وسط تقاطع طرق رئيسي وتحت لهيب أشعة الشمس يقف رقيب أوّل في قوى الأمن الداخلي ساعياً إلى تنظيم حركة السير في غيمة من دخان أسود تبخه شاحنات وباصات وسيارات على أنواعها وأحجامها. راتبه الضئيل لا يكفي لإعالة أولاده الثلاثة وشراء بزة قطنية بجودة أفضل من تلك التي توزعها المديرية على العسكريين. يتصبّب العرق من كل أنحاء جسده لكنه يأبى أن يخلع «البيريه» الصوفية عن رأسه خشية أن تباغته دورية الانضباط.

يمرّ موكب من السيارات الرباعية الدفع بسرعة جنونية من أمامه فيتأهب لإغلاق التقاطع أمام المواطنين ويقف منتصباً يلقي التحية العسكرية لمن خلف الزجاج الأسود: زعيم هو أو قائد ميليشيا أو وزير... لا فرق بينهم بالنسبة إليه. المهم أنه قام بما يعفيه احتمال تعرضه للعقوبة المسلكية أو الشتيمة من قبل أزلام الموكب.
إن انضباط هذا الشرطي والجهد الذي يقوم به يومياً لأداء مهامه في ظروف صعبة مقابل راتب ضئيل يستدعي التفكير بالمؤسسة التي ينتمي إليها. لكن قبل ذلك لا بدّ من مراجعة تصرّفه لدى مرور الموكب ما قد يتيح تكوين مفهوم أوضح بشأن نظرته إلى السلطة. السلطة بالنسبة إليه أشبه بضابط مخابرات أو بزعيم مافيا خطير يحق له ما لا يحق لغيره. وبالتالي إن أحد أهم التحديات التي يبدو أن هذا الشرطي قد تغلّب عليها هي انضباطه مسلكياً مقابل رضوخه لسلطة الدولة الفاشلة التي تجسد الخروج الفاضح عن الانضباط الأخلاقي والقانوني والديمقراطي.
أما بشأن المواكب الأمنية الرنانة فلا يقتصر تجاوز المعايير المهنية والاحتراف في العمل الأمني على استخدامها (حيث أنها من أسخف أساليب حماية الشخصيات وأضعفها بحسب معايير العلوم الأمنية) بل يتعداه ليشمل كامل قطاع الأمن في لبنان. يمكننا أن نعدد مئات الأمثلة وأن نسرد صفحات طويلة من الملاحظات على أداء قوى الأمن الداخلي وغيرها من المؤسسات الأمنية لكن عدم الأخذ بوضع الدولة من أعلى الهرم لدى تقويم مؤسساتها يعد أيضاً تجاوزاً للمنهجية العلمية الدقيقة.
مؤسسة قوى الأمن الداخلي هي من أكبر وأهم وأقدم مؤسسات الدولة وتشمل مهامها حفظ النظام وتوطيد الأمن وحماية الأشخاص والممتلكات وحماية الحريات في إطار القانون والسهر على تطبيق القوانين والقيام بمهام الضابطة العدلية.
للوهلة الأولى قد يتجه المواطن إلى الحسم بفشل مؤسسة قوى الأمن الداخلي في أداء مهامها حيث تبدو الفوضى منتشرة والأمن سائب والممتلكات مستباحة والحريات مقيدة والقوانين مخروقة والضابطة العدلية الفعلية معطّلة.
لكن لنعدد أوجه فشل الدولة اللبنانية من أعلى الهرم قبل التطرق إلى أداء قوى الأمن:
أولاً، نلحظ تعطيل الآلية الديمقراطية التي يتشكل من خلالها مجلس النواب والاستعاضة عنها بالتمديد في عملية سطو واضحة على القانون والدستور. وتعطل الوظائف التشريعية والرقابية للبرلمان.
ثانياً، شغور سدة رئاسة الجمهورية، أي غياب «رمز وحدة الوطن» (كما ورد في المادة ٤٩ من الدستور).
ثالثاً، فساد مالي وإداري وخدماتي ينخر مؤسسات الدولة من أعلى الهرم إلى أسفله.
رابعاً، محاصصة طائفية ومذهبية ومناطقية لا على أساس الكفاءة بل بحسب نسبة الوفاء الأعمى للزعيم. ففي قوى الأمن الداخلي مثلاً هناك وحدات «محسوبة على» طوائف ومذاهب محددة: وحدة شرطة بيروت مثلاً للسنة وبالتالي على قائدها أن يكون وفياً للرئيس سعد الحريري، والدرك الإقليمي للموارنة وبالتالي على قائدها أن يكون وفياً للعماد ميشال عون، ووحدة الشرطة القضائية للدروز وبالتالي فإن على قائدها أن يكون وفياً للزعيم وليد جنبلاط، أما وحدة أمن السفارات فللشيعة وبالتالي على قائدها أن يكون وفياً للرئيس نبيه بري... إلخ.
خامساً، خلل أساسي في مالية الدولة لا يقتصر على عبء الديون الهائلة المترتبة على خزينة الدولة بل يشمل كذلك إنفاق الحكومات من دون إقرار قانون للموازنة العامة في البرلمان.
سادساً، مجلس وزراء أشبه بحلبة مصارعة سياسية لا يمكن أن يصدر عنه قرار إلا بالتوافق حتى ولو كان التوافق على حساب المصلحة العامة والدستور والقانون والأصول المهنية.
سابعاً، قضاء تابع للسلطة السياسية حيث أن لا تشكيلات قضائية في لبنان من دون التوافق السياسي على محاصصة مراكز القضاة والمدعين العامين ورؤساء الغرف والمستشارين.
إضافة إلى كل هذه المشاكل تعمل وحدات قوى الأمن الداخلي في ظروف يصعب على أي مؤسسة معنية بحفظ الأمن تحمّلها:
- كراهية وصراعات طائفية ومذهبية ومناطقية وسياسية بين السكان وانتشار مختلف أنواع الأسلحة والعتاد الحربي.
- تهديدات إرهابية ووجود ما يبدو أنه بيئة حاضنة للإرهابيين خصوصاً في المناطق الفقيرة والسجون وبعض مخيمات اللاجئين المنتشرة في مختلف المحافظات.
- ازدياد في الكثافة السكانية خصوصاً بعد نزوح نحو مليوني لاجئ سوري وعراقي إضافة إلى مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين.
- زراعة وإنتاج وتجارة المخدرات الممنوعة على نطاق واسع وذلك للاستهلاك المحلي والتصدير وانتشار الشبكات الإجرامية التي تدير هذا القطاع بحماية ورعاية بعض أزلام السلطة.
- قوانين قديمة لا تراعي التغييرات والتطورات ومنها قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي الصادر منذ 26 عام (سنة 1990).
- نقص في موازنة قوى الأمن الداخلي لتغطية نفقات الخدمات الطبية للعسكريين وعائلاتهم وصيانة المباني والآليات وأماكن التوقيف.
- تجهيزات وأسلحة قديمة حيث أن بعض العسكريين مجهزون ببنادق يعود تاريخ صنعها لمنتصف القرن السابق.
- تفاوت في مستوى تطوير وتدريب وتجهيز قطعات قوى الأمن الداخلي حيث أن بعض الفروع والشِعب تتميّز عن غيرها.
في ظل كل ذلك ما زالت دوريات الشرطة، بالحد الأدنى، تلاحق المخلّين بالأمن والمخالفين للقانون في مختلف المحافظات، وما زالت الشرطة القضائية، بالحدّ الأدنى، تقوم بالتحقيقات الجنائية بإشراف القضاء المختصّ، وما زال شرطي السير يسعى إلى تنظيم حركة المرور... بالحدّ الأدنى.
الحد الأدنى الذي يؤمنه ضباط ورتباء وعسكريون من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي هو بحد ذاته إنجاز هام في دولة تتآكل بفعل المشاكل والويلات.