النقاش الذي أُُثير على خلفية الوعكة الصحية التي ألمّت بهيلاري كلينتون أثناء حضورها مراسم إحياء ذكرى 11 أيلول أعاد التذكير بجاهزية منافسها الجمهوري وبقدرته على الفوز في حال لم يجد الديمقراطيون البديل المناسب لمواجهته. وسؤال البدائل مطروح بالقدر ذاته على المؤسّسة الأميركية الحاكمة كونها لا تملك خيارات كثيرة في مواجهة ترامب، ولا تستطيع في حال امتلكتها أن تضمن وصولاً سهلاً لمرشّحها على حساب الرجل الذي أصبح بالنسبة إلى كثيرين داخل أميركا - وخارجها حتى- خيار «الشعب» في مواجهة النخبة الحاكمة.


خيار القواعد الجمهورية

وكونه آتٍ من خارج "الاستابلشمنت" فهذا يضفي على ترشيحه جاذبية إضافية بالنسبة إلى الطبقات الاجتماعية التي ملّت من الاحتكام إلى القواعد التقليدية في العمل السياسي الأميركي. لا يخلق ذلك مشكلة لدى المعسكر الآخر المنافس لترامب فقط، بل أيضاً لدى معسكره الذي أضحى في ظلّ هيمنة الرجل على القواعد الشعبية للحزب الجمهوري عرضةً لانقساماتٍ شتى. هذه الهيمنة أخرجت الانقسامات داخل الحزب إلى العلَن وأبرزت الفارق بين القيادات التي تسعى إلى إيصال مرشّح لا يخالف قواعد المؤسّسة إلى الحكم والقواعد التي اختارت العكس، وتمسّكت بترشيح ترامب كونه يمثّل بالنسبة إليها خياراً اعتراضياً على سياسات الحزب الجمهوري في اختيار مرشّحين لا يمثلونها ولا يعبرون عن رؤيتها للواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. هؤلاء هم الذين أضفوا الشرعية الفعلية على حملة ترامب الرئاسية، عبر دعمهم غير المشروط له ومساندته في وجه كلّ الانتقادات التي تعرّض لها على خلفية تصريحاته الاستفزازية وعدم إلمامه بالتقاليد الانتخابية التي تتطّلب من المرشح عادةً حداً أدنى من الاحترام للشرائح الاجتماعية التي تخالفه الرأي وتدعم خصمه الرئاسي.

المؤسّسة الحاكمة
لا تملك خيارات كثيرة في مواجهة ترامب

الخلفية التاريخية للنقمة المحافِظة

بالنسبة إلى هذه القواعد (ومعظمها من الطبقات البيضاء الوسطى والفقيرة) فإنّ الاستفزازات التي يوجّهها ترامب باستمرار إلى الأقلّيات الاجتماعية والعرقية الأميركية والتي تُعتبر خروجاً عن التقليد السياسي المعمول به هناك لا تمثّل مشكلة على صعيد الخطاب، وتُعتبر بالعكس من ذلك تعبيراً عنها وعن «التهميش الاقتصادي والاجتماعي» الذي تقول إنها تعرّضت له منذ صعود يسار الوسط إلى الحكم في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. هي تعتبر ذلك الصعود سبباً في إقصائها من الحكم ولا تلتفت مثلاً إلى المكتسبات التي تحقّقت لها بفضله إن على صعيد الضمان الصحي أو توفير الوظائف أو تخفيف الضرائب على الفقراء، ومعظمها إن لم يكن كلّها إجراءات صبّت في مصلحة توسيع الطبقة الوسطى الأميركية على حساب الأغنياء الذين باتوا مضطرين في حقبة كلينتون (ولاحقاً أوباما) إلى دفع ضرائب أكثر عن ثرواتهم ورساميلهم. حصل ذلك في التسعينيات حين كانت نسب النمو لا تزال مرتفعة، مصحوبةً بتراكم يصبّ بعد وضع قيودٍ جزئية عليه في مصلحة توسيع القاعدة الاجتماعية للحكم، بحيث تبقى الرساميل تعمل ولكن بحدودٍ معيّنة، وبقدرٍ يتيح نمواً أوسع للطبقتين الوسطى والفقيرة، ومعهما طبعاً قطّاع الوظائف الذي تعتاش عليه هاتان الفئتان. انعكس هذا الانتعاش على الخيارات الاجتماعية التي تبدلّت جذرياً بعد خروج اليمين من الحكم عقب انتهاء حقبة ريغان، وظهر ذلك من خلال النتاجات الثقافية التي ازدهرت في التسعينيات، معبرةّ بشكل أساسي عن استعادة الطبقة الوسطى «المدينية» لهيمنتها ومكانتها على حساب القيم المحافِظة واليمينية التي أشاعها حكم اليمين في الثمانينيات. هكذا، وبفضل هذه الهيمنة استعادت المرأة مكانتها في الحيّز العام، وأُُعيد الاعتبار إلى الخطاب الذي يجرّم التمييز (شكلياً على الأقلّ) بين الأميركيين ويعتبر المساواة بينهم حقاً أساسياً لا يجوز التفريط به تحت أيّ ظرف. وهذا لم يعجِب القواعد اليمينية التي أبدت امتعاضها من معاودة اليسار استعادة المواقع التي خسرها في الحقبة النيوليبرالية، ومع أنها استفادت طبقياً مثلها مثل باقي شرائح الطبقة الوسطى من الرخاء النسبي الذي عمّ في حقبة التسعينيات أثناء حكم كلينتون إلا أنّ رؤيتها لهذه الاستفادة كانت مختلفة. فالتراكم في نظرها لم يحصل على نحو متساوٍ، وصبّ أكثر لمصلحة الفئات الاجتماعية المقرّبة من اليسار، مشجّعاً هؤلاء بما فيهم الأميركيون من أصول لاتينية والأقليات السوداء والمسلمة على الانخراط أكثر في سوق العمل. وقد حصل ذلك كلّه - كما تقول- على حسابها، مفضياً إلى حدوث انزياحات اجتماعية لم يعد ممكناً معها الحديث عن دور رئيسي للأميركيين البيض في تقرير مستقبل بلادهم إن على صعيد السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو... الخ.

فرصة استعادة الهيمنة البيضاء

بهذا المعنى يمثّل ترامب وليس أيّ شخصية يمينية أخرى فرصةً حقيقية لاستعادة هذا الموقع من اليسار والأقلّيات الاجتماعية الداعمة له. وعبر استعادته يمكن لهذه الطبقات معاودة العمل على تصحيح الأوضاع الاجتماعية التي ترى أنها اختلّت بدخول اليد العاملة من أصول مهاجرة إلى السوق. حيث ازدادت مع هذا الدخولِ فرص الأميركيين من غير البيض في الحصول على فرص عمل، ما تسببّ بحسبها بفوضى اجتماعية يصعب على غير ترامب من السياسيين الأميركيين التعامل معها. وعبر التماهي الكامل مع هذا الخطاب الذي يتكئ على «مظلومية اقتصادية» أساساً وإبداء الاستعداد لإضفاء مسحة ثقافوية عليه يقدّم المرشح الجمهوري المثير للجدل أوراق اعتماده. لا يفعل ذلك بوصفه مرشّح المؤسّسة كما هي حال كلينتون، وإنما بكونه صوت «الملايين» التي تشعر في ظلّ هيمنة البيروقراطيتين الحكومية والحزبية على القرار الأميركي بالتهميش، وتطالب بتمثيل لا يكون القرار فيه للمؤسّسة أو من ينوب عنها. الشعبوية هنا تبدو مطابِقة للمزاج اليميني العامّ ولكنها في الوقت نفسه تُستعمَل كأداة لإخفاء الانحيازات التي يعبر عنها الرجل. وهي بالمناسبة لا تختلف جوهرياً عن مجمل انحيازات اليمين سواءً في عدائه للمهاجرين والأقليات والمرأة أو في محاباته للأغنياء، إلا أنها وبخلاف الموجات السابقة وخصوصاً النيوليبرالية منها تعتمد على قاعدة شعبية عريضة من جماهير الطبقة الوسطى البيضاء (والفقيرة أيضاً). وهذا ما كانت تفتقد إليه معظم الموجات اليمينية التي أعقبت حقبة ريغان، حيث لم يستطع أيٌّ من السياسيين الذين خلفوه في قيادة الحزب الجمهوري أن يعيدوا إلى اليمين ألَقه، وظلّوا على الدوام مفتقرين إلى الأدوات السياسية والاقتصادية التي أتاحت له وللحزب الذي قاده الهيمنة على الحياة السياسية الأميركية طيلة عقدٍ من الزمن. ومع ذلك فإنّ الخطاب الذي يستعمله ترامب لاستعادة هذه المكانة لا يبدو متماسكاً كثيراً، فهو بالإضافة إلى التناقضات التي تعتريه -وهي كثيرة- يعاني من قلَة الاتساق، ولا يوجد لديه فضلاً عن ذلك امتدادت خارج الدوائر المباشِرة للشرائح المؤيدة له، وهذه نقطة ضعف أساسية في حملته. ولكنه في المقابل يحافظ على وتيرة ثابتة في حشد الدعم والتأييد، وهو ما تفتقر إليه الحملة الرئاسية الأخرى بشدّة. وحين يضاف إلى هذا الافتقار تعثّر المرشّحة الديمقراطية صحياً وعجزُها المؤقّت عن متابعة حملتها نصبح أمام واقع تكون فيه الاحتمالات مفتوحة، ومن هذه الاحتمالات فوز المرشّح الذي «يعادي المؤسّسة» ويوالي بشدّة قواعدها الجمهورية المتطرّفة والبيضاء.
* كاتب سوري