وتجليات العنف الرمزي فيها، تتعلق ببنية «السلطة» وبدرجة التداخل الثقافي والانفتاح على العالم.
صحيحٌ أن أنظمتنا السياسية، ومنها النظام السوري، يقلقها التطرف والإرهاب، وتسعى بأشكال مختلفة لمواجهة ذلك. لكن الفائدة تبقى محدودة طالما يتم تجاهل العنف الرمزي الكامن والمنتشر في الثقافة، والسلوك، والعلاقات الاجتماعية، والمناهج التعليمية، وكتب التراث، ووسائل الإعلام، والأسواق. والأكثر خطورة أنها تعمل على تمكين ذلك عن طريق المناهج التربوية وأشكال العلاقة التدريسية والمؤسسات التعليمية والوسائل الإعلامية، وآليات أخرى سياسية وأمنية. وتستند بذلك إلى منظومة أيديولوجية متكاملة أسست لها ولا تزال تعيد إنتاجها. ولا يمكن فهم الكراهية والتمييز، وأحياناً الحقد داخل الدولة وبين مكونات المجتمع الواحد، إلا في سياق فهم طبيعة العلاقة بين العنف المادي والعنف الرمزي. فجذور العنف المادي تعود إلى العنف الرمزي، والأخير يستبطن العنف المادي.
إن ما نشهده من عنف مادي مباشر ليس وليد اللحظة، فهو محمول على مفاهيم أيديولوجية متوارثة. ويصح في ذلك القول إن الهويات «الدينية، الطائفية، السياسية، والعرقية...» الأحادية والمغلقة على ذاتها، وبالتالي المطلقة، ساهمت في سياق تحوُّلها إلى عقائد ومذاهب، بتكوين نماذج شخصية تحمل العداء والكراهية والحقد على الآخر، ما يعني أن الأعمال العنيفة المتطرفة، وما يرافقها أو يغلفها من معتقدات وأفكار ومشاعر أيضاً متطرفة، أسست لها منظومات: ثقافية ــ إثنية ــ طبقية ــ دينية ــ طائفية ــ مذهبية، راكمت من مظاهر الاشمئزاز والكراهية للآخر. ويتقاطع ذلك مع إبراز الهوية من منظار تقديسي. فتحولت من كونها تأطيراً وتنميطاً للذات، إلى نصوص وطقوس ورموز تختزل تجليات غرائز البقاء، والدفاع عن الذات في إطار مواجهة الآخر المختلف. ويشكل الصراع الحالي في سوريا وبلدان عربية أخرى، مناخاً مواتياً لممارسة العنف المادي المباشر، ودمجه مع ممارسات تحمل طابع العنف الرمزي.
والمعتقدات بحسب أستاذة علم الأعصاب كاثلين تايلور «تبني العلاقات المحيطة بالقسوة، وتتحكم في رغبات الفعل لدى مرتكب الجرم، أما العواطف، فإنها تدعم الحافز للفعل، فهي القوة الخلقية وراء كل فعل يتسم بالقسوة»... وعليه، فإن ما نشهده حالياً من عنف وتطرُّف يعود لكونه يستمد قوته ورمزيته من تحوُّل الهوية إلى العقيدة، وبالتالي تحوُّل مظاهر العنف، وأيضاً الإرهاب إلى جزء من الشخصية، فتصبح الهوية /العقيدة ما ينطق به الفرد أو يفعله.
وعليه، فإن الحد من مظاهر العنف الرمزي يكمن في ترسيخ ثقافة المواطنة، ونشر قيم التسامح، وتجنب شيطنة الآخر، والتخلي عن ادعاء احتكار الحقيقة. ويتقاطع مع ذلك احترام التنوع مهما كان مصدره: عرقياً، أو لغوياً، أو دينياً، أو مذهبياً، أو طائفياً، أو قبلياً، وتكريس لغة الحوار، وإعادة الاعتبار للفكر والثقافة، مروراً بالهوية التي يحتاج بحثها إلى التخلي عن مبدأ التقديس. وتحقيق ذلك يرتبط بتعزيز سيادة القانون وتحقيق المساواة والعدالة النظرية والفعلية بين المواطنين.
* كاتب وباحث سوري