بعد أسبوعين من سقوط العاصمة العراقية، بغداد، بيد واشنطن في 9 نيسان 2003، أقيمت احتفالات بأربعينية الحسين، بعد منع السلطات العراقية من إحيائها ربع قرن سابق.

وأمام منظر التفجع والحزن الطازجين عند الجمهور المحتشد، سألت صحافية أميركية مترجمها العراقي «متى مات؟». هي تظن منذ أيام، فيأتيها الجواب «قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف من الزمان»، فعلّقت «أتينا إلى مكان مجهول لا نعرف معالمه».
لم تكن بغداد هكذا عندما نزل حوالى مليون شخص للاحتفال بعيد العمال في الأوّل من أيّار 1959، بدعوة من الحزب الشيوعي. كان أغلبهم من الشيعة، وكان الحزب قويّاً في النجف، لحدود ضاقت نفوس رجال الدين. حتى وصلت الحال بالشيخ مرتضى الياسين أن يصدر فتوى (نشرتها جريدة فرع الاخوان المسلمين في العراق «الفيحاء») أعلن فيها «إن الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تقديم الدعم له من أكبر الآثام التي يستنكرها الدين». كما قام المرجع الشيعي ميرزا مهدي الشيرازي بإصدار فتوى تحرّم على الشيوعي وراثة أبيه.
ليس هذا رجوعاً إلى الوراء عند الناس، بل تعبيراً عن فشل ومآزق أفكار وتيارات أيديولوجية، ليقوموا بالانفضاض عنها، وخلع قمصانها، وارتداء قمصان ثانية. في السودان هناك تصنيفان للأحزاب: تقليدية مثل «حزب الأمة»، والذي يستند إلى «طائفة الأنصار» بزعامة آل المهدي، وحديثة حيث توضع الأحزاب الإسلامية في هذا التصنيف مع الحزب الشيوعي والأحزاب والحركات العروبية، كحزب البعث وحركة القوميين العرب.
يمثّل الإسلاميون تياراً حديثاً، مثل الأحزاب الديموقراطية المسيحية، التي نشأت في القرن العشرين. ولكن يستندون إلى أيديولوجية تستمد مخزونها الفكري المعرفي من دين وجد في ماضٍ بعيد.
في التاريخ الأوروبي الحديث وجدت تيارات دينية، مثل طائفة البيوريتان في إنكلترا، والتي قادت عبر تجار لندن ثورة البرلمان ضد الحكم المطلق، للملك تشارلز الأولبين عامي 1642 و1649، وأقامت دعائم إنكلترا الحديثة، من خلال حكم كرومويل. لم يمنع من ذلك التشدد الأخلاقي المتزمت للبيوريتان، والذي يشبه كثيراً المظاهر السلوكية والاجتماعية للأصولية والسلفية الإسلاميتان، ولا ارتدادهم الماضوي نحو الإنجيل والتوراة. هؤلاء أيضاً، وهرباً من اضطهاد تشارلز وأبيه جيمس، هاجروا إلى القارة الجديدة، واستوطنوا في ماساشوسيتش عند الساحل الشرقي الأميركي. جمعوا في ذواتهم العلم مع الاقتصاد والنهم نحو التجارة، بالتوازي مع حَرفية أخلاقية متزمتة وذهنية مسكونة بأساطير ماضوية. كان إسحق نيوتن متديناً رغم أن قوانينه العلمية قد حطمت الرؤى الكونية الموجودة في الكتاب المقدس، وهذا لم يمنعه من أن يظل ويموت متديناً. هنا الماضي لا يعالج بذاته، بل من خلال كونه جزءاً من بنية فكرية – سياسية تمارس وظيفية سياسية في مجتمع وزمن حديثين. تلك الأيديولوجيات، المسكونة في الماضي ولكن الموظفة له في الحاضر، صنعت مستقبلاً تقدمياً وهي تمثل سلطة البرلمان عندما هزمت الملك، وكانت تعبيراً عن انتصار البرجوازية التجارية على الطبقات القديمة -ما قبل الرأسمالية- وعندما عادت الملكية وهزمت الجمهورية عام 1660، فإن البيوريتان كانوا ثانية عماداً أساسياً في ثورة 1688-1689، والتي أقامت الملكية الدستورية في إنكلترا وجعلت الملك «يملك ولا يحكم».
في هذا الصدد، الأفكار السياسية لا تقاس بمضامينها، بل بوظيفيتها في المكان والزمان المعينين، وتقدميتها ورجعيتها تتحددان عبر هذه الوظيفية، وليس عبر مضمونها أو أشكالها المعرفية. أيضاً لا تقاس «التقدمية» و«الرجعية» عند الناس من خلال مضامين أفكارهم، بل من خلال وظيفية أفكارهم في الزمان والمكان المعينين، كما أن التحضر يقاس وفق تجربة الغرب الحديث بالترتيب التالي:

لا تقاس الأفكار السياسية بمضامينها، بل بوظيفيتها في المكان والزمان المعينين

1-طريقة التعامل مع الأشياء
2-طريقة التعامل مع الناس
3-الأفكار
اليوم، في العالم العربي وفي الشرق الأوسط عموماً، ومنذ تراجع المد القومي العروبي واليسار الشيوعي في السبعينيات، هناك استدعاء للماضي: الأصولية الإسلامية السنية تستدعي وفق سيد قطب «النبع الأول: القرآن والسنة»، محدداً «الجاهلية» و«الانحراف»، مع بدء اختلاط النبع الأول في زمن عثمان مع «الينابيع الأخرى»، وداعياً إلى «بعث إسلامي» بالعودة إلى «النبع الأول».
عند الأصولية الإسلامية الشيعية مع الخميني ودعوتها لـ«ولاية الفقيه» و«الحكومة الإسلامية» يأتي استدعاء الماضي، من خلال تركيز الخميني على قول الإمام علي الرضا «لفقهاء أمناء الرسل»، محدداً أن ذلك يتجاوز الأحكام الفقهية إلى ميدان السياسة من خلال «الولي الفقيه».
عند «السلفية» و«السلفية الجهادية» هناك توافق بينهما، في مخالفة للأصولية السنية التي تحد النبع الأول عند القرآن والسنة، وتمد زمنه فقط حتى أبي بكر وعمر، على الاقتداء بـ«القرآن والسنة والسلف الصالح»، حيث يشمل الأخير الصحابة والتابعين ومن «تبعهما».
هذا الاستدعاء للماضي هو حديث العهد، وغير مسبوق بالزمن، إلا في حالات إسلامية فردية مأزومة. ولكن كان استدعاء أيضاً من أجل الراهن، وبسببه وليس من أجل عودة إلى الماضي، وترك الحاضر. يقول عبدالله العروي إن «تاريخ الإسلام يغدو تاريخ اختفاء كبير، أو كسوف أومحاق. وتنتخب فترة قصيرة -تتفاوت طولاً حسب المؤلفين- ثم يغطى الباقي بحجاب الخيانة الأسود» («الأيديولوجية العربية المعاصرة»، دار الحقيقة، بيروت 1970، ص119).
مفهوم التشدد عند ابن حنبل (164-241 هجري) وابن تيمية (661 - 728 هجري) كان آتياً من حالة دفاعية مأزومة، أقرب إلى من ظهره للحائط. كان التشدد في الاقتداء بالسنة النبوية عند ابن حنبل طريقة دفاعية ضد المعتزلة، الذين تبناهم المأمون والمعتصم. وكانت تكفيرية ابن تيمية للأشاعرة والصوفية والباطنية الشيعية آتية من أن الدين، بحسب رأيه، «الكتاب وما قاله الرسول وفعله»، وليس أكثر، في زمن كان فيه الصليبيون والتتار، وكان الجميع ضده من المسلمين السنة والشيعة، إلى أن مات في سجن المماليك في قلعة دمشق.
لا يحصل استدعاء الماضي عندما يصل المجتمع إلى مستقر. تولّى ليونيل جوسبان رئاسة الحكومة الفرنسية بين عامي 1997 و2002، ثم ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2002. لم يذكر أحد من الفرنسيين بأنه من الطائفة البروتستانتية، التي لا تتجاوز 1% من السكان في فرنسا، ولم يستدع أحد من الفرنسيين ضده الماضي الفرنسي.
الحرب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت «الهوغنوت» 1562-1598، والتي أسالت أنهاراً من الدماء حتى انتهت بالصلح عبر «مرسوم نانت»، الذي أرسى التسامح بين الطائفتين، ونقضه الملك لويس الرابع عشر عام 1685، ليقوم بطرد ملايين البروتستانت «الهوغنوت» من فرنسا، وهم عماد التجارة والصناعة، نحو جنيف وجنوب إنكلترا بعد إحراق كنائسهم وبيوتهم وقتل الآلاف منهم.
كان الماضي ميتاً، أو غير قابل للاستخدام بسبب قوة الحاضر وتماسكه.
*كاتب سوري