بعض المتابعين رأى في العملية العسكرية التركية الراهنة، في سوريا، استئنافاً للدور الإقليمي التركي بعد تعثر هذا الدور بسبب انشغال الرئيس أردوغان وفريقه بمعالجة آثار الانقلاب الفاشل الذي استهدف سلطته في أواسط شهر تموز الماضي. التعثر الحقيقي لهذا الدور، ولمجمل المشروع الذي كان يتوسله، لم يكن ينتظر الانقلاب الفاشل المذكور. عانى المشروع الإقليمي الأردوغاني من إخفاقات متلاحقة ساهمت، هي نفسها، في إغراء الخصوم بالانتقال إلى الهجوم على مستويين: مستوى سياسي، مشروع، تمثل في الانتخابات العامة الأخيرة (ما قبل المعادة) حيث تراجعت، بشكل ملحوظ، نسبة التأييد لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم. ومستوى أمني غير مشروع، حيث حاول خصوم الرئيس أردوغان أن «يتعشونه قبل أن يتغداهم»، فأقدموا على تنفيذ عملية متسرعة وفاشلة.

التحولات التي طاولت الموقف التركي، في شقيه الداخلي والخارجي، بعد الانقلاب العسكري الخائب، خصوصاً بشأن الوضع في سوريا، هي امتداد لمسار من الإخفاقات الأردوغانية المتواصلة منذ سقوط سلطة «الإخوان المسلمين» في مصر قبل أكثر من ثلاث سنوات. لقد أقدم الرئيس التركي على تقديم تنازل مؤثر في العلاقة مع النظام السوري عبر التخلي عن محاولة إسقاط هذا النظام بالقوة. تمّ ذلك في مقابل شبه تواطؤ رسمي سوري مع تنفيذ عملية عسكرية تركية ضد توسع وازدياد نفوذ «وحدات حماية الشعب» الكردية و«قوات سورية الديمقراطية» التي تشكل الوحدات المذكورة قوتها الأساسية. استنفر الرئيس التركي، بالإضافة إلى التنازل الكبير المشار إليه، مصالح مشتركة بين الدول والأنظمة التي يشكل الكُرد جزءاً كبيراً منها وفيها: ديموغرافياً وجغرافياً. إنه استنفار مشترك لمواجهة نزعات استقلالية وانفصالية كردية شهدت، مؤخراً قفزة نوعية جديدة بعد تمادي الأزمة السورية وتحولها إلى نزاع محلي وإقليمي ودولي مفتوح على احتمالات شتى مغايرة للستاتيكو الذي استقر نسبياً مائة سنة (باستثناء إنشاء الكيان الصهيوني المغتصب وتكريسه دولياً عام 1948).
الرئيس التركي وفريقه الذي كان يستقوي بالإقليمي على المحلي حتى عام 2013، فقد هذه الميزة وعادت مشاكله الداخلية إلى الظهور: في حزبه (إبعاد مؤسسين وقادة كبار). مع حلفائه (دخوله في صراعٍ ضار مع شريكه السابق الداعية السلفي «غولن»). مع المعارضة التي نشطت لمنع تحقيق أحلامه في إقامة حكم فردي ديكتاتوري يجعل التعددية والحريات أمراً شكلياً في أحسن الأحوال. هو دخل في نزاعات ما زالت مستمرة أيضاً مع أقرب حلفائه الخارجيين وخصوصاً منهم الولايات المتحدة. نشبت بينه وبين إدارتها أزمة ثقة بعد أن كانت تجمع الرئيسين الأميركي والتركي رهانات برّاقة منها تعميم النموذج «الإخواني» الأردوغاني التركي، في كامل المنطقة العربية والإسلامية، تحت شعار «المصالحة ما بين الإسلام والديمقراطية»...
هذه التطورات، وآخرها الانقلاب العسكري الفاشل، وقبل سنة من الآن، عودة الصراع مع «حزب العمال الكردستاني» التركي (تصنيفه حزباً إرهابياً بعد انفتاح وحوار ومفاوضات)، دفعت الوضع الداخلي التركي إلى ذروة التأزم. هي، أيضاً، انعكست سلباً، وبقوة، على الوضع الاقتصادي التركي الذي كان ميدان النجاح الأساسي لحزب «العدالة والتنمية»، حيث تراجعت مؤشراته العامة بشكل كبير، خصوصاً إثر إسقاط الطائرة الروسية بُعيد بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا في أيلول من السنة الماضية.
الإخفاق في الخارج والتوتر الداخلي، حجَّما الدور التركي الأردوغاني. أكثر من ذلك لقد بات الوضع الداخلي يفرض تنازلات إقليمية على تركيا. هذا ما حصل بشكل دراماتيكي أحياناً: في العلاقة مع إسرائيل، وروسيا، وإيران، ومصر، والسعودية... وصولاً إلى الرئيس بشار الأسد! بيد أن أساس اهتمامنا ليس الدور التركي مجرداً، بل في انعكاس تحولاته على قضايا المنطقة، وبشكل خاص منها القضية الكردية. مخطط ومصالح دول القرار الاستعمارية في العالم، هي التي صادرت حق الشعب الكردي في إقامة دولة مستقلة له رغم كل العوامل الضرورية الموضوعية والذاتية الملائمة لقيامها. استمر هذا الأمر الذي كرسه اتفاق سايكس – بيكو مائة عام. حرست هذا الظلم الفادح مصالحُ فئوية، محلية أيضاً، عبَّرت عنها أنظمة وتيارات سياسية اتخذ بعضها من رفع الشعار القومي أداة لرفض حقوق قومية مشروعة لشعوب أو أقليات أخرى! لم يقتصر الأمر على حجب حق تقرير المصير عن تلك الشعوب والأقليات. لقد مُنع عليها، خصوصاً، حق المساواة في المواطنة وعانت، غالباً، من أبشع أشكال التمييز والقمع الذي طاول حقوقها العامة والخاصة، السياسية والثقافية والاجتماعية، وصولاً إلى الحرمان من الهوية وإبقاء مئات الآلاف دون جنسية و أي انتماء اعتباري: حضاري أو تاريخي...
القوى الاستعمارية التي منعت الكُرد من إقامة كيانات لهم سياسية مستقلة (جزئياً أو كلياً) في البلدان المعنية، عادت لتستغل مأساتهم، فتبدو، بسبب خطأ التوجهات والممارسات، منقذة لهم من المأساة بعد أن كانت مُسببتها الأساسية. سياسات رعناء إجرامية، بلغت أحياناً حد الإبادة (مجازر «حلبجة» العراقية مثلاً في أواخر الثمانينيات)، هي التي سهَّلت للولايات المتحدة الأميركية الآن، أن تبدو النصيرة الأولى للشعب الكردي في أماكن انتشاره واضطهاده (هذان متلازمان على بعض التمايز). من كردستان العراق، إلى «عين العرب» كوباني ودعم قوات حماية الشعب الكردي في سوريا، نجحت واشنطن في تقديم نفسها الحامي الوحيد للكرد والداعمة النشيطة لحقوقهم أو لبعضها!
تتكرر فصول هذا الخلل اليوم، حيث تتناغم سياسات تركيا وسوريا والعراق (نسبياً) وإيران، ضد محاولات الكرد الدفاع عن حقوقهم. يجري في هذا الصدد استغلال أخطاء وتسرع بَرَزا خصوصاً في سوريا عندما استعجل ممثلو القوى الكردية فيها، بتشجيع أميركي، إعلان إقليم خاص فيدرالي في سوريا التي تتعرض لكابوس تدميري استهدف دورها وعمرانها ووحدتها واقتصادها ومجمل نسيجها الاجتماعي...
الدفاع عن الحقوق القومية لا ينبغي أن يكون موجهاً ضد كتل وقوى ضعيفة ومضطهدة هي الأخرى، بل ضد القوى الاستعمارية، في صيغها القديمة والجديدة، التي لا تتوخى في علاقاتها الخارجية سوى النهب والهيمنة. يدور أمام أعيننا الآن، فصل لا أخلاقي بادرت إليه القيادة التركية وتواطأ عليه الجميع. الاعتراضات الخجولة على العملية العسكرية التركية العدوانية في سوريا، لا تحجب حقيقة كونها موجهة، بالدرجة الأولى، ضد سيادة سوريا ووحدة أراضيها، فضلاً عن استهدافها المباشر لمطالب وحقوق الكرد في كل مناطق انتشارهم. هذا ثمن باهظ بكل المقاييس. «صوفة» الحكام الأتراك ذات لون أحمر قانٍ كما يذكرنا تاريخ مجازر ارتكبت ضد الأقلية الأرمنية وسواها. الرئيس أردوغان متقلب وليس موضع ثقة في أقل وصف!
لا مبرر لتكرار الأخطاء خصوصاً حين نرى نتائجها الكوارثية تجتاح منطقتنا وتجعلها منطقة منكوبة بكل ما في الكلمة من معنى!
* كاتب وسياسي لبناني