استطاع الشعب العربي الفلسطيني أن يبلور شخصيته الوطنية والقومية من خلال انخراطه في ميادين المواجهة البطولية مع المشروع الإمبريالي-الصهيوني منذ أن بدأت عواصفه تهب على الوطن العربي منذ أواخر القرن الثامن عشر. وقد بذلت الإمبراطوريتين الاستعماريتين «البريطانية والفرنسية» جهداً واضحاً في محاولات تجزئة الوطن العربي، وفي التنظير والعمل على تسهيل وصول كتلة بشرية غريبة ومستجلبة لفلسطين، لتكون حاجز الفصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه. وقد ساعدت الأوضاع التي نشأت عن الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، بالإسراع لتنفيذ مخططات الدول الاستعمارية التي عملت على شرعنة وترسيم مخططاتها الإجرامية بإعلان اتفاق سايكس- بيكو في عام 1916، وصدور وعد بلفور في عام 1917 الذي أسس لقيام «وطن قومي لليهود في فلسطين».

انقضت أكثر من مائة عام على طرح تلك المخططات والبدء بتنفيذها. وفي مواجهتها، بدأ الشعب العربي الفلسطيني مقاومته الباسلة منذ أن دنست أقدام الغزاة المستعمرين تراب وطنه. لكن التواطؤ الاستعماري والدعم الهائل للحركة اليهودية-الصهيونية بالمال والسلاح والخبرات، والدور القذر الذي لعبته أنظمة التبعية والتخلف والرجعية المتواطئة مع المستعمرين في التآمر على كفاح الشعب الفلسطيني، و»وسطية» بعض القيادات الاقطاعية في فلسطين التي صدقت وعود دولة الانتداب، حفاظاً على موقعها الاقتصادي والاجتماعي، وضعف البنية التنظيمية وقلة السلاح والخبرة العسكرية- رغم التضحيات الأسطورية للمقاتلين الفلسطينيين والعرب في مواجهة عصابات اليهود الصهاينة- أدى إلى احتلال الجزء الأكبر من الوطن الفلسطيني عام 1948 وحدوث النكبة، مما ترتب على ذلك، تَعَرُضْ الشعب العربي الفلسطيني للتبديد والتهميش، بفعل عمليات القتل والطرد والتهجير المنهجية. وقد أدى كل ذلك لحرمان هذا الشعب من بناء كيانه الوطني على ما تبقى من أرض وطنه، حيث ضمت الضفة الغربية للأردن في اعام 1951، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة-الوصاية المصرية.

شهدت
الحالة الفلسطينية تصدعاً
هائلاً أدى
إلى بروز
فالق حاد

منظمة التحرير الفلسطينية

لم يتأخر الشعب العربي الفلسطيني في امتصاص صدمة النكبة، اجتماعياً واقتصادياً، والأهم في دراسة واستخلاص «معنى النكبة». وجاءت ثورة 23 تموز- يوليو 1952 في مصر، لتلهب المشاعر القومية والوطنية والثورية لدى جزء كبير من اللاجئين، خاصة، أن نظاماً ملكياً، تابعاً، وفاسداً، كما هي أسلحته التي قاتل بها الجيش المصري في حرب عام 1948، قد سقط على يد مجموعة من الضباط المصريين. وقد أدت هذه الثورة - مع عوامل أخرى- إلى دفع عدد من أبناء الشعب اللاجئ للالتحاق بالأحزاب والحركات السياسية العربية والإسلامية. كما اتجه جزء آخر منهم، لتشكيل أطرٍ خاصة به، بناء خلايا مسلحة لممارسة العودة إلى فلسطين عن طريق الكفاح المسلح. وتم كل ذلك في محاولة امتلاك الإجابة على سؤال: ما العمل؟ في تلك الأوضاع المركبة والمتداخلة، من قبل النظام الرسمي العربي، مع المحاولات الفلسطينية الدؤوبة للعمل من أجل «استرداد - تحرير فلسطين»، جاء الإعلان عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعات المؤتمر العربي الفلسطيني الأول المنعقد في مدينة القدس 28/5 /1964 الذي أعلن «الميثاق القومي الفلسطيني» كبرنامج عمل جامع لأبناء الشعب الفلسطيني. عربياً، جاء انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول في مدينة الاسكندرية في شهر أيلول/ سبتمبر عام 1964 ليعطي للخطوة الفلسطينية المنطلقة قبل أربعة أشهر، شرعيتها من خلال المصادقة على الميثاق القومي الفلسطيني. جاء التحاق المنظمات الفدائية بالدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1968 لتعديل الميثاق من قومي إلى وطني، مع التأكيد على أن الشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، وبإضافة مادة تحدد أن «الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين»، فكان الإعلان عن تأسيس جيش التحرير. وقد عبّر الشعار «اللوغو» الذي حددته المنظمة للتعريف بذاتها (وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير) عن الأفكار والمبادئ التي تضمنها الميثاق.
انقضت أكثر من خمسة عقود على إعلان قيام المنظمة، وما يوازيها من بدء تشكيل الخلايا الأولى للكفاح المسلح. لكن حصاد تلك السنين وما تضمنته من تضحيات بطولية- ما زالت مستمرة إلى الآن- شكل خيبة أمل بتلك «النخب» السياسية التي تنازل جزء كبير منها عن المنطلقات الأساسية لبرنامج وأهداف المقاومة المسلحة، أمام وهم «الاعتراف المتبادل والسلام والدولتين» وهو ما بدأ عام 1974 بما سمي البرنامج المرحلي، مروراً باتفاق إعلان المبادئ اتفاق أوسلو الكارثي، وليس انتهاءً باتفاق واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1995. وهنا، لا بد من الإشارة لما ترتب على انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 من بدء خطوات النظام العربي على طريق تبادل الآراء بالجلوس مع الوفد الصهيوني، مما وفر مظلة «أمان» للقيادة الرسمية الفلسطينية تساعدها على الهرولة باتجاه الهاوية. إن قيادة المنظمة والسلطة وبعض القوى، باعتمادها اتفاق أوسلو، نهجاً وخطة عمل، بشكل صريح أو مبطن من خلال العمل المشترك على ترجمته على أرض الواقع، تكون لأطر قد تخلت عن برنامج وأهداف حركة التحرر، قبل تحقيق الانتصار، وبهذا تكون قد خسرت ذاتها ومبرر وجودها وأدوات عملها، وتحولت لتابع لحكومة وجيش المحتل، ما أدى لتحويل كوادرها وأعضائها إلى رهائن عند المحتل، أو إلى موظفين في دوائر ومؤسسات وأجهزة، تحمي وجود العدو وتسهر على حماية أمنه.

الوحدة والانقسام

إذا كان اتفاق أوسلو قد فجّر انقساماً فلسطينياً وعربياً واسعاً، فإن الحالة الفلسطينية قد شهدت تصدعاً هائلاً أدى إلى بروز فالق حاد، ليس بين القوى السياسية فقط، بل، داخل عدة فصائل، ناهيك عما أصاب المجتمع الفلسطيني. لقد أقرت «القيادة الرسمية الفلسطينية» بقبولها ذلك الاتفاق الكارثي بشرعية الكيان، أي اعترفت بوجود عدوها التاريخي، وبسرديته/ روايته الكاذبة والمختلقة والمزورة عن كونه «صاحب الحق بفلسطين»، وبأن الحركة الصهيونية هي «حركة تحررية قومية للشعب اليهودي». إن أم الكبائر التي ارتكبها من وقع وشرعن الاتفاق، كانت بإسقاطه اللاجئين وحقهم في العودة لبيوتهم وممتلكاتهم في مدنهم وقراهم. وتبرز خطورة الخطوة، لكون حركة التحرر الوطني الفلسطينية، التي يشكل اللاجئون أساس بنيتها، وأداة تحقيق هدفهم: العودة للوطن قد تم التخلي عنها، خاصة، بما تشكله الكتلة البشرية اللاجئة، الأكبر عدداً والأكثر ثورية في المجتمع، لأنها شكلت – وما زالت - خزان الفدائيين والمناضلين.
ساد اعتقاد عام لبضع سنوات، بأن الانقسام قائم بين برنامجين في الحركة السياسية الفلسطينية: برنامج التسوية، والمفاوضات حياة، ووهم الدولة. وبرنامج المقاومة الملتزم بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين، والرافض لنهج التفريط والتنازلات. لكن الصراع على وهم السلطة، بين القوتين الأكبر «فتح وحماس» دفع بالأخيرة إلى التمسك بالمكاسب التي حققتها داخل قطاع غزة، والتفرد بالهيمنة والسيطرة في ظل وضع محلي وإقليمي يتجه نحو الاعتراف بكيان العدو، باعتباره «مكوناً فاعلاً بالإقليم». لهذا بدأت حماس بالبحث، من خلال الوسطاء الإقليميين والدوليين، عن مخارج لرفع الحصار والقبول بها في عضوية نادي الباحثين عن «الاستقرار والسلام». هذا التوجه تطلب التكيف مع لغة الاعتدال التي يسعى البعض لتسييدها وتعميمها في ظل ما سمي «الربيع العربي» الذي انخرطت به حماس من دون حساب لمصالح الشعب والمقاومة، وبتنكر سافر لحلفائها. كل ذلك تطلب من الحركة تنفيذ سلوك جديد على الأرض يعمل على «ضبط البندقية والصاروخ وتوجيههما بما يخدم المصلحة العليا للشعب!». هذا السلاح الذي استعملته حماس بكفاءة عالية مع العديد من الفصائل، في صد وإفشال كل الاعتداءات الوحشية التي قام بها جيش العدو خلال السنوات الأخيرة.
لقد أصاب تعبير/ توصيف، الوحدة- كما المصطلح المتداول عن المصالحة!!- والانقسام، من التبرير والتفسير التضليلي، ما لحق بتعبير/ مصطلح: الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. إن أي وحدة وطنية حقيقية لا يمكن أن تبنى وتقام بين الوطنيين الذين يقاتلون المُستَعمر لوطنهم، والحراس الأمنيين لكيانه ومستوطنيه، المرتهنين لحكومة العدو.

برنامج النضال الوطني راهناً

على الرغم مما أحدثه «اتفاق أوسلو»من نكبة جديدة للشعب، انعكست على الحياة السياسية والاجتماعية، وفي القلب منها، النضال الوطني الفلسطيني ضد الغزاة المحتلين. وهو ما توضح في نهج وممارسات القوى المهيمنة بمحاولاتها المستمرة لتدمير منظومة قيم التحرر وأخلاقها وأدواتها، فكانت معسكرات التأهيل للأدوات القمعية ولعناصر التنسيق الأمني. أما في الجانب الاقتصادي/الاجتماعي، فقد انهمك حماة النيوليبرالية والتبعية، على تحويل المواطن/ة ، إلى رهينة لدى البنوك تحت دعاوى وشروط «الحياة الاستهلاكية والرفاهية» الكاذبة.
في ظل انسداد الأفق السياسي والتفاوضي أمام قيادة السلطة والمنظمة رغم التزاماتها بكل بنود اتفاق أوسلو، خاصة، ضبط الأمن «حماية العدو» وقمع وملاحقة واعتقال المقاومين، المترافق مع الزيادة في بناء المستعمرات ووحشية قطعان المستوطنين وقوات الاحتلال العسكرية، انفجرت الهبة الشعبية التي شكلت انتفاضة شباب القدس، دينامياتها اليومية، في تطوير جديد لأساليب المواجهة والاشتباك مع العدو، وفي التأكيد على رفض سياسة «المفاوضات حياة» والتمسك بنهج «المقاومة هي الحياة». وإذا كانت الكتلة الشبابية الكبرى التي قادت المواجهات، خارج الأطر التنظيمية للفصائل والقوى، فإنها في ذات الوقت الذي كانت عابرة لها، وخارج توجيهاتها، عجزت عن بناء أطرها وتنظيمها،على الرغم مما شكتله ووفرته، شبكات التواصل الاجتماعي من تواصل سريع بين الشباب والشابات في ساحات المواجهة.
إن التراجع الواضح في حجم التظاهرات، وعدد نقاط الاشتباك في هذه الموجة الانتفاضية، لا يعود فقط، لوحشية القمع العسكري للعدو، ولا لعدم مشاركة قطاعات واسعة بهذه الموجة، بل للدور المشبوه الذي تقوم به مؤسسات السلطة الفلسطينية، باعتراف قياداتها السياسية والأمنية في قمع وتهدئة الشارع.
إن جيلاً بكامله يتقدم صفوف المواجهة والاشتباك، كشهداء أحياء، يحتاج منا، لاهتمام ومتابعة ودعم، من أجل خلق/ بناء، قيادات من ذات الكتلة والشريحة الاجتماعية. لأن عدداً من «النخب والقيادات» لم تسقط فقط في انخراطها بمشروع التبعية، من خلال مؤسسات السلطة، أو المنظمات غير الحكومية «الإن جي أوز» قوى التخريب الناعمة، بل في وقاحتها المكشوفة لاستدخال الهزيمة عبر مشاركتها في مؤتمرات ونشاطات المؤسسات العسكرية والاستراتيجية للعدو الصهيوني (مؤتمر هرتسليا نموذجاً).
المبادئ
ــ فلسطين، جزء طبيعي وأساسي من الوطن العربي، وشعبها ينتمي للأمة العربية، وهو أحد مكوناتها، وقد ساهم مع أشقائه بدور بارز ومتميز في النهضة الفكرية والعلمية والسياسية التي عرفتها الأمة، وما زالت تسعى لتطويرها.
ــ الشعب العربي الفلسطيني في كل مناطق تواجده وانتشاره، داخل فلسطين المنكوبة باحتلالي 1948 و1967، واحدٌ مُوَحد في نضاله ضد المشروع الصهيوني وكيانه الاستعماري الفاشي ومستعمراته، بالكفاح المسلح والجماهيري، وكل أشكال النضال التي يبتدعها شعبنا في مسيرته على طريق تحقيق أهدافه في التحرير وعودة اللاجئين لمدنهم وقراهم وبيوتهم وممتلكاتهم.
ــ اقتلاع وطرد الشعب العربي الفلسطيني بالمجازر والمذابح من أرضه، أدت لتواجد مؤقت لجزء منه في العديد من الأقطار العربية، يعمل من أجل عودته لوطنه، رافضاً كل أشكال التوطين. لهذا، فإن الحكومات والجماهير العربية مطالبة بتوفير أفضل الظروف لإقامته، ليعيش بكرامة، داخل المخيمات وخارجها. لأن بعض الجهات المشبوهة، تعمل بشكل منهجي على «شيطنة» الفلسطيني ومعاداته ونبذه.
ــ إن ضرورة وحدة أداة المقاومة في إطار جبهوي تتطلب إعادة بناء وهيكلة م.ت.ف على أسس ديمقراطية ثورية: في اتخاذ القرار، واحترام المؤسسات، وفي الاعتماد على الشعب، بإجراء انتخابات حقيقية وشفافة توفرها شبكات الاتصال الحديثة، وفي مكاشفته بكل ما يمس قضيته الوطنية. لكن تحقيق تلك الوحدة يرتبط بسحب شرعية كل من تنازل وفرط بأي من الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، ومحاكمته.
ــ إن انتصار نهج المقاومة في فلسطين، مرتبط عضوياً بعمقه العربي، أولاً والإسلامي التحرري/ الجهادي ثانياً، والأممي/ الإنساني المناهض للصهيونية والإمبريالية والعنصرية، ثالثاً.
(ورقة قدمت لورشة عمل حوارية – بحثية في دمشق، دعا إليها مركز الصمود العربي قبل أسبوعين)
* كاتب فلسطيني