«حلب هي مطبخ العالم». تعبير يذكر بتاريخ هذه المدينة العريقة في تاريخ سوريا الطبيعية، جاء على لسان ملك أوروبي في عهد غابر عندما وقف على تلة مرتفعة، يراقب خيوط الأدخنة المتصاعدة من منازل أهالي حلب ومطابخها ومطاعمها الشهيرة. ومن المعروف بداهةً، ما يتمتع به المطبخ الحلبي من تراث وتقاليد راسخة تأخذ حيزاً وازناً في المطعم والطبخ الشرق أوسطي.

المدينة التي كانت السيارة تستطيع قطع مسافة محيطها كاملاً عبر محلقاتها الواسعة، بمدة زمنية لا تزيد عن ساعة واحدة قبل الحرب على سوريا، أصبح الآن من المتعذر، بل من المستحيل، الانتقال عبر هذا المحيط المقطوع بالمتاريس النارية ويكاد يتعذر عبورها على جيوش عالمية كبرى، وبالتالي صار من السهل الوصول إلى الاستنتاج الذي أدركه الحلبيون مبكراً: أن الحدود التي قطعت حلب إلى نصفين ما هي في حقيقتها إلا حدود تصارع مشروعين عالمين، وهي تعني بصورة أدق، صلب مشروع وجوهر الحرب على سوريا ودخول جديد وانزياح متقدم غير مسبوق لحدود «حلف شمالي الأطلسي» في الجغرافية السورية.
إن كل البروباغندا الإعلامية والشعاراتية الثورية التي غطت في سوريا مجريات الاحداث التي اجتاحت المنطقة، مع ظهور لوثة «الربيع العربي»، إنما جاءت بقصد ضم سوريا إلى المحور الأميركي في المنطقة، عبر ليّ عنقها وقرارها الوطني وإدارتها بزاوية أفقية معاكسة، في حدث تاريخي مشابه لما حاولته القوى نفسها في عام ١٩٥٧، وتحت ذرائع مماثلة.
في المرة السابقة اتُهمت سوريا بالشيوعية، وأُريد «استخلاصها» بالوصاية المباشرة من الشيوعيين، بينما تتهم سوريا الآن بـ«التشيّع» ويراد «استخلاصها» مجدداً، ومن القوى نفسها من محورها المقاوم «الشيعي الصفوي» بلغتهم، الأمر الذي فشل قديماً عبر النهوض العربي القومي التقدمي بالاتجاه إلى الوحدة مع مصر والتحالف الاستراتيجي فيما بعد مع الاتحاد السوفياتي وانكفاء أعداء سوريا وخصومها وجيرانها الألداء.

هل تنضج تفاهمات روسية إيرانية تركية تنزع حلب من التجاذبات الدولية؟

ومشروع «أمركة» سوريا يواجه حالة استعصاء في الوقت الراهن ضمن سياق الحرب التي تجري على أرضها، حيث يحمل «الثوار» معهم حدود «الأطلسي» على أظهرهم ويتقدمون به في أماكن مختلفة في سوريا، لكن أبرز تمظهر لتقدم وتراجع هذه الحدود المتغايرة ضمن تصارع المحاور الإقليمية والمشاريع العالمية تمثله مدينة حلب.
بتاريخ ١٩ تموز ٢٠١٦، شهدت حلب الذكرى الخامسة لاجتياحها من قبل المسلحين، الريفيين في معظمهم، كنوع من العقاب لحالة الشك والريبة التي نظر بها الحلبيون إلى ما سُمّي بـ«الثورة السورية»، حيث رفضت المدينة وخالفت كل «المواعيد الثورية»، وظلت على شكها المريب لوقت اجتياحها.
عاقبت «الثورة» حلب، وارتكب «الثوار» و«المجاهدون» في حلب آثاماً وخطايا، ما لا يمكن إخفاؤه أو التنكر له، يترجم نمطاً جديداً في تفكير الثورات الحديثة المستوردة التي تحرق مدنها وتهدم أوابدها التاريخية، ثورات تعمل عبر وكيل خارجي يرشّ الوعود بإعادة الإعمار والرفاهية، لكن بعد التدمير الشامل وإفقار الوطن ودفع الناس إلى خيار اليائسين المضطرين إلى ركوب ثورات «الأطلسي» الملونة والحركات الأتبورية العالمية.
تشتعل الحروب في حلب منذ تم الإعلان عن «ملحمة حلب» التي أطلقها السعودي عبدالله المحيسني في شهر آب الجاري، واستطاعت الفصائل المنضوية في جحافل سياسات المحور «الأطلسي» تحقيق خرق في جنوب غرب حلب في جزء من حي الراموسة والكليات العسكرية المجاورة، وتم خلالها فتح ثغرة اتصال إلى الأحياء المحاصرة الواقعة تحت سيطرة المجموعات المسلحة، بينما قوبلت المستجدات أخيراً باتخاذ قرار مضاد من الحلف السوري الروسي الإيراني مع المقاومة بتحرير حلب، وفتح منافذ خروج للمدنيين ولمن يرغب من المسلحين بضمانات روسية وعفو رئاسي مكمل لمدة ثلاثة أشهر.
ويبقى التساؤل التالي ذا أهمية بالغة: هل تستطيع اندفاعة كبيرة لمحور حلفاء سوريا ــ يبدو أنها ستكون أشد من «عاصفة السوخوي» السابقة ــ الاستفادة من التفاهمات الجديدة والصفقات السرية في ما يخص الساحة السورية وإنقاذ حلب من اللعبة الدولية، وضمها إلى الدولة السورية بهامش آمن متدحرج نحو الريف المجاور، في فرصة تبدو ذهبية؟ وبذلك يدخل الصراع بين المحاور في لعبة معقدة أخرى على الشمال والشرق السوري وخوض معارك أخرى لتعطيل مفاعيل مشاريع التقسيم والفدرلة، الأمر الذي يتطلب اصطفافات جديدة ومصالحات صعبة ومواجهات عسيرة.
تخوض حلب اليوم حرب سوريا والإقليم بعد فشل متكرر للهدنات ولحالات الاتفاق المتعثر الروسي الأميركي، حربٌ تتصارع فيها المشاريع، وفيها تتحدد مصائر الشرق والعالم لعقود طويلة، حروب كسر عظم شرسة، يمكن فيها لمن يزور حلب هذه الأيام أن ينظر من أي سطح مرتفع أو تلة عالية أو بناء بطبقات متعددة، أن يشاهد كل يوم تقريباً سحباً كثيفة من الدخان الأسود تغطي سماء المدينة بشكل شبه كامل، سحب ناجمة عن احتراق إطارات سيارات مستخدمة في غزوة «ملحمة حلب» أو تلك الناجمة عن القصف الذي يستهدف به الجيش السوري وحلفاؤه مواقع المسلحين و«الجهاديين»، وعندها سيدرك الناظرُ المترقب تماماً وبسهولة أن حلب بالفعل هي «مطبخ العالم».
فهل ستكون هذه السحب الدخانية المتصاعدة فوق سماء حلب دليلاً على نضج الطبخات السياسية الموقَدة على تفاهمات روسية تركية إيرانية مستجدة؟ وهل باستطاعة هذه التفاهمات انتزاع حلب من التجاذبات الدولية مقابل شروط تركية مقبولة تحقق حلولاً معقولة للهواجس التركية في منع الكانتون الكردي ولمسألة اللاجئين في تركيا، ليتم ركن حلب في موقعها الوطني بشكل يماثل ما حدث في مدينة حمص سابقاً؟ وبذلك ترتسم آفاق منظورة واضحة للحرب على سوريا، أم لا زالت هناك سحب دخان كثيرة ستتصاعد من حلب ومن غيرها من مدن وعواصم مهمة مجاورة تنم عن معارك كسر عظم جديدة آتية في المنطقة تتدحرج الى ما يشبه «هرمجدون» العصر الأخير؟
* كاتب سوري