كي نترك طرق الهزائم التي تحل بنا منذ عام 1948، عندما اتحد عرب سايكس بيكو والحركة الصهيونية والغرب الاستعماري لتنفيذ مخطط اغتصاب فلسطين وطرد أهلها وشعبها الذين عاشوا فيها منذ أقدم العصور مقابل منحهم عروش ورقية (ليست أكثر من دائرة من دوائر الخارجية البريطانية يمارسون فيها ما يتقنونه، أي سادية على شعوبهم وسرقة أموالهم وأراضيهم وثروات البلاد)، علينا العودة دوماً إلى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الحديث لاستخلاص الدروس والابتعاد عن الأخطاء التي ارتكبتها الزعامات التي عانى ويعاني معظمها من أمراض النرجسية ومحاباة الأقرباء، وعن كل ما وجب على القيادات الوطنية الحقيقية والملتزمة بالقضية التزاماً لا حدود له.

لقد شكلت هزيمة حزيران عام 1967 منعطفاً خطيراً في تطور القضية الفلسطينية حيث تخلى حكام العرب المشاركون في مؤتمر الخرطوم عن فلسطين، وصار همهم استرجاع ما أضاعوه من أراضي بلاد(هم)، بسبب قصر نظرهم وعدم أهليتهم هم وأنظمتهم لأي أمر عام مفيد. لكن تلك الهزيمة شكّلت أيضاً منعطفاً تاريخياً خطيراً في تطور الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة، والتي أطلقتها حركات قومية عربية قبل تلك الهزيمة بسنين. التطورات اللاحقة قادت إلى ولادة حركة وطنية فلسطينية، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، في الأردن، وحظيت بدعم جماهيري فلسطيني/ أردني منقطع النظير ما شكل تهديداً مبدئياً لمستقبل المشروع الصهيوني ما وجب بالتالي القضاء عليها. في 16 أيلول 1970 شكّل مليك البلاد في عبر الأردن، الفدائي الأول!، حكومة عسكرية أنيطت بها مهمة قيادة القضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية والأردنية، نيابة عن العدو الصهيوني. وفي اليوم التالي أطلق «سليل الخيانة والملك الزُغَيَّر»، كما كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يطلق عليه، قطعانه المسلحة على مواقع الحركة الوطنية الفلسطينية في عمان وغيرها من المدن، عملاً بالمهمة التي أنيطت بهذا النظام الوظيفي الذي أسس بهدف واحد هو تقديم الحماية لكيان العدو الصهيوني والقضاء على أي تحرك فلسطيني وطني مستقل.
لكن بعد عشرة أيام من القتال لم تتمكن من تحقيق أي تقدم يذكر. هنا تدخل حكام العرب، بمختلف ألوانهم وأشكالهم وألقابهم ونعوتهم، لإنقاذ نظام العمالة المتصهين في الأردن وفرضوا على القيادة الفلسطينية التابعة والمأمورة بأوامرهم، «اتفاقية القاهرة» التي تفرض على المقاومة الفلسطينية تسليم السلاح وخروجها من المدن، أي فصلها عن جماهيرها. وكانت الزعامات العربية قبل ذلك تخلصت من القيادة الفلسطينية السابقة بقيادة الراحل أحمد الشقيري، الذي رفض قرارات مؤتمر الخرطوم واتهم الأنظمة العربية المشاركة فيه بالتآمر على فلسطين، ما أدى في نهاية المطاف إلى طرده من قيادة المنظمة وفرضت مكانه قيادة فلسطينية مطواعة تلتزم بأوامرها وسياساتها، وتعتمد في وجودها على أموال البترودولار المُفسِدَة.
بعدها نعرف ما حصل، حيث طردت قوات مليك البلاد، المغفورة له ذنوبه، القوات الفلسطينية التي انتقلت قياداتها إلى لبنان. هذه التطورات أدت إلى تغير في جوهر الحركة الوطنية الفلسطينية التي استحالت معظم تنظيماتها ميليشيا، تمارس كل الأعمال والتصرفات المخزية وما وجب تجنبه... اسألوا شعب لبنان عن تلك الممارسات التي تجلت في أبشع مظاهرها في الجنوب وفي بيروت والجبل وطرابلس. لكن الزعامات الفلسطينية الميليشياوية والزقاقية، المدعومة الآن بأموال البترودلار الفاسد والمُفسِد، مارست أيضاً كل أشكال التخريب في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، حيث عملت على شق التنظيمات وأقامت دولتها الهلامية في «الشارع الأخير»، واستمرت في مسيرة الانحطاط إلى درجة استقدامها «مرتزقة» من الصومال وبنغلادش وغيرها من البلاد ليحلوا محل المقاتلين الفلسطينيين الذين انفضوا عنها. أما التعاطف الشعبي الهائل الذي تجلى «يوم الخروج» بعد الاجتياح في مثل هذه الأيام من عام 1982، فهو تعبير عن التزام شعبي لبناني وطني وفلسطيني، بفلسطين وطناً وقضية، وليس انتصاراً لزعامات الهزيمة.
أما التخريب اللاحق الذي رافق اتفاقيات أوسلو وما بعدها فمعروف، ونتائجه الكارثية نراها ونعايشها لحظة بلحظة.
الملخص يقول: إن أي حركة وطنية فلسطينية ملتزمة لا يمكن لها أن تمارس أي دور مؤثر في تطورات القضية الوطنية/ القومية من دون الاعتماد على الجماهير، ونعني تحديداً في الأردن حيث يبلغ مقدار الفلسطينيين هناك نحو 90% من السكان. وهذا لا يمكن أن يتم من دون التحالف العضوي والمتساوي مع القوى الوطنية في عبر الأردن، ومع القيادات الوطنية وجماهيرنا في فلسطين المحتلة منذ عام 1948، إضافة إلى كل القوى اليهودية المعادية للصهيونية.