وصلت باكراً كعادتي، في مناسبات مماثلة، إلى مقبرة صبرا وشاتيلا، آتياً من مخيم عين الحلوة، لأشارك في إحياء ذكرى المجزرة الرهيبة. تميّز هذا العام بأنني لم أضطر إلى الغياب عن عملي أو المغادرة باكراً للمشاركة، كون الدعوة كانت بعد العصر، وليس في العاشرة صباحاً كالمرات السابقة.

في الطريق الممتد من السفارة الكويتية إلى المقبرة، لم يكن أحد سواي، حيث كانت الساعة تشير الى الخامسة تماماً، غير أنّ الطريق خالٍ إلا من زحمة السير المعتادة. استوضحت المسألة من بعض الواقفين على الطريق، فأجابوا بأنهم لم يشاهدوا أي مسيرة تمرّ. ولم أرَ بدوري أيّ تجمّع أو أدنى إشارة تدل على ذلك، فسرت وحدي تحت الشمس الحارقة نحو المقبرة المهملة.
في المقبرة المقفرة، أول ما لفتني أنهم قد نجحوا في إزاحة بعض البسطات التي تسدّ باب المقبرة عادة. وفي الداخل كانت ثمة امرأة (عفيفة أحمد عبدالله، مواليد الدكوانة 1952) وحيدة ترتسم كلوحة عتيقة، وفي فراغ المشهد لافتة كبيرة علقتها بلدية الغبيري منذ سنوات في ذكرى إحياء المجزرة. الى الشمال، داخل الموقع، كومة من النفايات التي جمعت على عجل من المكان، بسبب المناسبة الأليمة.
السيدة تحمل وجعها وتنتظر: بيدٍ مظروف ورقيّ وكيس بلاستيكي فارغ، وباليد الأخرى صور مركبة لأربعة من أفراد عائلتها، وملامح جامدة نامت على حزن دفين.
سألتها من لك؟ فأشارت الى الصور في الأسفل: هون أمي وأختي... تنهدت بعمق، ثم أضافت مشيرة الى أعلى الصورة، وأبوي وأخوي.
ثم تابعت: «إحنا من تل الزعتر. أبوي وأخوي كانوا في الجامع مع المدنيين آخر نهار ناطرين الصليب الأحمر يطلعهم، إجت الكتائب رشتهم وبقيوا بالجامع».
كانت عفيفة خارج البيت في عملها، وهذا سرّ نجاتها. قتل والدها وأخوها، وأصيبت أمها وأختها، فنقلهم الصليب الأحمر من مخيم تل الزعتر (مجزرة المخيم في 12 آب 1976) إلى الجامعة العربية.
تكمل عفيفة: «أختي أديبة بس شافت الكتائب رشوهم (أطلقوا النار عليهم من رشاش) هربت من الكتائب، ورجعت ع بيتنا بدهاش تطلع. بس شافت المنظر انخوتت (فقدت عقلها). البنت كان عمرها خمس سنين يا دوب (ليس أكثر). شافتها جارتنا. قالتلها وين رايحة؟ قالتلها أهلي رشوهن وأنا هربانة. أخذتها جارتنا من إيدها وجابتها عالدكوانة: سلموا (استسلموا) للكتائب. هاي آخر نهار في تل الزعتر».

فرّقت مجزرة تل الزعتر بين عفيفة وأهلها، وبقيت أشهراً لا تعرف عنهم شيئاً

هكذا فرّقت مجزرة تل الزعتر بين عفيفة وأهلها، وبقيت سبعة أشهر لا تعرف عنهم شيئاً. بعد ذلك انتقلت لتعيش في الدامور لمدة ثماني سنوات، وتبقى هنالك حتى الاجتياح الاسرائيلي في عام 1982، حيث انتقلت مع أهلها للسكن قرب المدينة الرياضية في بيروت.
«كانت إسرائيل بعدها بخلدة، بالليل مات بشير جميل. صارت إسرائيل تفوت على بيروت وبلش الطيران، إحنا واقفين عند الفاكهاني. كنا قاعدين ثلاث – أربع عيل (عائلات) بمكتب أبو الهول. شفنا إسرائيل عم تتقدم لقدام. قلت لأمي أنا بدي أروح عالشغل: لأني بشتغل عند ناس، وما فيني أظلني قاعدة. قالتلي خذي أختك معاكي. (أديبة). تركنا أمي في البيت. ثاني يوم إجينا نرجع عالبيت، بس إسرائيل صارت عالكولا. ما خلونا نقطع. ثالث يوم ما خلونا، ظلينا تناعشر (اثنا عشر) نهار حتى قطعنا وفتحت الطرقات. بين الكولا والجامعة العربية وجامع عبد الناصر كان ممنوع تقطع الشارع. إسرائيل قعدت بنص الطريق، وصلنا عالبيت لقيناه منكوش (مبعثر) فوقاني تحتاني. في واحد بنعرفوا قال مَ تدّوروش (لا تبحثوا) على إمك يا عفيفة. هلق بيكونوا متخبيين بالملاجئ. كل الناس كانت ضايعة عم بتدوّر على بعض. وصلنا لهون (مكان المجزرة) كان الدفاع المدني عامل خيمة وقالوا في علامات للي رايحلوا (للذي فقد) حدا. سألت أنا. قالولي ما في حدا. ظليت ساكتة. شي يقلي امك بالمجزرة، شي يقول مش بالمجزرة. شي يقول بالملاجئ. حدا بيقولك مضوع عقلو؟ زي اللي مضوعين عقلنا كنا. ما نعرف كيف النهار بدو يطلع علينا، وبعدنا لحديت (الى) الآن ما عارفين. سجلناها عند الصليب الأحمر وعند الدفاع المدني. وين ما يقولوا في مفقودين نسجل. بس ما في حدا».
هكذا فرقت مجزرة أخرى عفيفة عن أهلها للمرة الثانية، ففقدت أمها ترفة محمود حسين (51 سنة) وأختها جميلة (12 سنة)، لكن عفيفة لم تنحن ولم تيأس. تأتي الى هنا منذ ثلاثة وثلاثين عاماً مرة في كل عام لتُسمع الجمهور وجعها. لكن، الجمهور يتراجع!
تقدمت فرق الكشافة وخلفها مباشرة وفود بعض الفصائل، ونفر قليل من أهالي المخيم. وسرعان ما انقسموا من دون قراءة الفاتحة، أو حتى الوقوف دقيقة صمت. المسؤولون في جهة والحشد الصغير من جهة أخرى. ثم افتتح مسؤول عتيد لأحد التنظيمات الحديث، ليوزع الكلمات على أعضاء الفصائل الموجودين في المقبرة.
كنت ما زلت أتساءل بسذاجة عن سر صغر المسيرة مقارنة بحجم المجزرة وكبر المسيرات التي حضرتها سابقاً. غير أنني لاحظت غياب ممثلين عن البلدية وممثلين عن قوى وجمعيات أخرى، وأدركت أو استنتجت، لا فرق، أن هذه المسيرة المتواضعة هي انشقاق عن المسيرة الأم، أو المسيرة المركزية، التي تؤمّها وفود أوروبية وترعاها البلدية والمؤسسات.
هكذا إذن. توحّدنا المجازر والنكبات وتفرّقنا ذكرياتهما. يوحّدنا الجلاد، ويفرّقنا الأنين. واليوم افترقنا من جديد، حتى على الموت الجامع. وحده الجلاد وحّدنا. والمقبرة وحّدتنا وصهرتنا، إذ ضمّت رفات أقربائنا وأحبابنا وأصدقائنا وأبناء شعبنا وجيراننا. وضمت ذكرياتنا ومواقفنا السياسية وإيديولوجياتنا التي اختلفنا عليها يوماً. لقد فرّقتنا ذكرى المجزرة الرهيبة. فرّقتنا المجزرة مرتين: مرة بين أحياء وأموات، ومرة في ما بيننا نحن الأحياء.
في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، وحدها عفيفة وقفت شامخة تقهر مجزرتين عجزتا عن التفريق بينها وبين من تحب. جاءت اليوم وستأتي غداً وفي كل يوم، لتذكّر العالم بأنها تحمل وجعين: المجزرة الأولى فرّقت عفيفة عن أبيها وأخيها، والمجزرة الثانية فرّقتها عن أمها وأختها، لكنها استطاعت بفطنة فذة أن تجمعهم في صورة واحدة يفرّق بينهما خط وهمي، للدلالة على الفاصل الزمني بينهما.
فهل نستنجد اليوم بالجلاد ليوحّدنا؟