بعد ما يزيد عن عقد على تأسيس حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، المعروفة عالمياً بالاختصار BDS، وبعد النجاحات التي حققتها الحركة على المستوى الدولي من خلال الضغط على صناديق تقاعد كبرى وكنائس وشركات وبنوك ضخمة، في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا وجنوب أفريقيا والبرازيل وغيرها لسحب استثماراتها من شركات (إسرائيلية أو دولية) متورطة في انتهاكات إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني أينما كان، أثبتت هذه الحركة خلال تلك الفترة بأنها جزء من إطار استراتيجي فعّال لدعم كفاح الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير.

برزت المقاطعة على مر التاريخ الفلسطيني، كاستراتيجية من استراتيجيات المقاومة الشعبية الرئيسية المتاحة للفلسطينيين على اختلاف مشاربهم. أمّا اليوم فقد أصبحت في إطار التضامن الدولي الشكلَ الاستراتيجي الأهم لدعم النضال الفلسطيني المرتكز على النهج القائم على الحقوق. حركة المقاطعة، والتي تأسست عام 2005، حددت في ندائها التأسيسي الذي وقع عليه وقتها ما يزيد على 170 جمعية واتحاداً ونقابة وحزباً وغيرها من الأطر التي تنضوي تحت مسميات أخرى للعمل المدني، أساليب متعددة لمقاطعة إسرائيل. وتبنى نداء المقاطعة استراتيجية الضغط لعزل إسرائيل أكاديمياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً، وذلك بهدف إلزامها بالامتثال للقانون الدولي من خلال إنهاء احتلالها للأراضي العربية وتفكيك الجدار، وإنهاء نظام الفصل العنصري الممارس بشكل خاص ضد مواطنيها العرب الفلسطينيين، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية وأراضيهم.
لم تزعم حركة مقاطعة إسرائيل يوماً ما بأنها الاستراتيجية النضالية الوحيدة المتاحة لنيل الحقوق الفلسطينية كاملةً، ولا يمكن لأحدٍ أن يتوقع منها أن تحرز الحقوق الفلسطينية بمفردها. فحركة المقاطعة BDS هي إحدى استراتيجيات النضال القائمة والتي تتقاطع أهدافها مع أهداف الاستراتيجيات النضالية الأخرى كالمقاومة الشعبية المحلية ضد الجدار والمستعمرات وكذلك الاستراتيجيات القانونية لمحاسبة إسرائيل وقادتها على الجرائم التي يرتكبونها بحق الشعب الفلسطيني. ويشكّل الفلسطينيون/ات الناشطون/ات في المنفى أيضاً عنصراً مهماً في المقاومة الفلسطينية لنظام إسرائيل الاستعماري، أمثال الناشطين في حملة «عدالة-نيويورك»، وفروع حركة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين»، والحركات الاجتماعية في أوروبا وأميركا اللاتينية والجاليات الفلسطينية الأخرى في الشتات. حيث تضطلع تلك الحركات بدورٍ رائد في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وتنظم العديد من التحركات والأنشطة على مختلف أنواعها والتي ترتبط بأهداف المقاطعة.
كما يلعب المواطنون الفلسطينيون في أراضي عام 1948 «حملة الجنسية الإسرائيلية»، دوراً مهماً وقيادياً، في الكثير من الأحيان، في الصمود أمام النظام الصهيوني الاستعماري-الاستيطاني، وفي المقاومة الشعبية والأكاديمية والثقافية والقانونية والسياسية النشطة ضد هذا النظام القائم وهياكله وسياساته العنصرية المُمأسسة والمُقننة.
بدأ دور حركة مقاطعة إسرائيل بالظهور كحركة تطالب بالحرية والعدالة بعد أن تخلت القيادة الفلسطينية، وبتأييدٍ صريح أو ضمني من معظم الأحزاب السياسية الفلسطينية، عن حقوق فلسطينية أساسية، وقبلت إملاءات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي - بالنيابة عن إسرائيل - بأن تتكيف مع معظم أوجه نظام الاضطهاد الاستعماري الإسرائيلي، في وقت تلاشى الخطاب السياسي الفلسطيني التقليدي الذي شهدته حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات إلى حد كبير. فالشعب الفلسطيني فقد الكثير من مكونات حركة التحرر الوطني الفلسطينية بسبب اتفاقات أوسلو التفريطية والمهينة في المقام الأول، وفي حين ظلت، بالمقارنة، حركة التحرر الوطني في جنوب أفريقيا نشطةً ومستمرة في مقاومتها لنظام الاستعمار حتى اللحظة الأخيرة من حراكها النضالي من أجل الحرية.
يعيش الشعب الفلسطيني في الوقت الحاضر حالةً من التشرذم والضياع والفوضى وينتشر اليأس في بعض الأوساط. فالإجماع الوطني الفلسطيني تلاشى الى حدٍ ما، إنْ اعتبرنا أنه كان موجوداً أصلًا، وحتى الأحزاب السياسية الفلسطينية، اليمينية واليسارية، الإسلامية والعلمانية، دون استثناءٍ تقريباً، باتت تتحدث عن «الاستقلال»، وليس عن التحرر الوطني، وتتناسى اللاجئين في معظم الأحيان، وتُسقِط فلسطينيي 48 من حتى تعريف الشعب الفلسطيني. إن تقرير مصير الشعب الفلسطيني وحل هذا الصراع الاستعماري أمرٌ يرجع إلى الشعب الفلسطيني بأكمله. وفي غضون ذلك، يجب علينا جميعاً كفلسطينيين، أفراداً أو جماعات أو ائتلافات، أن نسعى لتقويض الاضطهاد الذي يمارسه ضدنا النظام الإسرائيلي الاستعماري والعنصري، كشرطٍ أساسي لإحراز الحقوق الفلسطينية بموجب القانون الدولي. وما تسعى اليه حركة المقاطعة هو تبنّي استراتيجية قائمة على أساس الحقوق وليس الحلول السياسية والاستفادة من التضامن الدولي الشعبي حول تلك الحقوق.
تُقرّ حركة المقاطعة BDS، بطبيعة الحال، بوجود استراتيجيات ومقاربات أخرى لمقاومة النظام الاستعماري-الاستيطاني الإسرائيلي، ولكن الحركة اختارت التركيز على الحقوق، وليس الحلول. فأي حل سياسي للقضية الفلسطينية، من وجهة نظر حركة المقاطعة، يجب أن تقرره غالبية الفلسطينيين حيثما كانوا. ولكي يكون هذا الحل عادلاً وشاملاً ومستداماً، يجب أن يستوعب، بالحد الأدنى، جميع الحقوق الفلسطينية التي كفلها القانون الدولي، وأن يحظى بشبه إجماع فلسطيني. ولتحقيق ذلك يجب التمسك بالقاسم المشترك الأدنى، الأسمى استراتيجياً والأكثر استناداً إلى المبادئ، وأيضاً بأهداف الشعب الفلسطيني الأهم والأقل خلافيةً والتي لا يكاد أي فلسطيني يعترض عليها، ألا وهي: إنهاء احتلال الأراضي المحتلة عام 1967، وإنهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وإعمال حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شُرّدوا منها إبان النكبة وبعدها في سياق سياسة التطهير العرقي الصهيونية. هذه هي الحقوق التي يجب على الفلسطينيين التمسك بها دون أي تهاون، كما تجمع غالبية أطر وأحزاب وهيئات المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات. وقد كفلت هذه المقاربة التي تتبناها حركة المقاطعة دعماً كبيراً في أوساط الشعب الفلسطيني وبدَّدت التصور السائد في بعض الأوساط المحلية بأن المقاطعة «نخبوية».
قد لا يؤيد بعض الأطراف حركة المقاطعة، السلمية بالتعريف، لأنها «أدنى من السقف السياسي» لتلك الأطراف، ولكن المفترض في الحالة الثورية ان لا ترفع شعارات «ثورية» لا تقبل التطبيق وليس لها إلا فرصة ضئيلة في المساهمة في العمليات الرامية إلى إنهاء واقع الاضطهاد والقمع. الثورية الحقّة هي أن ترفع شعارًا مستنداً إلى مبادئ ومتسقاً أخلاقياً يفضي إلى أفعال على أرض الواقع يمكنها أن تؤدي إلى تغيير حقيقي باتجاه إحقاق العدالة والتحرر.
قد يعتقد البعض أن أدبيات حركة المقاطعة أحياناً تجعلها تبدو كما لو كانت قادرةً بمفردها على إحراز الحقوق الفلسطينية. وما يعطي هذا الانطباع، سواء عن قصد أو عن غير قصد، هو الإشارات المتكررة إلى ما أسميته «اللحظة الجنوب أفريقية». فحركة المقاطعة تقارن في بعض الأحيان استراتيجياتها والتقدم الذي تحرزه بحركة التحرر في جنوب أفريقيا وبغيرها من الحركات المناضلة في سبيل العدالة وتقرير المصير وحقوق الإنسان وذلك على الرغم من الافتقار إلى ركائزَ أساسية كانت حاسمةً في نجاح هؤلاء.
ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، حدَّد المناضلون بقيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أربعَ ركائز استراتيجية للنضال من أجل إنهاء الفصل العنصري، وهي: الحركة السياسية السرية والمقاومة المسلحة والتعبئة الجماهيرية والتضامن الدولي، ولا سيما من خلال المقاطعة وفرض العقوبات. بالرغم من تقاطع بعض استراتيجيات حركة المقاطعة BDS مع الاستراتيجيات التي اعتمدها المؤتمر الوطني الأفريقي إلا أن كل تجربة استعمارية مختلفة ولها خصوصيتها وبالتالي كل استراتيجية مقاومة للاستعمار لها خصوصيتها. فلا توجد استراتيجية يمكن استنساخها بحذافيرها من أجل التحرر وحقوق الإنسان. والشعب الفلسطيني ما زال يعمل على تطوير استراتيجياته الخاصة التي تناسب بيئة نضاله من أجل العدالة والكرامة والعودة.

لم تزعم حركة مقاطعة إسرائيل يوماً ما بأنها الاستراتيجية النضالية الوحيدة

وفي سياق مقارنة استراتيجيات المؤتمر الوطني الأفريقي مع استراتيجيات النضال الفلسطيني، تقتصر ركيزة الحركة السرية بالأساس على غزة، والتي تعاني من عزلة وحصار خانق إسرائيلي-مصري. والقانون الدولي صريح في تشريعه لحق الشعوب الخاضعة لاحتلال أجنبي في مقاومته بكل الوسائل، بما فيها المقاومة المسلحة، طالما التزمت هذه المقاومة بالقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان. والمدافعون عن حقوق الإنسان ملزمون بالنظر في تكلفة هذه الركيزة ومنفعتها في هذه المرحلة وبحساب الثمن البشري لأشكال المقاومة. أما بالنسبة إلى التعبئة الجماهيرية في الأرض الفلسطينية المحتلة من حيث المقاومة الشعبية، كالمقاومة ضد الجدار والمستعمرات مثلاً، فإن دورها محدود نوعاً ما، حيث لم تبرز تلك المقاومة الشعبية كحركةٍ جماهيرية بحق كما كان مثلاً إضرابُ المعلمين الأخير، والإضرابات ضد الليبرالية الجديدة التي انتهجتها حكومة سلام فياض، والاحتجاجات على مشروع قانون الضمان الاجتماعي.
قد يعطي جزء من خطاب حركة المقاطعة انطباعاً غير دقيق بأننا كشعب بتنا على وشك إحراز حقوقنا. وهذا لا يتجلى في الإشارات المتكررة إلى «اللحظة الجنوب أفريقية» وحسب، بل أيضاًَ في التصريحات القائلة بأن الحركة بدأت تصل إلى «نقطة تحول». ولكن المقصود بنقطة التحول في أدبيات حركة المقاطعة BDS فقط تفاقم عزلة إسرائيل في شتى المجالات على الصعيد الشعبي، لا الاقتراب من إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني، بالطبع. ومقياس الفاعلية هو مدى تحقيق الأهداف من عدمه. فالمقاطعة هي واحدةٌ من استراتيجيات المقاومة الداخلية وهي أيضاً استراتيجية التضامن الأهم دولياً، ولكنها لا تتحمَّل المسؤولية، مثلاً، عن عجز الشعب الفلسطيني عن تحقيق أهدافه المتمثلة في تقرير المصير والتحرر الوطني. ففاعلية أشكال المقاومة المختلفة هي مسألة أساسية، وحركة المقاطعة ما زالت تتحرى في كل مرحلة فاعليةَ استراتيجياتها الملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
تعمل حركة المقاطعة على حشد الضغط الدولي من أصحاب الضمائر الحية من جماعات وأفراد ضد نظام الاضطهاد الاستعماري الإسرائيلي والمؤسسات والشركات المتواطئة معه. وفي سبيل ذلك، تستند الحركة إلى لغة القانون الدولي، رغم علاته الجلية، أولاً من منطلق مبدئي، وثانياً كلغة قادرة على التأثير في الناس حول العالم وحثهم على التضامن مع الحقوق الفلسطينية. بالتأكيد هناك عيوب وإشكالات متأصلة في القانون الدولي، ولكنه قد يكون الخيار الأقل مرارة، كون الخيارات الأخرى، بالذات قانون الغاب، لم تعد تصلح لهذه المرحلة كون الفلسطيني هو الطرف الأضعف ماديّاً.
بالرغم من أن الإمبراطوريات الاستعمارية هي مَن وضع أسس وقواعد القانون الدولي، وبالرغم من أنه لا يُرجِّح كفة شعوب العالم، الا إنه ليس نصاً مقدساً ولا قانوناً جامداً. ثمة آراء ترى أن القانون الدولي ليس متغيراً، ولكن الواقع يشير إلى أن النضال الجماعي والمستمر للشعوب المضطهدة من شأنه أن يؤثر في تفسير وتطبيق هذا القانون. والشعب الفلسطيني، كواحد من تلك الشعوب المُضطهدة، لا يطالب بالمستحيل، بل يسعى إلى تحقيق الاتساق في تطبيق القانون الدولي على إسرائيل وإنهاء وضعها كدولة مارقة واستثنائية فوق القانون. وهذا مطلبٌ بسيط ولكنه بعيد المنال ويحتاج الى سنواتٍ من الكفاح الاستراتيجي.
لقد ولى عهد الخطابات الرنانة والتضامن الرمزي وحسب، فقد ملّ الشعب الفلسطيني من التأييد الخطابي الذي لا يغير شيئاً في موازين القوى المائلة بالكامل حالياً لصالح المستعمِر. لذا فنحن بحاجة ماسة إلى تحركٍ استراتيجي فاعل لديه فرصة في تقويض نظام الاضطهاد الصهيوني، بحيث يهيئ الواقع أكثر للشعب الفلسطيني لإحراز حقوقه التي نصت عليها الأمم المتحدة. وأدنى ما يمكن للآخرين فعله، اذا لم يرغبوا في مساندة الشعب الفلسطيني والتضامن مع نضاله من أجل حقوقه المشروعة بموجب القانون الدولي، هو الكفُّ عن تواطؤهم. وهذا واجبٌ قانوني وأخلاقي أساسي من أجل إنهاء هذا الظلم؛ وليس صدقةً أو منَّة من أحد.
(تستند هذه المقالة إلى تعقيب نشر على موقع «الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية» تحت عنوان: «القضايا الصعبة أمام حركة المقاطعة المتنامية»)
* مستشار سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية وأحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل BDS