تتداخل العديد من الاصطلاحات، التي يشير كلّ واحدٍ منها في الأصل إلى معنى مختلف عن الآخر، وتتضاعف عقبة التّمييز بين المعاني مع مشاكل الترجمة والنقل. ومن شواهد ذلك مصطلح «العلمانيّة»، وهو من أكثر المصطلحات تشوّشاً وإثارة للخلاف والتّفرقة، بسبب ضبابيّة تعريفاته، وبسبب ما لاقاه من عقبات في التّرجمة، إضافةً إلى استخدامه العشوائيّ والإيديولوجيّ غالباً، من دون أن ننسى أنّ مصطلحاً كهذا هو مصطلح له ظروفه التّاريخيّة الّتي نشأ في ظلّها، وفهمه بعمق متوقّف على دراسة تلكم الظّروف بدقّة.

ينبغي التّمييز بدايةً بين اللّائكيّة والدّنيوية، وغالباً ما تجري ترجمة كلا اللّفظين بكلمة واحدة هي الأكثر دوراناً على الألسن، وأقصد كلمة: «العلمانيّة».
أمّا بالنّسبة إلى لفظ اللّائكيّة - la laïcité، فهو لفظ فرنسيّ ليس له مرادف في اللّغات الأخرى، ويتّخذ في أساسه معنىً قانونياً سياسياً... وتعني اللّائكيّة فصل السّلطة السّياسيّة الّتي تكون للحكومة عن السّلطة الدّينيّة بكلّ أشكالها وتجلّياتها، وبالتّالي يجب التّمييز بين المجال العام والمجال الخاص، على أن تكون المعتقدات الدّينيّة ضمن شؤون المجال الخاصّ لا العام، ولا يُقصد بالخاص هنا ما هو فرديّ طبعًا... وهذا بالتّحديد هو معنى أن تكون الدّولة حياديّة، وعلى مسافةٍ واحدة من عقائد جميع مواطنيها.
واللّائكيّة لا تعني اللّادينيّة، إنّما تعني ما هو خارج إطار المؤسّسة الدّينية، ولكنّها لا بشرط من حيث الإيمان أو اللاإيمان. فصفة laïque تأتي في مقابل صفة ecclésiastique. وكلمة لائكيّ يمكن أن تُشير إلى المؤمن أيضاً إذا لم يكن من رجال الدّين les clercs.
في مبادئ البروتستانتيّة مثلاً، نقرأ أنّه لا فرق من ناحية «القداسة» بين رجل الدّين واللّائكيّ. والجملة هنا، من الطّبيعيّ أنّها لا تُقابل بين الدّيني وغير الدّيني، لأنّها تستبطن إيمان الطّرفين، بل هي تُقابل بين رجال المؤسّسة الدّينيّة ومن هم خارج المؤسّسة الدّينيّة من المؤمنين.
وبناءً عليه، فلفظ اللّائكيّة لغوياً يشمل كلّ من هو خارج فضاء المؤسّسة الدّينيّة، سواءٌ كان مؤمنًا يمارس تديّنه أو لا، أو كان غير مؤمن بالأصل.
ومن هنا، عندما نتحدّث عن لائكيّة الدّولة، فنحن لا نتحدّث عن موقف معيّن لها تجاه هذا الدّين أو ذاك، مؤيّد أو معارض، بل نتحدّث عن لاموقفها من الدّين، وعن كونها تستمدّ تشريعاتها من الأحكام القانونيّة الوضعيّة الّتي توضع بحسب الأصول الحديثة من دون أن تُؤخذ من شرائع دينيّة معيّنة بما هي دينيّة.
أمّا بالنّسبة للفظ الدّنيوة - la sécularisation، فهو يشير إلى معنى مختلف، ويعني أن يكفّ كلّ ما هو دينيّ عن الحضور في الحياة المجتمعيّة، فكرياً وعملياً، فينسحب من المشهد ويتخلّى عن محوريّته، حتّى بالنّسبة إلى من يصفون أنفسهم بأنّهم مؤمنون.
البعض ترجمها بلفظ الدّنيوة والبعض بلفظ الدّنيويّة والبعض بلفظ الزّمانيّة، فيما فضّل آخرون تعبير العلمانيّة الشّاملة على أن تكون اللّائكيّة هي العلمانيّة الجزئيّة، وإن كان المسيريّ صاحب المصطلحين الأخيرين قد ساوق في نقده للعلمانيّة الشّاملة بين هذه الأخيرة وبين كلّ مظاهر الحداثة.

تعني اللائكية فصل السلطة السياسية التي تكون للحكومة عن السلطة الدينية بكل أشكالها وتجلياتها

وعلى ضوء ما تقدّم، من تبيانٍ لهذين التّعريفين، نجد أنّ الواحد منهما ليس شرطاً ضرورياً للآخر، بل ربّما نجد مجتمعاً فيه دنيوة دون لائكيّة، أو العكس، ويشير أوليڤييه روا في كتابه "العلمانيّة والإسلام" إلى العديد من الأمثلة لمجتمعات ودول يُطبّق فيها أحد المبادئ دون الآخر. فيما يرى مفكّرون آخرون، كعبد الوهاب المسيريّ، أنّ مبدأ الدّنيوة يحيط بمبدأ اللائكيّة ويشمله برغم أنّه يمكن أن تتوافر الدّنيوة في مجتمع له حكم دينيّ وتكون هي كامنة فيه في الحياة اليوميّة الحادثويّة، الّتي يمكن أن تتجلّى حتّى في أكثر الدّول تطرّفاً.
نعم، العديد من المفكّرين يرون أنّ التّعريف السّياسيّ لللائكيّة يمثّل جزءاً أساسياً من هذا المفهوم، ولكنّه غير كافٍ، إذ إنّ وظيفة العلمانيّة لن تكتمل إلّا إذا تحوّلت من مجرّد مسألة سياسيّة قانونيّة إلى موقف معرفيّ تجاه العلوم، فيسعى الفرد كي يكون متجرّداً قدر الإمكان من خلفيّته الدّينيّة والثّقافيّة، وملتزماً المنهجيّة العلميّة عند تعرّضه لأي بحث، حرصاً منه على الموضوعيّة. ويتجلّى ذلك في ميدان التّعليم المدرسيّ والجامعيّ، أيضاً كما في مجال البحث والتّأليف.
وينظّر لهذا الاتّجاه الكثيرون، منهم محمّد أركون في كتابه "العلمنة والدّين"، إضافةً إلى محاضرته "الإسلام والعلمنة" في كتاب "تاريخيّة الفكر العربيّ الإسلاميّ"، ومنهم عادل ضاهر في كتابه "الأسس الفلسفيّة للعلمانيّة"، وآخرون... وهذا ما يحرص أوليڤييه روا على تسميته العلمانيّة الفلسفيّة، في قبال العلمانيّة القانونيّة، لأنّ للأولى بُعدا معرفيّاً فلسفيّا، أمّا الثّانية فهي ذات بُعد سياسيّ فقط.
تعاني ترجمة هذه الألفاظ من خلط، وعادةً ما يجري نقلها كلّها إلى العربيّة تحت مسمّى «العلمانيّة». وفي هذا الخصوص يلاحظ عبدالله العرويّ أنّه ما من دراسة تاريخيّة تتبّعت ظروف نشأة لفظ «علمانيّة» في اللّغة العربيّة، وفي أيّ فترة بالتّحديد بدأت كلمة «علمانيّ» تُشير إلى نقيض كلمة «إسلاميّ»، ولكنّه يرجّح أن يكون هذا اللّفظ قد اتّخذ سبيله إلى عالم اللّغة في أواخر القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما انتقل الجدال حول نظريّة التّطوّر الطّبيعيّ لتشارلز داروين من الغرب إلى الشّرق، وبدأت المجابهة بين تفسير دينيّ للخلق، وتفسير علمانيّ له.
ويطرح بداية تداول هذه الثّنائيّة بين الشّيخ محمّد عبده والأزهر من جهة، وأعلام مجلّة المقتطف من جهة ثانية. ثمّ بعد ذلك اتّخذ لفظ العلمانيّة صيغته السّياسيّة ليصير ترجمة للفظيْ الدنيوة واللّائكيّة كما أسلفنا، ثمّ يصير لفظا علمانيّا في العرف الثّقافيّ العام مقابل لفظ إسلاميّ. على أن يكون الأوّل هو الدّاعي لفصل الدّين عن الدّولة، والثّاني هو الدّاعي لإقامة دولة بتشريعات إسلاميّة، وذلك مع ازدهار الدّعوة الأخيرة منذ عشرينات القرن الماضيّ، وحتّى اليوم، مع مختلف الحركات الإسلامويّة.
ويستبعد العرويّ -على العكس من عادل ضاهر، ونصر حامد، ومراد وهبة وغيرهم- أن يكون هذا اللّفظ مشتقًا من «العالم»، لأنّ وزن الاشتقاق لا يساعد على ذلك. في الوقت الّذي سعى فيه فؤاد زكريّا إلى التّوفيق بين اللّفظين بكسر العين أو بفتحها.
ومحاولةً منه لإعادة توضيح معنى الكلمة في أصلها الفرنسيّ من جديد، يعمد العرويّ إلى شرح الثّنائيّات الأجنبيّة التّالية موضحاً الفرق بينها، ومبيّناً ما تفيده في لغتها الأمّ: (laïque / ecclésiastique) (séculier / régulier) (mondain / solitaire ) (temporel / spirituel) (profane / sacré).
إنّ الجدال الدّائر حول المرجعيّة التّشريعيّة للدّولة، وبالتّالي حول نقد مفهوم الحاكميّة الإلهيّة، ليس بصدد الحديث عن الدّنيوة، ولا عن العلمانيّة الفلسفيّة - برغم أهميّة هذه الأخيرة في المعالجات المعرفيّة، بل هو بصدد الكلام عن العلمانيّة (اللائكيّة) القانونيّة، لأنّ الحاكميّة الإلهيّة تعني أن تستلم الحكومة الدّولة وتحكمها باسم الله، وتستند في تشريعاتها إلى شريعة دين معيّن وتتبنّى عقيدته، سواء استلم الحكم رجال الدّين، أي إنّ الحكومة كانت ثيوقراطيّة، أو لم تكن.
والمشكلة الّتي نعانيها اليوم، ليست كالمشكلة الغربيّة أزمة دولة وكنيسة، بل أزمة دولة وشريعة (في كتاب "هرطقات" ردّ المرحوم طرابيشيّ دعوى الجابريّ في كون مسألة العلمنة في الشّرق سالبة بانتفاء الموضوع). وبالتّالي فإن الكلام يقع في ضرورة أن يكون المجال العام غير محكوم بالشّريعة، بل بالقوانين الوضعيّة، وأن نتخلّى عن مقولة الحاكميّة الإلهيّة في السّلطة السّياسيّة، وأن تكون الدّولة دنيويّة المنشأ والغاية، وهذا لا يعني بالطّبع أن تتحرّر التّشريعات في الدّولة من مرجعيّتها الأخلاقيّة، فالأخلاق ليست حكراً على الدّين.
أمّا عن المعاني الأخرى لمفهوم «العلمانيّة»، فليست داخلة ضمن السّؤال، ولسنا بصدد دراسة شروط إمكانها، وهل يمكنها أن تتحقّق جزئياً أو كلياً، وهل يمكن التّخلّص من كلّ طابع دينيّ للحياة أو لا. ما نتحدّث عنه هو مفهوم اللائكيّة حصراً.
واللّائكيّة، حتّى بمعناها الخاصّ، لا تتّخذ شكلاً تطبيقياً واحداً، بل فيها أنظمة مختلفة، تبعاً للهدف الّذي رسمه كلّ نظام وحدّده لنفسه. فهناك لائكيّة تعدديّة / ليبراليّة على النّمط الكنديّ ترى أنّ حياديّة الدّولة مجرّد وسيلة لحفظ عقائد مواطنيها، وهناك لائكيّة جمهوريّة على النّمط الفرنسيّ ترى أنّ حياديّة الدّولة هدف بما هي هي، وبالتّالي يحقّ لها منع المواطنين من بعض الممارسات العقديّة لو رأت في ذلك أثراً سلبياً على مظهر الدّولة الحياديّ... فاللائكيّة الأولى لا بشرط، أمّا الثّانية فبشرط لا...
في كتاب "Laïcité et liberté de conscience"، وهو مقتبس عن التّجربة القانونيّة للجنة الّتي جرى تكليفها للتّشاور في خصوص قانون اللّائكيّة في مقاطعة كيبيك في كندا، عمل المؤلّفان Jocelyn Maclure و Charles Taylor على بيان الفروق بين النّظامين التّعدديّ والجمهوريّ، ويشدّدان على كون الأوّل يعد نفسه على مسافةٍ واحدة، لا بين مختلف الأديان والعقائد فقط، بل هو يحاول أن يتجاوز ثنائيّة التّديّن والدّنيوة أيضاً.
وكذا، فالكثير من قضايا النّقد الّتي توجّه للعلمانيّة لا تعنينا هنا، من قبيل الأسئلة عن مدى كون المجتمعات المدنونة مسكونة بالدّين، وهل باستطاعتها أصلاً أن تتخلّص منه، وهل العلمانيّة الّتي تخلّت عن المقدّس الدّينيّ استبدلته بـ«مقدّس آخر» يتجلّى في شكل صناديق الاقتراع، وما الّذي يمكن أن تتخلّص منه السّياسة le saint أم le sacré ؟... إلخ من الأسئلة الّتي -برغم أهميّتها- لا تعنينا بتاتاً.
هذه الإشكالات، عادةً ما يجري استنهاضها في كلّ لحظة يجري فيها انتقاد مفهوم الحاكميّة الإلهيّة، من دون الالتفات أبداً إلى الهوّة بين المستويات الدّلاليّة لمختلف المصطلحات، ولا حتّى إلى اختلافات الأنظمة اللّائكيّة نفسها.
المسألة شبيهة مثلاً بنقد هيدغر للأنثروبولوجيا، فهل حشد الرّجل أدلّة على وهن الأنثروبولوجيا كمنهجيّة معرفيّة، أم أنّه استخدم اللّفظ وانتقده على أنّه يمثّل النّزعة المركزيّة الإنسانيّة؟ واذا كان الجواب هو الثّاني -وهو كذلك- فإلى أيّ حدّ يمكننا القول إنّ هيدغر انتقد الإنثروبولوجيا؟
القضيّة نفسها بالنّسبة لنقد نيتشه للعلوم، فهل الرّجل انتقد العلوم إبيستمولوجياً أو أنّه انتقدها بصفتها معبّرة عن النّزعة النّسقيّة كما يشدّد دولوز؟
كذا بالنّسبة لنقد علماء الأنثروبولوجيا للعلمانيّة، فعن أيّ علمانيّة تحدّثوا؟ وهل كان نقدهم يرمي إلى عين النّقطة الّتي يتحدّث عنها نقد الحاكميّة الإلهيّة أم لا؟ وبالتّالي هل تناول نقدهم تقويض العوامل الّتي يتّخذها الدّاعون إلى اللائكيّة (العلمانيّة القانونيّة) سببًا لدعوتهم أم تناول مفاهيم أخرى؟
كي نكون منهجيين، علينا بدايةً أن نحدّد ما الّذي تناوله نقد الانثروبولوجيين، وعلينا أيضاً أن نفكّر بالإجابة عن سؤال فصل الدّين عن الدّولة تفكيراً عقلياً، بمعزل عن النّقل. فإذا اتّضح لنا -وهو كذلك- أنّ العلمانيّة هي شرط لازم لتحقّق الدّولة بشكلها الحديث، وشرط لقيام هذه الدّولة بوظائفها كما ينبغي ويجب، وشرط لتحقّق مفهوم المواطنة والمشاركة العادلة في الحياة السّياسيّة، فحالئذ ننظر في الشّأن الدّينيّ لنرى هل الإسلام يتعارض مع اللّائكيّة، ويمثّل العامل السّياسيّ جزءاً منه لا ينفكّ عنه، كما ينظّر مثلاً دعاة الحركات الإسلاميّة المعاصرة إضافةً إلى بعض المستشرقين مثل برنارد لويس في كتابه "اللّغة السّياسيّة للإسلام"، وبالتّالي يصير من المستحيل التّوفيق بين أن يكون المرء مسلماً ويكون لائكياً... أو لا. الإسلام لا يتضمّن جزءاً سياسياً، كلّ ما في الأمر أنّ العلاقة بين الدّين والسّياسة علاقة تاريخيّة لا أكثر ولا أقلّ، ويمكن للإنسان أن يكون مسلماً ولائكياً في الآن عينه.
مهما يكن الجواب على ذلك، فالشّريعة الدّينيّة يمكن أن تُلزم متّبعيها حصراً، ولا حقّ لها أبداً أن تفرض نفسها بصفة إلهيّة على غير متّبعيها... فالفقه يتعبّد من يقتنع بمرجعيّته الإلهيّة، أمّا غير المقتنع بذلك -سواءٌ كان مسلماً أو لا- فلا معنى للتّعبّديّة عنده، بل ينبغي أن يجري التّشريع وفق المبادئ العلميّة التّجريبيّة حصراً.
يمثّل مفهوم اللائكيّة اليوم نموذجاً سلبياً في الفهم العام ولا سيّما في الوسطين العربيّ والمسلم، وذلك لأنّ الكثيرين يتعاملون معها كإيديولوجيا لا كمنطقة إكتشاف إنسانيّ في حقل السّياسة والدّولة. وبذلك تتحوّل العلمانيّة - اللّائكيّة إلى علمانويّة أو علمانيّة نضاليّة أو علمانيّة صراعيّة أو حتّى تبشيريّة!
يتّضح هذا الأمر أكثر في التّجربة الفرنسيّة، وفي ما وجّهه الكثير من المفكّرين من انتقادات لخروج اللائكيّة الفرنسيّة عن مسارها الّذي ينبغي لها، مثل محمّد أركون، أوليڤييه روا، وجان بوبرو وآخرين... يشير روا إلى أنّ الأزمة ليست لاهوتيّة في الإسلام، بل هناك سبيل للتّوفيق بين الإسلام واللّائكيّة، إنّما الأزمة متعلّقة باضطراب في الهويّة الفرنسيّة ونمط العيش ومشاكل التّهجير من جهة، وفي ظهور تديّن إسلاميّ عرقيّ سائد غير قادر على التّناغم مع مفهوم المواطنة من جهة ثانية... وفي اللّحظة الّتي تظهر محاولات لأن يكون الإنسان مسلماً فرنسياً يُرمى باتّهامه بازدواجيّة الخطاب (يتّخذ روا حالة طارق رمضان نموذجاً).
كما يتّضح أيضاً في التّجربة العربيّة والشّرق أوسطيّة البائسة، حيث يجري اقتباس نظام حكم دنيويّ غير دينيّ ولكن ببنية تسلّطية واستبداديّة (دولة الحزب الواحد)، فتكون تجربة حكم معلمنة في الظاهر من دون توافر الشّرط الدّيموقراطيّ، الّذي بدوره لا يقوم إلّا على الشّرط الثّقافيّ والتّربويّ. في هذه البلدان على وجهٍ خاص، نرى نشاطاً كبيراً للحركات الإسلامويّة، بسبب نفور النّاس من النّظام الإستبداديّ، وعدم إمكانيّة تفريقهم بين الشّكل التّسلّطي لنظام الحكم وتستّره بالعلمانيّة.
إنّ نظرةً موضوعيّة في معالجة هذه الإشكاليّة، لن يكون لها نتائج في ميدان الدّولة فقط، بل إنّ التّغييرات الإيجابيّة ستطاول الجانب اللّاهوتيّ أيضاً.
ففي اللّحظة الّتي نلتزم فيها مبدأ اللائكيّة، لا نكون قد حررّنا السّياسيّ من الدّينيّ، بقدر ما نكون قد حرّرنا الدّينيّ من الاستخدامات الإيديولوجيّة والنّفعيّة له... كما نكون قد خضنا خطوةً جبّارة في طريق القراءة التّاريخيّة للنّصّ الدّينيّ. فالدّين ليس سلطة، إنّما هو إيمان ومعنى وهداية، وفي الوقت الّذي يتحوّل فيه إلى قانون لازم الطّاعة سيتخلّى عن ماهيّته الأولى، وبالتّالي سيدخل في دائرة الإكراه الّتي هي طبيعة غير مفارقة للحكومة، وليست من طبائع الدّين في شيء!