في الفضاء الخارجي، إن شئت تحريك أي جسمٍ، سواء كان قمراً صناعياً أو سفينة في رحلة الى المريخ أو مركبة تستخرج المعادن الثمينة من النيازك، فأنت تحتاج الى وقود. قد يكون وقوداً كيميائياً أو هواءً مضغوطاً أو أي مادّة أخرى، تقذفها من النفاثات حتى تحقّق دفعاً في الاتّجاه المقابل. في المعدّل، عشرون في المئة من وزن القمر الصناعي هو وقود، والحاجة الى تخزين المادة الدافعة تمثّل سقف استكشاف الفضاء بالنسبة الينا اليوم. اقتصاديات الوقود هي التي تحدّد السّرعة والمدى والزمن الذي يمكن أن تستغرقه الرّحلة الفضائية؛ وعمر القمر الصناعي، عادةً، ينتهي مع نفاد وقوده (فلا يعود في وسعك تصحيح مساره وابقائه في المدار المطلوب، والّا لكانت الأقمار الصناعية تدوم لسنواتٍ طويلة، حتّى يصيبها عطلٌ أو عاملٌ خارجي).

ماذا لو كان في وسعنا تسيير المركبات في الفضاء من دون استخدام وقود، وتحقيق دفعٍ مصدره الطّاقة الكهربائية وحدها؟ هذه هي الفكرة خلف تكنولوجيا "الدفع الكهرومغناطيسي"، التي تدّعي بأنّه من الممكن، بواسطة تصميمٍ خاص، توليد طاقة دفعٍ عبر بثّ موجات كهرومغناطيسية ــــ أي كتلك التي يطلقها جهاز الماكروويف في منزلك، أو مجسّات الاتّصالات التي تحملها الأقمار الصناعية. بعد بناء واختبار نماذج عدّة على الأرض، سيتمّ اطلاق قمرين صناعيين لوضع نظرية "محرّك الدفع الكهرومغناطيسي" تحت الامتحان الفعليّ في الفضاء، أحدهما "كيوب ــــ سات" صغير ستطلقه شركة مستقلة، والآخر نموذج كامل الحجم سترسله "ناسا" على متن قمرٍ كبير.
سأنقل القصّة عن بناء النموذج الأوّل لهذا المحرّك كما رويت لي بنسختها "الشعبية"، بما فيها من مبالغة و"أسطرة": كان مهندس طيران بريطاني اسمه روجر شاويِر موظّفاً في شركةٍ خاصّة ومهمّته تسيير الأقمار الصناعية والتحكّم بها من القاعدة الأرضية. انتبه شاوير الى وجود قوّة دفع مجهولة المصدر تؤثّر على أقمار الاتصالات التي يشرف عليها؛ القوّة ضئيلة للغاية وتكاد لا تُلحظ، ولكنّها على المدى البعيد تتسبّب بانحراف القمر وضرورة تصحيح مساره كلّ بضعة أشهر. قرّر شاوير أنّ مصدر هذا الخلل هو دفعٌ تسبّبه المجسّات التي يحملها القمر، والتي تبثّ الـ"داتا" على شكل موجات مغناطيسية الى الأرض، وعزم على أن يثبت نظريته عبر بناء نموذج أوّلي بنفسه ومن دون مساعدة. قام المهندس، باستخدام بطاقة الدخول الالكترونية لمديره، بسرقة قمر اتّصالات مُهمل كانت الشركة تحتفظ به في المستودع، ولم يُطلق الى الفضاء بسبب خللٍ في تصنيعه. قام شاوير بنقل القمر الى منزله على متن شاحنته واختفى في مرآبه لأشهر وهو يعمل، ثمّ خرج حاملاً بين يديه جهاز دفعٍ كهرومغناطيسي. كلّ ما يهمّ التّاريخ العلمي من القصّة أن النموذج الذي بناه شاوير قد أثبت أنّه، عبر انتاج موجاتٍ كهرومغناطيسية وجعلها تتردّد في "قمعٍ" بسيطٍ من الالمنيوم، قادرٌ على توليد قوة دفعٍ تساوي 0.002 نيوتن.
هنا، توجد مسألتان اشكاليتان. أوّلاً، هذا المفهوم، لو تمّ اثباته، قد يكون أهمّ اكتشافٍ علمي للبشرية في هذا القرن، وسيجعل الفضاء وكواكبه وموارده شيئاً قريباً ومتاحاً. قد تبدو طاقة الدّفع التي تنتجها هذه التقنية ضئيلة، ولا قيمة لها على الأرض، ولكن في الفضاء الخارجي، حيث لا جاذبية ولا مقاومة، فإنّ تراكم هذه القوّة وقانون التسارع سيوصلك خلال ساعات، أو أيام، الى سرعات لا يمكن أن تحلم بها عبر التكنولوجيا الحالية. النفاثات اليوم تُستخدم لهنيهات فقط توفيراً للوقود، حتى تصل بك الى السرعة المرغوبة أو تصحّح اتّجاهك؛ ولكنّ محرّكاً وقوده الكهرباء يمكنه أن يعمل على الدّوام (عبر ألواح الطّاقة الشمسية كمصدر مستمرّ للكهرباء، أو حتى بواسطة مفاعلٍ نووي صغير جداً، يولّد طاقة هائلة ــــ بمقاييس الفضاء ــــ لعشرات السنين).
كمثالٍ على ذلك، تنقل "ناسا" أنّ طاقة الدفع لأحد النماذج الحالية (وهو بدائي وأولي) يمكن لها أن تأخذ مركبةً فضائية الى كوكب المرّيخ خلال سبعين يوماً ــــ وقسمٌ كبير من هذه المدّة، بالمناسبة، هو للتحرر من جاذبية الأرض والمريخ، وليس لقطع المسافة بينهما. يحلم العلماء، منذ عقود، بحلٍّ تقني من هذا النّوع، وكانت "ناسا" تراهن على مفهوم "الدفع الايوني" قبل أن تتبنى اختراع روجر شاوير، ويخبرني باحثٌ في مجال العلوم بأن السوفيات كانوا سبّاقين، منذ السبعينيات، في استطلاع نظرية الدفع الكهرومغناطيسي واحتمالاتها. هل تذكرون، في أفلام الخيال العلمي ومسلسل "ستار تريك"، المحرّكات التي تبثّ وهجاً أزرق أو أحمر، ولكنّه من دون لهب، وتسمح لنا بالانتقال بسرعات هائلة واستعمار الفضاء؟ هذا، بمعنى ما، هو ما نتحدّث عنه هنا.
المسألة الثانية هي، باختصار، أنّ هذه التقنية لا يمكن لها أن تعمل أو، بالأحرى، لا "يجب" أن تعمل بحسب قوانين الفيزياء السارية. فكرة الدفع الكهرومغناطيسي تقوم على مناقضة القانون الثالث لنيوتن "لكلّ قوّة فعل ردّ فعلٍ موازٍ في القوة ومعاكس في الاتجاه". هذا القانون يحتّم انّك، حتّى تتحرّك الى الأمام، فأنت بحاجة الى قوّة معاكسة. وفي الفراغ الفضائي، حيث لا يوجد هواءٌ لتحرّكه، التّرجمة العملية لمبدأ نيوتن هي أنّك ستحتاج دوماً الى "مادّة دافعة" في السفن الفضائية، وقودٌ من نوعٍ ما له وزنٌ وطاقة، تُطلقه في اتّجاه حتّى تتحرّك في الاتّجاه المعاكس؛ وأنّ التفكير بتوليد قوّة دفعٍ من كهرباء أو موجات لا وزن لها هو وهمٌ فارغ وخيالٌ قصصي. لهذا السّبب كانت أكثرية من العلماء تصرف النظر عن هذه الأبحاث حين كانت في المرحلة النظرية، وشكّكت بقوّة بالنتائج حين بدأت النماذج العملية بالظّهور. المشكلة هي أنّ الاختبارات تكرّرت مرّات عديدة، وانطلقت أبحاثٌ وتجارب في الصين واميركا وبريطانيا، وكانت النتائج نفسها تتكرّر: هناك دفعٌ يمكن قياسه ولا يمكن تفسير سببه. حتّى أن "ناسا"، السنة الماضية، قامت باختبار جهاز الدفع الكهرومغناطيسي في حالة فراغ، ما أبطل أكثر الانتقادات التي كانت تعزو النتائج الى "خللٍ اختباري" سببه عوامل أرضية.
ما يزيد الطّين بلّة هو أنّنا لا نفهم، حقيقةً، كيف ولماذا يعمل جهاز الدّفع. نتائج الاختبارات تشير الى أنّ المفهوم ناجح، ولكننا لا نعرف لماذا. طُلب من المكتشف، الذي صمّم النموذج الأول، أن يفسّر عمل الجهاز وكيف اختار التصميم، فقدّم نظريّة عن الدفع الكهرومغناطيسي تبيّن لاحقاً أنها خاطئة بالكامل (هو، اذا، اخترع جهازاً من دون أن يعرف كيف يشتغل، وهذه ليست المرة الأولى في تاريخ العلم، ولكنّها تخلق شكوكاً). ولدى الدكتور هارولد وايت، وهو باحثٌ يقود مشروعاً لـ"ناسا" عن الدفع الكهرومغناطيسي، نظرية مختلفة تقول بأن الدفع يجري على مستوى "الفراغ الكمّي"، ولكن الكثير من أقرانه يشكك بها ويعتبر أنها مستحيلةٌ، تماماً كاستحالة الاندفاع في الفضاء من دون دفعٍ مقابل. لهذه الأسباب، ما زال الكثير من العلماء يصرّون على أنّ التقنية غير ممكنة، ويقولون إنّ الإفادة الوحيدة من اطلاق محركات كهرومغناطيسية الى الفضاء هو في أن نتيقّن، أخيراً وبالدليل العمليّ، من أنّها لا تعمل.
هذا ما سنعرفه قريباً، وهو الرّهان الذي يستثمر فيه اليوم الصينيون والأميركيون وغيرهم (يجدر التذكير على الدّوام بأنّ "ناسا"، على عكس الصورة التي تشيعها عن نفسها، هي مؤسسة حربية تتبع لوزارة الدفاع، وليست نادياً للاستكشاف والمغامرين). أقمار صناعيّة تدوم الى الأبد، رحلات مأهولةٌ بعيدة المدى، وسفن مكوكية تنقل، باستمرارٍ، المعادن ومصادر الطاقة بين الفضاء وكوكبنا: هذا ما يعد به الاختراع "المستحيل".