يتمحور الاهتمام هذه الأيام في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة حول الانتخابات البلدية القادمة. وتدور صراعات تأخذ طابعاً أيديولوجياً، إقصائياً أحياناً، كما يتضح في خطاب حماس الدعائي، وآخر يجترّ إنجازات الماضي ويتفاخر بنوستالجيا نضالية تصل حدّ الكافكاوية، كما يتضح من الدعاية الفتحاوية. في حين يحاول تيار آخر لمّ شمل القوى الستالينية المتبقية على الساحة، دون وجود روح ثورية تغييرية تتحدى الوضع الراهن. تتزامن هذه التحركات مع بروز واضح للتوجهات العشائرية التي تشكل نقيضاً للعملية الديمقراطية برمتها، وتوجه رجعي يعادي المرأة ويهمش دورها ويلغي حقوقها بشكل غير مسبوق.

ولكن تبقى المنافسة الرئيسية محصورة بين برنامجين انتخابيين واضحين رغم محاولات التغطية، وكلاهما يميني. برنامج انتخابي يواصل سياسة التنسيق الأمني ويؤمن إيماناً مطلقاً بدور المفاوضات، والتطبيع، والاعتماد على اقتصاد السوق، وسياسة نيوليبرالية تتبع روشتات البنك الدولي والدول المانحة الغربية والتي تتطلب عدم مقاطعة إلا بعض بضائع المستوطنات، وذلك بعد أن قامت دول الاتحاد الأوروبي نفسها بوسم وليس مقاطعة تلك البضائع. وبرنامج آخر انعزالي، شيزوفريني، لا يرى أي إمكانية للتعايش مع أشكال المقاومة التي لا يسيطر عليها وفق نظرته الأيديولوجية الضيقة. وبالتالي فقد حصر المقاومة في حروب دفاعية لا تحمل أبعاداً تحريرية، مع الانزلاق سياسياً في مستنقع أوسلو من خلال الانخراط في عملية انتخابية تحت حراب الاحتلال، وتشكيل سلطة شكلية لا تختلف عن المجلس الذي حكم غيتو وارسو، مع غلو محافظ في تطبيق قوانين اجتماعية وهابية لا تأخذ التنوع الفكري والأيديولوجي للشعب الفلسطيني بعين الاعتبار. والحقيقة أن هذا البرنامج الانعزالي، الذي يروج لحماس، يعاني من حالة شيزوفرينيا، فتارة يتحدث عن مآسي الحصار، وتارة عن "غزة الجميلة" وإنجازات المرحلة السابقة. أضف لذلك حالة البارانويا الشبيهة بتلك التي يعاني منها نظام الحكم في زيمبابوي تحت رئاسة روبرت موغابي والتي تتمثل في انعزال كلي عن الواقع المعاش.

معظم التيارات أصبحت تستقوي بالعشائرية لحصد الأصوات

وأصبح من الواضح أن معظم التيارات، وفي حركة مغرقة برجعيتها، أصبحت تستقوي بالعشائرية لحصد الأصوات. مع أن معظم هذه الأحزاب، باستثناء الإسلاموية منها، تدعي أنها تقوم أساساً على خطاب "حداثي، ديمقراطي". ويبرز المشهد الأكثر كافكاوية عندما تعمدت بعض القوائم اخفاء أسماء مرشحاتها للانتخابات المحلية، وطلبت من الناخب التصويت لاسم غير موجود على قائمة الانتخابات على اعتبار ان نشر اسم النساء المرشحات عورة، ولكن تصويت جمهور النساء بنظرهم لصالح ذكور القوائم حق عند البعض، وواجب شرعي عند البعض الآخر.
ما يثير الأسى الشديد في الدعايات الانتخابية ليس غياب الحقائق، بل الاستسهال وغياب المهنية وعدم احترام عقول الناس. أي أن النظرة الفوقية الحزبية في التعامل مع الجماهير هي السائدة على اعتبار أن سكان الضفة وغزة قطيع يمكن تحريكه بريموت كونترول أيديولوجي، أو من خلال التذكير بالراتب الذي يدفع من قبل فصيل حاكم. ووصل الأمر أن قامت القوائم الانتخابية الفلسطينية بتكرار نفس الكلام في كتابة البيان الانتخابي وكأنك تقرأ نفس البرنامج فيما يتعلق: "بالمعايير المهنية، الكفاءات، الخبرات الأكاديمية، النزاهة، حسن السمعة، الحكم الرشيد، تحمل المسؤولية، ومواجهة الصعاب، وتلبية متطلبات الشعب الفلسطيني، المشاركة المجتمعية... الخ".
وبرز تدخّل واضح للاحتلال في العملية الانتخابية القائمة، وبشكل يذكر بدور روابط القرى العميلة عام 1976، وذلك من خلال الإيعاز للإدارة المدنية بالتدخل لدعم بعض المرشحين في الانتخابات، بشكل غير مباشر. وتم تشكيل وحدة تواصل إعلامية جديدة بميزانية كبيرة تحت إشراف "منسق شؤون المناطق" وذلك للتدخل في المجتمع الفلسطيني. وقام بتدشين صفحة على الفيسبوك للتواصل مع الفلسطينيين. بالإضافة إلى القنوات المباشرة التي نجحت الإدارة المدنية الإسرائيلية بفتحها مع الفلسطينيين من جميع المستويات في السنوات الماضية.
وهنا يبرز السؤال الأكبر، كيف يمكن لانتخابات تجري تحت حراب الاحتلال، وبالتنسيق معه، أن تكون "خطوة على طريق الوحدة والتحرير؟". في الواقع ما هي، وفي أحسن حالاتها، إلا محاولة لتحسين شروط الاضطهاد. وعليه فإن الانسحاب من المشاركة في ظل النظام السياسي الأوسلوي، المكبل بقيود احتلال وأبارتهيد واستعمار استيطاني، يرسل رسالة قوية لصناع القرار.
إن الانسحاب من المشاركة في الوقت الراهن هو فعل سياسي رافض لأن النظام الأوسلوي المهيمن على صناعة القرار لا يسمح بالتغيير الجذري، ولأن التجربة السابقة أثبتت فشل كل القوى السياسية الكلاسيكية في توجيه دفة التحرير وما أقل من ذلك، وها هي تكرر نفس الأخطاء في دعاياتها. غياب المهنية بالكامل في عمل نفس التيارات السياسية الحاكمة والمعارضة، بالإضافة لعدم جدوى التوجه لصناديق الاقتراع تحت حراب الاحتلال، وللأسف فإن جميع البرامج المطروحة ليست فقط غير مقنعة، بل تعمل على غسيل دماغ الناخبين.
وبالرغم من الادعاء أنها انتخابات غير سياسية، إلا أن الواقع المعاش في شطري البانتوستان الفلسطيني يرتبط ارتباطاً عضوياً بالواقع السياسي، أي الاحتلال العسكري المباشر والحصار القروسطي الإبادي. وبالتالي فإن غياب رؤية استراتيجية سياسية واضحة كما كان الحال في النضال ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا والجزائر، مثلاً، وفي ظل الفشل اللامتناهي للحكومات الفلسطينية المتعاقبة بسبب امتلاكها برامج سياسية أوسلوية، مع غياب عنصر غاية في الأهمية منها ألا وهو أن العلاقة بين اسرائيل والفلسطينيين هي علاقة احتلال بمقاومة، مضطهِد بمضطهَد، بما يعنيه ذلك من العمل على تطوير أشكال المقاومة بدلاً من الهوس غير المنطقي بانتخابات وأجهزة أمنية بموافقة اسرائيلية. وفي ظل توسيع مفهوم المقاومة والنضال لإكسابهما أبعاداً شعبية كفاحية، فإنه يتحتم العمل على ايجاد برنامج إجماعي يعمل على تحشيد الجماهير. برنامج يكون بالضرورة ديمقراطياً في طبيعته، يحترم ويعطي المقاومة ضد أشكال الاضطهاد ثلاثية الأبعاد أولوية، ويضع نصب عينيه تحقيق السلام العادل بدون تنازل عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث. فمحاولة رشوة مكون سكاني، في الضفة أوغزة، على حساب مكون آخر تحت ادعاءات ومسميات مثل "البرنامج المرحلي" و"الاستقلال الوطني" يجب ان تنتهي بلا رجعة. وعليه فإن هذا البرنامج الضروري، في ضوء غياب الرؤية القيادية الاستراتيجية، يتحتم عليه الربط بين النضالات الفلسطينية المتعددة من الاحتلال العسكري في الضفة وغزة، والذي للأسف أصبح العنوان الوحيد للنضال، وضد التمييز العنصري القبلي ضد فلسطيني عام 1948، والعمل على عودة اللاجئين وتعويضهم.
ولكن، وبفضل جرثومتي الأسلوة والأسلمة، أصبح الشعار الأكثر واقعية "الانتخابات تحت حراب الاحتلال أفيون الشعوب" هو أفضل ما يعبر عن الواقع السائد في 18% من أرض فلسطين، مع خليط من حالة هستيرية جماعية، هوس غير واقعي، وبارانويا فصائلية.

*مستشار سياساتي في الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، وأستاذ في جامعة الأقصى-غزة.