لا بأس من تكرار أن أي اتفاق بشأن الأزمة السورية، حالياً، هو أمر إيجابي. هذه الأزمة بلغت مستوى مخيفاً من التدهور الذي تتعاظم أضراره وضحاياه بشكل مخيف.

الضحايا والخسائر تلك لا تقتصر على الدولة السورية وشعبها. هي تشمل، على امتداد المنطقة والعالم، دولاً متزايدة. وهي مرشحة، وفق تقديرات وتوقعات منطقية"، لأن تستولد أشكالاً من العنف والقتل والخسائر غير مألوفة وغير محدودة بزمن «معقول»!
نوايا العنف المنفلت: من المشهديات الإعلامية الهادفة، حيث يجري تصوير عمليات قتل جماعية وقطع رؤوس وإلقاء الضحايا من النوافذ والطوابق العليا وإقحام أطفال وفتية في ممارسة مشهديات القتل والإعدام... وصولاً إلى نشاط ومفاجآت «الذئاب المنفردة» و«الخلايا النائمة» في كل مكان يمكن الوصول إليه... إلى السعي لمزيد من امتلاك أسلحة وأدوات القتل والدمار الشاملين... كل ذلك وسواه يشير إلى ضرورة السيطرة على الأزمة السورية من طريق الاحتواء، ومن ثم التسويات، فالحلول.
بالطبع، لن يحصل ذلك من خلال أوهام قائمة في مخيلات وعقول أطراف الصراع أو بعضهم (وخصوصاً الصغار منهم)، بأن حل الأزمة يكون فقط، عبر حسم وانتصار كاملين لمصلحة هذا الفريق أو ذاك. على الأرجح أن «الكبار» يدركون ذلك. حتى الولايات المتحدة التي دأبت على التعامل مع الأزمة السورية بوصفها أداة مثالية لاستنزاف خصومها والمنافسين الإقليميين والدوليين، باتت مضطرة، الآن، للبحث والحوار بشأن سبل محاصرة أضرار وشظايا الأزمة على امتداد العالم بما فيه الولايات المتحدة وأوروبا.
من نافلة القول إن تعذّر الحسم العسكري (الذي أدت أوهام تحقيقه إلى ما وصلنا إليه من التأزم والخسائر) هو ما يجب أن يوجه كل مسعى سياسي لاحتواء الأزمة. ولهذا المسعى شرط آخر مركزي ومحوري: الأخذ بمبدأ التوازن لا الغلبة، والمشاركة لا التفرد والاستبعاد والإلغاء والتجاهل. طبعاً هذا كلام قد يصنّف في عداد التمنيات أو حتى الأوهام. لا يمكن إنكار أن الرغبة في إنهاء الكابوس السوري قد تدفع إلى تغليب الحلم على الحقائق والرغبة على الوقائع. ثم أن إمكانية أن لا يكون هناك غالب ومغلوب أمر في غاية الصعوبة. فطابخو التسويات، لا يتوخون، غالباً، العدل والمساواة. قد تؤدي أحياناً، تسويات متوازنة إلى نتائج لاحقة غير متوازنة، أو حتى مخِلّة وغير عادلة. هذا أمر تقرره جملة تطورات وتبدلات لن يستطيع أحد منع حصولها خصوصاً إذا كانت تعبر عن حقائق ومستجدات موضوعية وذاتية متغيرة ومؤثرة. لكن هذا شيء، وتجاهل الحقوق والأوزان والمصالح للقوى الماثلة في الصراعات، المنوي التوصل إلى تسوية بشأنها، شيء آخر تماماً.
معروف، إذن، أن الصراع في سوريا قد دخل مرحلة التدويل الشامل. الأطراف المشاركة هي أفراد وجماعات وقوى ودول تغطي العالم بأسره. في مثل هذا الوضع المعقد يستطيع كل طرف كبير أن يمارس «حق» التعطيل والتفشيل. يتكرّس ويتأكد ذلك مع مرور الوقت. ولذلك باتت واشنطن وموسكو. في هذه المرحلة، هما من يحتكر ممارسة التفاوض والتفتيش عن التسويات، دون الآخرين. ولا تعني الرغبة في التواصل إلى تسوية تأمين شروط نجاحها دفعة واحدة. غالباً ما يمر نجاح التسويات بالتصعيد والتعقيد. الهدف طبعاً، هو تحسين الشروط لمصلحة هذا الطرف أو ذاك بغية تأمين توازن ما، بحيث تجري إزالة تفوّق طرف ومنعه من استثمار هذا التفوق في قاعة المفاوضات وبنود التسويات. أليس ذلك هو ما أقدمت عليه واشنطن حين لاحظت، وسط ضغوط انتخابية داخلية واحتجاجات حلفاء ذوي تأثير على علاقاتها ومصالحها، أن شروط تطبيق بداية اتفاقها الأخير مع موسكو تنطوي على اختلال فادح؟ قصفت واشنطن تجمعات الجيش السوري في دير الزور. ارتكبت مجزرة. بعد يومين وضعت شروطاً جديدة، ومحددة، على لسان وزير خارجيتها جون كيري (في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة)، بشأن منع الطيران السوري من النشاط في مناطق المعارضة؟! لم تلجأ واشنطن، هذه المرة، إلى الكذب كما فعلت بعد جريمة القصف (الغادر وغير المتوقع على الأقل).
ليس القصف الأميركي من خارج سياق الصراع والتجاذب على طريق الاتفاق والتسوية! هكذا هي الأمور في الغالب، وخصوصاً في التعامل مع النزاعات المزمنة والمستعصية. الدليل أن الطرف الروسي لم يبادر إلى رد سريع وانتقامي من القوات الأميركية. ما قام به هو قصف على صيغة للاتفاق تجعل تطبيق وصول المساعدات خارج تفاهم كان كل طرف فيه يتربّص بـــ«شريكه» لكي يسجل لمصلحته نقطة إضافية.
يحذر الطرفان الروسي والأميركي من الانحياز وتهديد التسوية. لكنهما، يصرّان، سوياً، على المضي في اختبار البحث عن تسوية بالاحتواء، وبالتقسيط، وبالمناورة، وبالتصعيد...
العودة إلى البدايات مسألة مهمة ومصيرية. الصراع في سوريا ليس صراعاً بين واشنطن وموسكو. هو، بالتأكيد، في جانب أساسي منه، بات على هذا النحو. الصراع أساساً سوري ــ سوري: على طريقة إدارة البلاد، وأسلوب ممارسة السلطة، وعلى السياسات والعلاقات الداخلية والخارجية... ثم أن أرض سوريا ومدنها وعمرانها وشعبها ومواردها ودورها، هي قبل وأكثر من سواها، حقل الموت والخسائر والتهجير والتشرد والمآسي... ولذلك، ومهما كان دور «الكبار» كبيراً، فلا ينبغي التسليم بانتفاء الدور المحلي ولا الاستسلام لمصالح الكبار فحسب، أهل سوريا، من حكامها ومؤسساتها، إلى المعارضين والمواطنين، هم أدرى بفداحة ما لحق بسوريا وناسها من عظيم الخسائر البشرية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية... وفق هذا المنطق لا ينبغي أن يمارسوا، كلهم أو بعضهم، سياسة تصعيد المطالب والشروط على حساب الإسهام، الجدي والمسؤول، في التفتيش عن تسوية لاحتواء الأزمة: تمهيداً للتوصل إلى حلّها.
يضاعف من مسؤولية السوريين، سلطة ومعارضة، المناخ الرسمي العربي السلبي، وهو مناخ لا يكتفي بالمراوحة في العجز، إنما يثقل على الأزمة السورية بصراعات واستقطابات لا تزيد في الوضع السوري إلا تأزماً وتعقيداً وتأججاً.
تنشأ الأزمات عندما تغيب المسؤوليات العامة وتتقدم الفئويات والمصالح الخاصة. الكابوس السوري هو كابوس عربي، بل وإنساني أيضاً. في عالم يوجهه الربح ومراكمة الثورة: بالنهب والفساد والقوة والتدخل الخارجي، تصبح التسويات، بالدرجة الأولى، مسؤولية المتضررين الذين يجب أن يوحدوا الجهد والإرادة، في عمل مسؤول، موحّد وإنقاذي. قال الرئيس بشار الأسد قبل يومين: «لا أحد يعرف متى تحل الأزمة السورية»: يجب، على الأقل، بذل جهود قريباً مخلصة من أجل جعل حلها.
* كاتب وسياسي لبناني