لم يشهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية أزمة بحجم أزمة اللجوء السوري التي وصفها المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس عام 2015 بأنّها «أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية». وبالفعل، تخطت هذه الأزمة، من حيث عدد اللاجئين الناتج من صراع واحد، أزمة اللجوء الفلسطيني وأزمات اللجوء التي شهدها العالم في أواخر القرن الماضي ومطلع القرن الحاضر الناتجة من حرب العراق الأولى والثانية وحروب أفغانستان والبلقان ورواندا. وبحسب آخر تقرير لمفوضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، فإنّ عدد اللاجئين السوريين بات يقارب 5 ملايين، موزعين بنحو أساسي على تركيا، لبنان، الأردن وإقليم كردستان.

وفي مثل أزمات كهذه، فإنّ الحلول الدائمة التي تسعى عادة الدول والمنظمات وراء تطبيقها هي ثلاث: العودة الطوعية إلى مكان الأصل، أو إعادة التوطين في بلد ثالث، أو الاندماج المحلي، أي دمج اللاجئين في المجتمع المضيف. لكنّ الوضع الراهن في لبنان وفي بعض بلدان المنطقة يجعل من تطبيق بعض هذه الحلول بالطريقة التقليدية سبباً لنزاعات جديدة بدل أن تكون خاتمة لمعاناة اللاجئين. فمن جهة أولى، إنّ استمرار المعارك والآفاق المسدودة لإعادة الاستقرار في سوريا تحدّ بشكل كبير من إمكانية العودة الطوعية للاجئين. أمّا عملية دمج اللاجئين في المجتمعات المضيفة، فهي تواجه صعوبات عدّة نتيجة لواقع التوازنات الدينية والمذهبية والعرقية في بعض الأحيان، بالإضافة إلى النسب المرتفعة لعدد اللاجئين بالنسبة إلى عدد سكان المجتمعات المضيفة كلبنان والأردن وإقليم كردستان، ولما لتلك النسب من تأثير في التماسك الاجتماعي والوضع الاقتصادي في تلك المجتمعات. لا يبقى إذاً سوى حلّ إعادة التوطين في بلدان أخرى، إلّا أنّه حلّ بطيء وصعب أيضاً نظراً إلى الازمة الاقتصادية التي تمرّ بها معظم دول العالم وأولوية مكافحة الإرهاب وما نتج منها من ترسيخ للعقلية الأمنية التي باتت تتحكم بالقرارات دولياً ومحلياً. فحتّى يومنا هذا لم يتجاوز عدد السوريين الذين أُعيد توطينهم سوى 4% من العدد الإجمالي للاجئين السوريين في العالم. وأمام أزمة بهذا الحجم، قررت الحكومة اللبنانية منذ بداية الحرب في سوريا، عام 2011، أن تتبع سياسة إنكار المشكلة، متلطية خلف عباءة «النأي بالنفس». فبدل أن تضع خطة متعددة الجوانب والأطراف لمواجهتها، وفّرت ـ عن دراية أو جهل ـ غطاءً لإعطاء صفة لاجئ لكل سوري موجود في لبنان دون التدقيق في وضعه، متجاهلة بذلك كل النداءات لإنشاء مراكز مؤقتة على الحدود تسمح لأجهزة الدولة بالاشتراك في منح صفة لاجئ فقط لمن يستحق من السوريين.
ثمّ ما لبثت أن استفاقت بعد ثلاث سنوات على وجود أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ على الأراضي اللبنانية موزعين عشوائياً على أكثر من 1400 مخيم غير رسمي ويشكّلون ما يزيد على ربع عدد السكّان في لبنان. في تشرين الأوّل 2014 اعتمدت الحكومة أوّل خطة أو ما عرف حينها بورقة «سياسة النزوح السوري إلى لبنان» التي تهدف أوّلاً إلى «تقليص أعداد النازحين» من خلال وقف «النزوح» على الحدود باستثناء الحالات الاستثنائية، وثانياً إلى تكليف قوى الأمن الداخلي والبلديات ضبط أمن «النزوح»، وثالثاً إلى «تخفيف الأعباء من خلال التشدّد في تطبيق القوانين على النازحين لحماية اللبنانيين في مجالات العمل والعمالة كافة».

لم يتأخر الشعب العربي الفلسطيني في امتصاص صدمة النكبة اجتماعياً واقتصادياً

إنّ الإصرار على تسمية اللاجئ بالنازح والتذكير مراراً وتكراراً بأنّ لبنان لم يوقّع اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين لتبرير عدم التزام لبنان حمايتهم، ليس سوى ابتكار لمصطلحات وفتاوى لا قيمة قانونية لها، ولا تعدو سوى كونها تحايلاً كلامياً على التزامات لبنان. لذلك ينبغي تصحيح بعض المغالطات التي تمّت ويتمّ تداولها عند التطرق إلى موضوع اللجوء السوري. أولاً، إنّ التوقيع أو عدمه على اتفاقية 1951 لا يغيّر أيّ أمر جوهري في التزامات الحكومة اللبنانية لجهة توفير الحماية للاجئين ومبادئ عدم الرد أو الإعادة القسرية، نظراً إلى أنّ تلك المبادئ تعرف في القانون الدولي «بالقواعد العرفية الآمرة» التي تلزم جميع الدول. بالإضافة إلى أنّ لبنان ملزم أساساً بمبادئ مواثيق الأمم المتّحدة الواردة في مقدمة دستوره، والتي تنصّ على حماية كرامة الإنسان. أمّا في ما يتعلق بمعايير تحديد صفة اللاجئ أو النازح، فليس هناك سوى معيار وحيد يحدد الفرق، هو أن يكون الهارب قد عبر حدوداً دولية أو لا، فإذا عبرها يصبح لاجئاً، وإذا لم يعبرها يسمّى نازحاً. لذا، إنّ تسمية الهاربين من الحرب في سوريا إلى لبنان «نازحين»، فضلاً عن أنّها غير صحيحة فإنّها لا تؤثر بشيء في التزامات الحكومة اللبنانية تجاه هؤلاء. وعندما نتكلم عن الحماية الواجب على لبنان توفيرها، إنّما المقصود هو حماية من ثبت أنّه هارب من خطر ملموس، ولا بدّ من أن نوضح هنا أن ليس كل السوريين في لبنان تنطبق عليهم صفة اللاجئ، وذلك لأنّ البعض منهم يصنف كمهاجر اقتصادي ينطبق عليه قانون إقامة الأجانب. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدم تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان - بما فيها العمالة السورية - منذ عام 1990 وخاصة بعد عام 2005، هو أحد أسباب المشكلة، لما إثارته من جدل حول تأثير الأزمة ببطالة اليد العاملة اللبنانية.
ولكن كان لجدل آخر الحيّز الأكبر من الاستغلال السياسي لأزمة اللجوء السوري، ألا وهو هاجس التوطين كجزء من مشروع دولي يراد فرضه على لبنان. وقد أُعيد هذا الجدل أخيراً إلى الواجهة عقب صدور وثيقة عن الأمين العام للأمم المتّحدة اعتبر مضمونها غير بريء ومشبوهاً ووضعها البعض الآخر في إطار الضغط على الحكومة لتحقيق هدف التوطين. وتلك السجالات إنّما تشير إلى أنّ المسؤولين والرأي العام في لبنان لا يتعبون نفسهم بقراءة ما يودون انتقاده، فالتقرير موضوع السجال ليس إلّا مجموعة توصيات من الأمين العام للأمم المتّحدة، تحضيراً لاجتماع سوف يعقد في شهر أيلول 2016. والتوصيات ليست موجّهة إلى لبنان أو الدول المضيفة للاجئين السوريين، بل يتطرق إلى موضوع اللجوء عموماً، وطبيعة التوصيات غير ملزمة، وتبقي حيّز القرار كاملاً للدولة اللبنانية.
لا يوجد أيّ نصّ أو مبدأ في القانون الدولي يلزم أيّ دولة بإعطاء الجنسية للاجئ، بما في ذلك اتفاقية 1951. وكان لهواجس بعض الفرقاء السياسين من موضوع التوطين تبعات عملية أدّت إلى اتخاذ قرار انفعالي وغير صائب، هو وقف تسجيل الولادات لدى السوريين الذي، فضلاً عن إحداث فوضى في إدارة الملف، سيؤدي إلى خلق ضبابية أخرى ستفتح المجال أمام التزوير لاحقاً وستؤدي بطبيعة الحال إلى حالات عديمي الجنسية الذين سوف يصبحون عبئاً لا يستطيع لبنان تحمله في حال عدم قدرتهم على إثبات جنسيتهم السورية... وتعوق بذلك عودتهم إلى الوطن الأمّ، وهنا ستكون سخرية القدر أن يصبح لبنان ملزماً بتوطينهم من خلال قرار مبتغاه محاربة التوطين.
لذلك، بناءً على كل ما تقدم، ونظراً إلى عدم إمكانية عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم في المدى المنظور، ونظراً إلى إلزامية توفير الحماية للسوريين الذين يتمتعون بصفة لاجئ فقط، يجب على الحكومة اللبنانية أنّ تحدد أوّلاً من يستحق صفة لاجئ ومن هو عامل أجنبي أو مهاجر اقتصادي.
بناءً عليه، يجب تنظيم وجود من صنّفوا باللاجئين فقط بشكل يوفّر لهم الحماية والعيش الكريم طوال تمتعهم بالصفة فقط التي يفقدونها عند انتهاء النزاع في سوريا ويخضعون حينها لقانون الإقامة. كذلك يجب التفاوض مع المجتمع الدولي لتقاسم العبء الديموغرافي عبر إعادة توطين أعلى نسبة ممكنة منهم. أمّا بقية السوريين، فيخضعون لقوانين العمل والإقامة المطبّقة على العمال الأجانب. كذلك يجب على الحكومة، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، أن تعيد تسجيل ولادات السوريين وأن تسهّل للسوريين على الأراضي اللبنانية آلية تسجيل ولادات أطفالهم. أخيراً وليس آخراً هناك ضرورة للعمل أيضاً على دعم البرامج التي تخفف من التوتّر بين السوريين والمجتمع المضيف للوقاية من نزاعات سوف تؤدي إلى لجوء إضافي.
* كاتب فلسطيني