الحذر في المواجهة مع العدو والتشكيك في نواياه والالتفات إلى المخاطر المحتملة، لا ينبغي أن يتناقض مع الجهوزية المعنوية والنفسية للاستمرار في الصراع، أو أن يقلص من الإيمان بالنصر في نهاية المعركة، بل إن الحذر والتشكيك هو الطريق الأقرب إلى النصر. فعند الغفلة أو التراخي أو الركون إلى العدو، تأتي الفرصة للمباغتة والانقضاض، والاستفادة من القراءة المبتورة للمؤشرات الميدانية والاستراتيجية الناتجة من الاطمئنان إلى سير الأمور، واعتبار التحركات والإجراءات الواضحة للعين أموراً روتينية ضمن الوعاء الكلي الآمن... هنا يصبح طريق النصر طويلاً جداً.

العنوان الآخر الذي يعتبر مدخلاً ضرورياً لتحليل حركة العدو ومناورته، هو فهم أهدافه من الحرب، وما هي الضرورات التي دفعته لدخول الحرب والاستمرار فيها، خصوصاً حين يكون التداخل والتشابك سيد الموقف، كما في الحروب البديلة التي يكثر فيها الفاعلون والمؤثرون ويختلط فيها العنصر المحرك بالعناصر المتحركة.
الحرب على سوريا كانت قراراً أميركياً بالأساس منذ 2003، مع شراكة إقليمية لمجموعة من الدول: تركيا، السعودية، الأردن، قطر. لكل من الشركاء غايات ومطامع ومحدوديات، لكن المحرك الأول يعمل دوماً بالتأثير على كل الشركاء، ولتحقيق الغاية الخاصة التي بدأت الحرب واستمرت لتحقيقها. في غياب القدرة لدى أي من الشركاء الإقليميين على التأثير في نظرائه مجتمعين، ينبغي دوماً التركيز على الطرف الأساسي، الولايات المتحدة الأميركية، التي وإن كانت لا تسيطر على التفاصيل، ولا تضبط إيقاع الشركاء بالدقة، إلا أنها تحافظ على المسار الاستراتيجي للحرب بما يخدم مصلحتها، حتى عندما تحصل خلافات بينها وبين الشركاء.

الحرب على سوريا كانت قراراً
أميركياً بالأساس منذ 2003، مع شراكة إقليمية لمجموعة من الدول

هدفت الحرب على سوريا في الأولوية الأولى إلى الخلاص من مشروع محور المقاومة الممتد، سياسياً ولوجستياً وجغرافياً، من طهران إلى بيروت.
في البداية كانت الطموحات بانتهاء المعركة خلال أشهر، والسيطرة على سوريا وتحويلها إلى كيان معادٍ للمحور المقاوم، ولاحقاً تبيّن أن هذا الهدف يحتاج إلى بعض الوقت، ومن ثم تراجع الطموح إلى إمكانية تجزئة سوريا وفصلها عن لبنان والعراق جغرافياً، وبعد أن تبددت إمكانية إسقاط النظام أو فصل سوريا عن شرقها وغربها، دخل المشروع في هدف آخر: استمرار الاستنزاف لمحور المقاومة إلى أقصى حد ممكن.
يخدم الاستنزاف مجموعة غايات جزئية، الأولى والأكثر طموحاً الوصول إلى طاولة مفاوضات حول أمن إسرائيل وبقائها في المستقبل، حينما يصبح محور المقاومة عاجزاً منهكاً سيكون ممكناً، في النظر الأميركي، أن يتخلى عن مشروعه الأيديولوجي لأنه لم يعد واقعياً ولا ممكناً تحقيقه.
الغاية الثانية، الأقل طموحاً، تقليص قدرة المقاومة على استهداف إسرائيل، من خلال نزفها في العديد والكوادر والتسليح وغير ذلك، بحيث تصبح إمكانية شن حروب وجودية ضد إسرائيل أمراً بعيد المنال. الغاية الثالثة، وتتعلق بالبيئة الاستراتيجية لمحور المقاومة، بحيث يتحول تدريجياً إلى العداء مع المقاومة وفكرتها، ولاحقاً يتهيأ للتطبيع ومن ثم حماية الكيان، وهذه عملية بحاجة إلى وقت طويل، يوفره الاستنزاف المتواصل.
هكذا تكيّفت السياسة الأميركية مع انحدار وتراجع الطموحات بشأن الحرب على سوريا. هذه الحرب الضرورية لكبح تصاعد محور المقاومة وتغيير وجهة بناء القوة العسكرية المتجهة نحو العدو الصهيوني، تستحق من الأميركي ممارسة الصبر الاستراتيجي، قبل أن يصبح الشرق الأوسط شعلة نار تحت أقدام بقايا الاستعمار القديم والحديث.
استخدمت الإدارة الأميركية التضليل المتعمد لإعطاء الاستنزاف قيمة مضاعفة، فإن إصرار محور المقاومة على المواجهة، وثقته بالخط البياني لمسار الحرب، وانقلاب ميزان القوة والجغرافيا في سوريا لصالحه، بعد أن كانت البلاد على شفير الهاوية، كل ذلك تطلب اعتماد الخداع والتضليل لامتصاص هذا الاندفاع، من خلال السياسة التقليدية الأميركية: العصا والجزرة.
تقدم وسائل الإعلام الأميركية والناطقون الرسميون عروضاً للتسوية وترويجاً لإمكانية حصولها، مدعومة بمصداقية توكيد روسي خجول يهدف إلى تكريس دور بوتين لاعباً دولياً على الساحة السورية بين لاعبين إقليميين. يهدف هذا الخداع في المستوى الأول إلى امتصاص عزيمة وإصرار محور المقاومة على الانتصار في الحرب من خلال الجولات والنقاط وتحرير الجغرافيا، وفي المستوى الثاني إلى التضليل التكتيكي وفتح المجال لعملية ميدانية مباغتة تقوم بها جماعات الحرب البديلة على الأرض.
تستفيد الولايات المتحدة من ناحية أخرى من تعدد اللاعبين، في كلا الطرفين، حيث تتطلع إلى الساحة من منظار دينامية النظم، وليس مواقف الأطراف المعادية أو تلك المستقلة نسبياً، فالحضور الروسي مفيد لضبط اندفاع محور المقاومة مستقبلاً، والتدخل البري التركي قد يشكل بديلاً مؤقتاً عن المشروع الكردي، ويوفر إمكانية حصول صدام سوري ـ إيراني ـ تركي في الميدان، ويخفف من استنزاف الجماعات المسلحة. وهكذا يتم التعامل بالضبط أو الانكفاء والتغافل مع الفاعلين بحيث يستمر السير نحو الهدف، الاستنزاف إلى أقصى حد ممكن، حتى لو كانت نتيجة الحرب هزيمة المشروع، فإن الهزيمة المؤجلة أفضل من الهزيمة المبكرة، لأنها ستؤدي إلى استنزاف أكثر عمقاً في المجالات المختلفة.
لعبت الولايات المتحدة دوراً مماثلاً خلال الحرب الأفغانية ضد السوفيات، فحين لا يكون دمك هو الذي يراق ولا أموالك التي تنفق، يمكنك الدخول في لعبة الاستنزاف الطويلة، بأدوات محلية وشركاء إقليميين. حاولت باكستان التوصل عدة مرات إلى تسوية سلمية نهائية وشاملة مع السوفيات لوقف الحرب بما يحفظ وجه الإمبراطورية الماركسية، فما كان من أميركا إلا أن أرسلت المزيد من السلاح إلى «الجهاديين» ودفعتهم إلى خوض معارك جديدة لإحباط التسوية والحفاظ على الاستنزاف. وقبل ذلك وبعده، وفي المحادثات مع السوفيات، طرح المفاوض الأميركي الكثير من العروضات لتسوية النزاع، كما وقّع وزيرا خارجية البلدين في جنيف اتفاقاً يقضي بوقف إرسال السلاح إلى الأراضي الأفغانية، وكان ذلك بهدف تمرير شحنات كبيرة عبر الحدود إلى «الجهاديين»، تماماً مثلما حصل في حلب قبل أسابيع.
إدراك سياقات حركة العدو، ضروري لمعرفة طرق المواجهة الفضلى معه، وإن كانت الصورة التي قدمت هنا متشائمة بعض الشيء، إلا أنها تبتغي منع العدو من استغلال قصر الذاكرة الناتج عن التدفق اليومي في الأحداث المؤثرة.
* باحث لبناني