ديدن الحرب المدوّلة في سوريا وعليها، أنه عند كل منعطف سياسي مفصلي، دولياً كان أو إقليمياً، يُشتغَل على إعادة ترتيب الفصائل المقاتلة وتموضعها عبر معارك متنقلة تختلف أطرافها المشاركة باختلاف أهدافها. وقد اتضح ذلك جلياً في لحظات متعددة، منها دعم واشنطن لقوات «سوريا الديموقراطية»، بسبب «تلكؤ» أنقرة في إنجاز توافقات مع واشنطن بخصوص محاربة «داعش»، زائد خروجها عن السياق الأميركي ببعض القضايا الميدانية.

يُضاف إلى ذلك عجز أو فشل الفصائل «المعتدلة» المدعومة من أنقرة والرياض ودول أخرى خليجية في تنفيذ المهمات الملقاة على عاتقها. فيما شكَّل ثانياً الانقلاب التركي «الفاشل»، وما نجم عنه من زيادة حدة التوتر بين أنقرة من جهة وواشنطن وبعض الدول الأوروبية من جهة أخرى، مدخلاً إلى مد جسور «التقارب» بين أنقرة وموسكو وطهران. علماً بأن ذلك لا يخالف توجهات واشنطن بالكامل، حتى وإن ظهر على أنه يجري من خارج العباءة الأميركية. ويكشف عن ذلك صمت واشنطن عن احتلال القوات التركية لمدينة جرابلس، وتمددها مع المجموعات الموالية لها إلى عمق الأراضي السورية. ويأتي ذلك في سياق تزعم أنقرة أنه للحدّ من تمدد قوات «سوريا الديموقراطية» التي تعمل على ربط المناطق التي تسيطر عليها شرق الفرات بغربه. وأيضاً لمحاربة «الإرهاب» بشقيه «الداعشي» والكردي، وحماية حدودها وإغلاقها أمام «تمدد الإرهاب» إلى الداخل التركي. في السياق، فإن المعارك التي تخوضها القوات التركية غربي الفرات، لا تخرج عن السياق الأميركي إلا في التفاصيل. ووجود أنقرة في حلف «شمالي الأطلسي» يعطي لعملياتها العسكرية طابعاً أطلسياً. ويدلّ ذلك على أن ثمة تغيرات فاصلة ستشهدها الساحة السورية سياسياً وعسكرياً. وإن لم تتمكن الدول الكبرى من التوافق على تسوية سياسية، أو فشلت في إيقاف الحرب السورية، تمهيداً لتحرير عجلة العملية السياسية، عندئذ تكون القوات المدعومة تركياً جاهزة لفرض معادلات سياسية وميدانية مختلفة، ويسهِّل من ذلك حينئذٍ انفتاح خطوط الدعم التركي.

معظم المناطق السورية ستبقى معرَّضة لـ«التحرير ــ الاحتلال»

من جانب آخر، أفضى التقارب بين كل من روسيا وإيران وأنقرة إلى التوافق على ثلاث نقاط: الحفاظ على وحدة الجغرافية السياسية لسوريا؛ أن يكون للرئيس السوري «دور» في المرحلة الانتقالية؛ أولوية محاربة «الإرهاب» وخصوصاً «داعش». وجميعها له علاقة أولاً بموقف واشنطن من الانقلاب في تركيا، وثانياً بدعم واشنطن لقوات «قسد». والتوافق المذكور، إضافة إلى الحوارات الماراثونية بين موسكو وواشنطن، لم تُنهِ حتى اللحظة الخلاف الدولي والإقليمي بخصوص تصنيف المجموعات الإرهابية. ويتقاطع ذلك مع إشكالية فكّ التداخل بين الفصائل «المعتدلة» وأخرى تُصنَّف ضمن قائمة «الإرهاب والتطرف». وجميعها يصبّ في خانة خلط الأوراق وزيادة تعقيد المشهد السوري.
في ما يخص وحدة سوريا، فإن دخول القوات التركية إلى جرابلس و«طرد» مقاتلي «داعش» منها، ومحاربة «قسد» لإخراجها من المناطق الواقعة غربي الفرات، بذريعة محاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، لا يلقى رفضاً جدياً من واشنطن. فالأخيرة تريد المحافظة على علاقتها مع أنقرة، وأيضاً استمرار دعمها لـ«قسد». وفي حال فشلها بذلك، يمكن أن تُفضل استمرار علاقتها مع أنقرة على الأكراد ومصالحهم، من دون أن يعني ذلك تخليها عن دعم «قسد». ويندرج في الإطار نفسه توافق روسيا وطهران وأنقرة والحكومة السورية على منع إقامة فدرالية كردية. ومن الممكن ترحيل ملف الفيدرالية إلى المفاوضات السياسية النهائية بين الحكومة السورية والأكراد وباقي الأطراف المقاتلة منها والسياسية. وذلك يدلّ على أن الأكراد قاموا من حيث يدرون أو لا يدرون بدور وظيفي ومرحلي، ليسقطوا مجدداً ضحية توازنات وحسابات ومصالح دولية متقلِّبة. في السياق، يبدو أن واشنطن تغضّ النظر عن استثمار أنقرة للتناقضات الراهنة لإقامة منطقة آمنة/ عازلة. مقابل ذلك، تستخدم قوات «سوريا الديموقراطية» كورقة ضغط سياسية وعسكرية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للحد من خروجه عن السياق الذي ترسمه. وأسباب ذلك تتعلق بتحالف أنقرة مع طهران وروسيا، علماً أن الغموض والالتباس ما زال يكتنف تحالفات أردوغان الأخيرة وعلاقة واشنطن بذلك. والنقاط المذكورة تفيد بأن تقطيع الجغرافيا السياسية لسوريا إلى أجزاء تسيطر عليها أطراف متناقضة ومتصارعة على مستويات متعددة عسكرية، سياسية، أيديولوجية والعقائدية، سيضاعف من صعوبة إعادة وحدة الجغرافيا السورية، وتماسك مكوناتها التي يجري تفكيكها وإعادة توضيبها لأسباب شتَّى، ما يعني أن سوريا تبتعد تدريجاً عن استعادة وحدتها الجغرافية والمجتمعية والسياسية «ديموقراطياً».
أما ما يتعلق بمصير الرئيس السوري، وإمكانية مشاركته في المرحلة الانتقالية، فإنه سيبقى مرتبطاً بمآلات المعطيات الميدانية المرتبطة بدورها بمواقف دول كبرى وأخرى إقليمية متصارعة بأشكال ومستويات مختلفة. في السياق، فإن براغماتية الرئيس التركي تنطوي على إمكانية «تعديل» مواقفه. وذلك لأسباب تتعلق بخيارات واشنطن، وأخرى لها علاقة بحسابات المصالح السياسية والمعطيات الميدانية.
إن جملة العوامل والمعطيات السابقة، تؤكد أن معظم المناطق السورية، ستبقى معرَّضة لـ«التحرير ــ الاحتلال» وإعادة «التحرير ــ الاحتلال». ويتضح ذلك في سياق المعارك المتنقلة والمتغيرة الملامح والأهداف بعد كل تحول سياسي دولي أو إقليمي. وكأن ذلك يندرج في إطار خطط وآليات اشتغال ممنهجة ومنظمة تهدف إلى تدمير سوريا بالكامل.
إن ما تتعرض له سوريا من تدمير للبنى التحتية العمرانية والاقتصادية والمرافق العامة، يُسهم في تحويل سوريا إلى دولة عاجزة، ويزيد من المخاطر المذكورة. إن «إعادة البناء» العمراني والاقتصادي، سيكون مدخلاً إلى إخضاع سورية لشروط شركات الاستثمار الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية، ما يعني استكمال نهب الثروات الوطنية، وتحويل سورية إلى مجال مفتوح للاستثمار والمضاربة. وسينتقل السوريون جراء ذلك من ضحايا حرب مفتوحة عنوانها الأساس تدمير سوريا، إلى ضحايا للشركات المذكورة. في السياق، تعمل القوى الدولية والإقليمية المتصارعة بالوكالة وبأشكال أخرى مباشرة، على تحديد مستقبل السوريين، ومآلات الجغرافيا السياسية لسوريا بالحديد والنار. ويصبّ في السياق المذكور آليات اشتغال وأهداف شركات صناعة السلاح ومجمعات حربية ترتبط مصالحها باستمرار الحروب. وجميعها إضافة إلى المؤسسات المالية العالمية والمصرفية تربطها علاقة عضوية بإعادة إنتاج القهر والاستبداد والإفقار المطلق.

*كاتب وباحث سوري