أظهرت الأزمة السورية قدراً "واسعاً" في تنافس السياسات اﻹقليمية والدولية، وترجمتها بسلوكيات سياسية تبين مدى اختلال التوازنات، وطبيعة الصراعات المتراكمة على مستوى هذين الصعيدين، نتيجة غياب وضعف الرؤى الإقليمية بوضع نظام يحقق مصالحها والاعتماد بدلاً من ذلك على ما تفرضه القوى الخارجية من مشاريع يوظف من خلالها الفاعلون اﻹقليميون في ساحات الصراع، تعبيراً عن ولادة نظام دولي جديد لم تحدد معالمه، ومعايير إدارته، ما مهد ﻹبداع أساليب ومسارات استخدمت بها معظم النظريات، وتبدلت خلالها الاستراتيجبات وفق الظروف والمناخات الداخلية لساحات الصراع الخاضعة لمتغيرات عديدة، وبشكل جعلها تتجاوز معايير الحروب الداخلية بكثير، ويضبط إيقاعها، ويمنعها من التحول لصدام مباشر تنبأ بحرب عالمية ثالثة.

وأفرزت اﻷزمات الدولية المتتالية المزيد من التعقيد، والتشابك الروسي - الأميركي، وتصعيد وتيرة ساحات الصراعات واللجوء إلى حروب بالوكالة، لترجمة المخرجات الفعلية لحدة هذا الصراع، القائم على طبيعة التناقضات في المواقف واﻷهداف، وردود الفعل لكلا الجانبين. تجوهر اتسع بصورة أكثر في اﻷزمة السورية، نتيجة اعتبارات جيوسياسة واقتصادية أحدثت تعقيداً نوعياً غير مسبوق في حل الأزمات الدولية، من حيث أطراف الصراعات والدعم اللامحدود لقلب التوازنات.

نضج المشروع الروسي في إنشاء اتحاد أوراسي، يشكّل نقطة استقطاب تعاوني وتكاملي بين دول اﻹقليم

فالحديث اليوم عن توصل إلى حل للأزمة السورية بعد طول هذه السنوات من حدة الصراع، لا يعني صحية هذه الأنباء التي تكررت صداها في أكثر من اجتماع ومنتدى، ولقاء ومؤتمر، جعل منها مباحثات تمهد لمخرجات كلامية وإعلامية لم تجد ترجمة لها في الميدان السياسي والعسكري. ومع ذلك، فإن البلوغ لخريطة طريق ممكنة الحدوث وفق المعطيات الآتية:
أولاً: استمرار اجتماع اللجان المتخصصة الأميركية - الروسية في جنيف للوصول إلى نقاط تفاهم في ما يتعلق بتثبيت اتفاق وقف العمليات العدائية وفرز المجموعات المسلحة واﻹرهابية، وأي من التصريحات الدبلوماسية لرؤساء الدولتين، أو وزراء خارجيتهما يستند إلى نتائج هذه الفرق، لا إلى الإرادات السياسية فقط.
ثانياً: المسار الإقليمي وطبيعة تبادل الأدوار وفق المايسترو الأميركي صاحب الخبرة والقدرة المرنة على استبدال طرق استراتيجيته في توزيع الأدوار، وما يحصل في تسارع وتيرة الشمال من تحرك وانتشار كردي نحو المناطق الشمالية الغربية من سوريا، ومن ثم حصول الجانب التركي على ضوء أخضر أميركي لعملية "درع الفرات"، بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي جون بايدن لها بذريعة محاربة "داعش"، صاحبة الصفقات المتبادلة مع الجانب التركي، وإسقاط الطموح الكردي بعزله نحو المناطق الشرقية، وإقامة جدار فصل إسمنتي على طول الحدود السورية – التركية. والتوسع التركي في المناطق الشمالية قد يكون بشكل أو بآخر سيناريو لتثبيت وجود ما سُمّي مجموعات المعارضة المعتدلة، في تلك المناطق والحصول على مساحة ودور أكبر في المباحثات المقبلة، وهذا طبعاً في ظل إشراف "الناتو"، ولا سيما أن الجانب التركي منذ بداية الأزمة كان يسعى إلى التدخل المباشر، وإقامة منطقة عازلة لولا العصا الأميركية التي كانت تدرك عواقب ماقد تؤول إليه الأمور.
ثالثاً: بدء نضج المشروع الروسي في إنشاء اتحاد أوراسي، يشكّل نقطة استقطاب تعاوني وتكاملي بين دول اﻹقليم، تتطلب في الدرجة الأولى توحيد جهود هذه الدول لتكون رأس حربةٍ في محاربة اﻹرهاب.
رابعاً: انتهاز الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لفرصته الأخيرة قبيل انتهاء ولايته في التوصل لخريطة طريق تخرجه من اﻹدارة بإنجازين مهمين على صعيد السياسة الخارجية. تمثل الأول في التوصل إلى حل البرنامج النووي اﻹيراني وإعادة العلاقات مع كوبا، والثاني بوضع خريطة تمهيدية لحل الأزمة السورية، تمهيداً لنجاح المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون في استكمال ما بدأه أوباما.
إذاً، بات من المسلمات أن الحل في صيغته النهائية مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، ولكن نظرياً فإن خريطة الطريق التي قد تُوضَع في خلال أيام، تعبّر عن اختبار لنيات وإرادات أطراف الصراع في تشكيل توازن داخلي سوري، يمثّل حجم التحالفات وطبيعتها، متأثراً بالمعطيات الداخلية السورية في استعادة المناطق وتحقيق إنجازات في الجانب العسكري، وسياسياً، وفي مدى القدرة على الاستمرار بانتشار المصالحات والحفاظ عليها، تزامناً مع جدية ردود الأفعال اﻹقليمية المؤثرة بصيغ الحل، والقدرة الدولية على الاعتراف بأحقية إحداث تغيرات جيوبوليتيكية على المستوى الدولي. دون ذلك، فإن الحديث عن التسويات الدولية سيبقى ضرباً من الخيال ويزيد من تعقيد الصراعات الدموية، وانهيار جميع المسارات التفاوضية.

*كاتب وباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية