المشكلة في الكثير من الكتابات «التنبؤية»، والتي تصدر تحت عنوان «تحليل»، وتزخر بها تقليدياً الصحافة العربية، هي أنّك، من ناحية، لا تملك وسيلة لتقييم مصداقية الادّعاء (فلا مصادر واضحة، ولا معلومة تُضاف، بل سرديّة ورأي يسمّي نفسه تحليلاً، تأخذه أو ترفضه ككلّ) ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ هذه «النبوءات»غالباً ما تدور حول أحداثٍ ستتّضح وتتبيّن على أيّ حالٍ خلال أيّامٍ أو أسابيع، صدقاً أو كذباً، فلا طائل كبيراً من نقاشها وتفكيكها.

غير أنّنا نعرف، مثلاً، أنّ أيّ اتفاقٍ أميركي ــ روسي حول سوريا اليوم سيُحكم بديناميّات «نهاية العهد» في الرئاسة الأميركية: من المعروف أنّه في الأشهر الأخيرة من عهد أي إدارة في البيت الأبيض، لا يغامر الرئيس بتغييرات جذرية في سياساته الداخلية والخارجية، فلا يشنّ حروباً ولا يُطلق مبادرات كبرى في الداخل (الكونغرس سيُفشلها على أيّ حال)، بل ينهمك الرئيس الراحل الذي فقد بريق السلطة ومهابتها (الى جانب جمع التبرّعات للمكتبة الرئاسية، والإعداد لحياته وعلاقاته في مرحلة ما بعد البيت الأبيض) بـ«ربط العقد» المتبقيّة في بعض الملفّات، والتمهيد لتسليمها للإدارة القادمة. على الهامش: حالة «مسك الختام» هذه تفسّر أيضاً المعاملة السيئة التي يتعرّض لها شخص أوباما هذه الأيام في كلّ مكان ــ من الفيليبين الى الصين.
من هنا أيضاً، يمكن النظر الى اتفاق الهدنة الأخير في سوريا على أنّه «خارطة طريق» ــ غير مُلزمة ــ يقدّمها أوباما الى الرئيس الأميركي القادم، الذي سيكون أمامه خيار اتباعها أو رفضها أو خطّ طريقٍ ثالثٍ، فلا يُقال في المستقبل إن أوباما فرض الخيار العسكري في سوريا أو منعه. لهذه الأسباب أيضاً، فإنّ المفاوضين الروس كانوا، بلا ريبٍ، يفهمون هدف أوباما من الاتفاق، ويعرفون حدوده، وكانوا مستعدّين لرفض أي خطّةٍ لا تضمن، بشكلٍ واضح وعملي، ضرب تنظيم «النصرة» والفصائل المتحالفة معه.

أن تدعم «النصرة»

ليس صحيحاً، كما ادّعى جون كيري إثر الاعلان عن الهدنة، أنّ موضوع «النصرة» ونبذها كان محسوماً منذ البداية وليس عليه خلاف. بل إنّ سعي واشنطن لأن يظلّل اتفاق الهدنة «النصرة» والقوى التابعة لها، وأن تقتصر الحرب على «داعش»، كان من أشدّ نقاط الخلاف في المفاوضات بين الرّوس والأميركيين قبل هدنة شباط الماضي، وكان الموقع الغامض لـ«النصرة» في الاتفاق هو السبب الرئيسي لانهيارها السريع (اسألوا روبرت مالي، هو كان المفاوض وهو طرح هذه المطالب). ومع ذلك، فإنّ النظر الى «النصرة» وسوريا من زاوية القوى الكبرى والسياسة الدولية حصراً يسمح بتغييب الكثير من الحقائق، وإهمال الوقائع على الأرض. وهذا السلوك غالباً ما ينطلق من إيمانٍ بكلية القدرة الأميركية، أو أنّه يكفي أن يتّفق الأميركيون والروس على أمرٍ معيّن حتى يتحقّق في الواقع بالضرورة، مع أنّ التاريخ لا يدعم هذا الاعتقاد، ورهان «النصرة»، وفاعلين آخرين في المنطقة، يرتكز على بطلانه.
أنا أحاجج بأنّنا لو جرّبنا، بدلاً من مقاربة الوضع في سوريا عبر خطاب «المجتمع الدولي»، وأسئلة تفترض حسماً مسبقاً من نوع «ماذا سنفعل مع النّصرة؟»، لو جرّبنا أن نفكّر في الاتّجاه المعاكس وتحريّنا العقلانية التي تحرّك «النصرة» في سوريا، لانفتحت أمامنا صورةٌ مختلفةٌ تماماً عن الوضع، لا علاقة لها بسرديات الإعلام و«القوى الكبرى».
هناك، فلسفياً، قاعدةٌ بديهية حين تفكّر وأنت في حالة من انعدام اليقين، وهي أن تبدأ محاججتك دائماً من أساسٍ في الواقع الصلب، ممّا أنت تعرفه ومتأكّدٌ منه، مهما كان ضئيلاً أو جزئياً، وتبني منطقياً على ذلك (وليس أن تنطلق من توقّعٍ أو افتراض أو احتمالٍ أخبرك به أحدهم). من هنا، فإنّ سؤالاً أساسياً وبديهياً يطرح نفسه حول «النصرة» في كلّ مناطق وجودها: لماذا يسمح التنظيم بوجود فصائل منافسة، يعرف جيّداً أنّها تُعدّ لاستبداله وتهميشه وهو، في الآن ذاته، يقدر على هزيمتها عسكرياً بسهولة؟
الواقع يقول إنّ «النصرة» والمجموعات السلفية التي تحالفها تمثّل القوة العسكرية الرئيسية في الشمال السوري، ولا يحصل هجومٌ كبيرٌ من دون أن تكون في قيادته. كذلك فإنّ «النصرة» أثبتت قدرتها على هزيمة أيّ مجموعةٍ لـ«الجيش الحرّ» في مناطقها، وقد ضربت، توالياً، بعضاً من أكبر تشكيلاته من دون أن تواجه ردّ فعلٍ ــ أو حتى مقاطعة ــ من باقي الفصائل. وقادة «النصرة»، في الآن نفسه، ليسوا معزولين عن العالم ولا سذّجاً، ويعرفون ما يخطّط له مموّلو «الجيش الحرّ» ونيّاتهم ــ وهي غير مبيّتة ويجري نقاشها في العلن منذ سنوات.
تسمح «النصرة» للتنظيمات الموالية للغرب بالوجود في سوريا (وليس العكس) لأسباب مباشرة وواضحة. أوّلاً، وجود «الجيش الحر» يساوي دعماً وخطّ إمداد لـ«النصرة»، بالمعنى المادي العملي. كذلك يعرف كلّ من له اطّلاعٌ على أوضاع سوريا أنّ المساعدات الغربية لفصائل الشمال، عينية ونقدية وسلاحاً، تذهب نسبةٌ منها الى «النصرة»، وهناك مجالس وهيئات في مناطق عدة مهمّتها حصر المساعدات الخارجية وإقرار هذه الحصص وتوزيعها (وهذا فصلٌ آخر من فصول الدعم الغربي المباشر لـ«القاعدة»، لم تنتبه اليه الصحافة النقدية في الغرب). لـ«التعايش» إذاً، من وجهة نظر «النصرة»، ثمنٌ وبدل، لن يستمرّ إذا ما تحوّلت مناطق المعارضة، رسمياً، الى إقليم قاعديّ.
ثانياً، يتيح دفق التمويل الخارجي الكبير الذي يستجلبه «الجيش الحر»، والمنظمات الدولية التي تعمل تحت كنفه، سدّ جزءٍ أساسيّ من الحاجات المحلية، وتوظيف عددٍ كبيرٍ ممّن تبقّى في مناطق «النصرة»، فيرتاح التنظيم من عبءٍ أساسي في إدارة شؤون السكّان وتلبية حاجاتهم. كأمثلة على حجم التمويل الدولي الذي استثمر في هذه المناطق، يكفي أن نذكر أن بلدةً كبيرة كسراقب، كان فيها، خلال سنوات الحرب، ثلاث مطبوعاتٍ ورقية تموّلها الجمعيات والمانحين (ونحن في عزّ أزمة الإعلام الورقي) منها مجلّة للأطفال؛ كذلك فإنّ من يعمل في مجال الترجمة في البلاد المحيطة بسوريا يشهد أنّ أكثر العقود المتوافرة اليوم، وتلك التي تجزي في الدفع، تتعلّق بترجمة الكمّ الهائل من الوثائق والاستبيانات والتقارير التي تخرج من سوريا لمصلحة هذه المنظمات.
بتعابير أخرى، فإنّ واجهة «الجيش الحرّ» هي ما أتاح لـ«النصرة» أن تحظى بدعم الغرب والخليج وحمايتهما، تحت شعار الدفاع عن «الثورة» و«إرادة الشعب السوري»، وهي ما يتيح للمثقّف العلماني العربي، أو الصحافي الغربي، أن يقف في خندق «القاعدة» تحت مسميات شتّى، من دون أن يضطر إلى مواجهة حقيقة أنه يدافع عن إمارة سلفية ــ وهذا كله لن يكون ممكناً إذا ما احتكرت «النصرة» الميدان.

الرهان على المستقبل

تدخل «النصرة» اليوم مرحلةً جديدة مع الهدنة، قد تغيّر شكل الصراع في مناطق كثيرة في سوريا. يجدر التذكير بأن الموازين «الحقيقية» للقوى، والواقع الفعلي على الأرض، هي عوامل لا تقلّ أهمية عن الوضع الدولي ورغبات الدول الكبرى. تاريخيّاً، الطرف الأقوى هو من يخلق وقائع على الأرض ويحافظ عليها، وليس من ينتصر بالدبلوماسية. ومن أهمّ أسباب الطيش في تحليل أوضاع سوريا كان إهمال هذه الوقائع وتصديق ما يقوله الإعلام، أو ما يريد المرء أن يصدّقه. لهذه الأسباب انتقل الإعلام الغربي، مثلاً، من توصيف «النصرة» بأنّها تنظيمٌ هامشي نخبوي معزول في معسكر المعارضة السورية، فجأةً، الى سردية مناقضة تقول إن «الثوار من كلّ الأطياف متشابكون بعمقٍ مع «فتح الشام»، ويعتبرونه جزءاً أصيلاً من الثورة» (وهذا في «وول ستريت جورنال» البارحة، وهي مطبوعة أميركية يمينية، وليست خليجية «وهابية»).
هذا أيضاً ما دفع العديد من الناس (في الإعلام العربي وحده) الى التصديق بأنّ أميركا ستصالح «النصرة» علناً بعد أن تغيّر اسمها الى «فتح الشام»، أو أنّ إعلان فكّ الارتباط كان موجّهاً حتّى الى الغرب. قادة «النصرة» ليسوا من الغباء بحيث يتوهمون أن تغيير الاسم سيخدع الغرب ويبدّل موقفه (والإعلام الغربي بالكاد انتبه الى الخبر)، ومن يريد التصالح مع الغربيين لا يختار لنفسه اسماً كـ«فتح الشام» (هل تعرفون وقعها، مترجمة، على الأذن الغربية؟). الهدف الأساسي من كامل هذا «العرض» كان داخلياً، وكان بمثابة «إلقاء حجّة» على التنظيمات السورية التابعة للغرب وتركيا (تستنكفون عن دعمنا والانضمام الى مشروعنا بدعوى أننا جزء من «القاعدة»، نستجلب عداواتها وثاراتها، فها نحن فككنا الارتباط)، وتحضيراً لما سيحمله القادم من الأيّام.
أمّا بالنسبة إلينا، نحن من يقع تحت ناظر «النصرة» وأميركا معاً، ونتحمّل تبعات هذا الواقع ونصارعه، فإنّ هناك خلاصتين مفيدتين للمرحلة المقبلة، لا مناص من التذكير بهما؛ الأولى هي أنّه ليس كلّ ما تنويه أميركا يحصل ويتحقّق، وإلّا لكنّا اليوم في مكانٍ مختلفٍ تماماً. والأمثولة الثانية تتلخّص في أنّ كلّ إنجازٍ، أو صمودٍ، أو نجاحٍ جزئي حققته حركة مقاومة عربية في العقود الماضية (من لبنان الى غزة الى العراق الى سوريا اليوم) لم يتمّ إلّا بفضل جبهةٍ عريضة من أهل هذه المنطقة، تتعاون وتتشارك من دون عقدٍ، وما كان أيّ فعلٍ ممكنٍ من دون ذلك الشرط. في المقابل، فإن كلّ مشروعٍ عربيّ انعزل وحاول السير وحيداً، ولو تحت شعارات سيادية وقطرية، تمّ حصاره وضربه وتدميره بسهولة ــ من العراق الى ليبيا الى فتح أبو عمّار.
ومن يفضّل أن يثق بواشنطن وبحساباتها، ولا يفهم تبعات أن يفتح لها باب التفاوض على مستقبل بلادنا، فهو سيحصل ــ كمن سبقه ــ على صفقةٍ تختلف تماماً عن تلك التي يتخيّلها. يكفي أن نلاحظ الخفّة التي يتكلّم بها مسؤولون أميركيون عن تقسيم بلادنا، وعن فرص هذا البلد وذاك في «الاستمرار»، حتّى نعرف طبيعة ما سنواجهه في المستقبل القريب. في مقابلةٍ لمجلّة «نيويوركر» منذ أسابيع، قال روبرت فورد بكلّ وضوح «لقد وصلنا الى مرحلة صار من الصعب فيها تخيّل استمرار دولٍ كالعراق وسوريا في حالة وحدة»، ثم ختم، بما يشبه التفاؤل: «نقطة الانطلاق لهذا (التحوّل) ستكون دولةً كرديّة مستقلّة. السياسة الذكية هي في جعل هذه الدينامية شيئاً إيجابياً». من أين نبدأ التفاوض مع هذا؟