في تعليق لأحد السجناء السياسيين من حزب «العمل الشيوعي» في سوريا في سجن صيدنايا على استسلام القوات العراقية في حرب 1991 للأميركي قال التالي: «كنت أتمنى لو تابع الجنرال شوارزكوف الطريق إلى بغداد ليسقط صدام حسين». في كانون الأول من عام 1992، قال سجين من الحزب نفسه في القسم السياسي من سجن عدرا الكلام التالي تعليقاً على إرسال الإدارة الأميركية جنوداً إلى الصومال تحت ذريعة إنقاذ الصوماليين من المجاعة في ظرف الحرب الأهلية: «القضايا الانسانية تسقط الحدود ويجب تأييد هذا التدخل». في آذار 2001، وأثناء انعقاد المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، قال أحد الحاضرين الكلام التالي: «العولمة أسقطت الحدود ويجب عدم رفض أي تدخل دولي ضد الديكتاتوريات من أجل الديموقراطية وحقوق الانسان». في خريف 2002، وأثناء ظهور علامات على الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، كتب أحد قادة «حزب العمال الثوري العربي»، الذي أسسه ياسين الحافظ عام 1965، مقالاً تحت عنوان: «تهافت الدفاع عن العراق»، اعتبر فيه «الاستبداد أسوأ من الاستعمار»، وفي الفترة نفسها، كان صاحب القول ذاك عن شوارزكوف يثني على المعارضة العراقية في مؤتمر لندن (كانون الأول 2002) الذي تم بتنظيم من رجل الإدارة الأميركية (زالمان خليل زادة) ويقول في تسويغ ذلك إن «الديكتاتوريات قد جففت كل العوامل الداخلية للتغيير». كانت تلك الآراء معزولة ومستنكرة، وأذكر لما كنا في جلسة الاتهام في محكمة أمن الدولة في شباط 1993 كيف نقل سجين من صيدنايا لنا نحن الآتون من عدرا باستنكار وتعجب ذلك الرأي عن شوارزكوف وكان أكثر استغرابه أن صاحب هذا الرأي هو الذي كان الأكثر تمسكاً بالماركسية السوفياتية في حزب العمل أمام الآخرين الذين كانوا أقرب إلى تيار (اليسار الجديد). لم تتحول تلك الآراء إلى تيار سياسي في الفترة السابقة لسقوط بغداد في التاسع من نيسان 2003 وإن كان واضحاً فيها نقطتان: ماركسيون صدمتهم هزيمة موسكو أمام واشنطن في الحرب الباردة (1947ــ 1989)، ومعارضون سوريون حطمت تنظيماتهم في السجون أو في العمل السري في الثمانينيات بعد انتصار النظام على المعارضة بشقيها الإسلامي واليساري وسط انكفاء وصيام المجتمع السوري عن السياسة. كان اجتماع هاتين النقطتين قد أنتج بذرة جنين لنزعة الاستعانة بالأجنبي ولكن بعد تغيير «القميص الماركسي».
يوم إطلاقه نظرية «الصفر الاستعماري» هو يوم انتهاء صلاحية الترك


اختلف المشهد عند الكثير من المعارضين في فترة ما بعد 9 نيسان 2003: اعتبر احتلال العراق عند كثيرين «سقوطاً لصدام حسين وليس للعراق». لم يعد أحمد الجلبي مستنكراً أو مثيراً للاشمئزاز في وسط العديد من المعارضين السوريين وهو الذي حملته الدبابة الأميركية على ظهرها إلى بغداد، ثم بدأت تنظيرات تظهر، وسط حصول التصادم الأميركي ــ السوري بعد زيارة وزير الخارجية الأميركية كولن باول إلى دمشق بعد ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد، عن «انتهاء صلاحية الأنظمة الديكتاتورية»، وعن أن «الدبابة الأميركية عند القائم والبوكمال هي مثل الباص الذاهب من دمشق إلى حلب في استراحة حمص»، ولو أن البعض كان يتوقع سيناريوات غير عسكرية في دمشق مغايرة لسيناريو بغداد 9 نيسان 2003، و«أن السلطة السورية تتفادى ذلك أو تبعد كرة النار من خلال الضغط على الأميركان عبر دعم المقاومة العراقية».
في يوم 28 أيلول عام 2003، وفي مقابلة مع صحيفة «النهار»، أطلق رياض الترك نظرية «الصفر الاستعماري»: «اعتبر أن الأميركيين قد قاموا بفعل مفيد وأنهم نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر». كان يعني هذا عنده أن «الاستبداد أسوأ من الاستعمار» أو الاحتلال. كانت رمزية رياض الترك قوية عند كل المعارضين السوريين وكان مؤهلاً في فترة ما بعد 10 حزيران 2000 مع بداية العهد الجديد إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد، لكي يقود جبهة عريضة من المعارضين العروبيين الناصريين والبعثيين ومن الماركسيين ومن الاسلاميين. كان هذا مشروعه بعد خروجه من السجن في 30 أيار 1998 نحو تجاوز «التجمع الوطني الديمقراطي» أو هكذا كان البعض يريده أن يقوم بذلك. ما لفت النظر كان إطلاقه لتلك النظرية عن «الصفر الاستعماري» قبل أيام قليلة من ركوبه الطائرة نحو القارتين الأوروبية والأميركية، حيث زار واشنطن سراً عبر الحدود البرية الكندية ــ الأميركية من دون ختم جواز السفر. بعد عودته إلى سوريا في الأسبوع الأول من كانون أول، بدأ يطرح النقاط التالية: «هناك رياح غربية ستهب على دمشق وعلينا أن نلاقيها بثوب جديد غير الشيوعي ــ الماركسي وعبر برنامج سياسي جديد يلائم تلك الرياح ولا يتعارض معها أو يعارضها». كان قد صدر في خريف عام 2003 قانون محاسبة سورية عن الكونغرس الأميركي. طرح رياض الترك ودفع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (المكتب السياسي)، نحو تبني مشروع برنامج يلائم تلك التوجهات السياسية لملاقاة الرياح الغربية مع تغيير اسم الحزب والتخلي عن الماركسية أو عدم اعتبارها المنهج الفكري ــ السياسي للحزب. مع صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في أيلول 2004 بمظلة أميركية ــ فرنسية، اتضح أن المجابهة الأميركية – السورية ستكون في بيروت وليس في دمشق تحت عنوان مطلب القرار الدولي: «انسحاب الجيش السوري من لبنان». كان لانسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 تحت ضغط تظاهرة «14آذار» تأثير كبير على المعارضين السوريين، يوازي إن لم يفُق حدث التاسع من نيسان 2003 وكان رأي الكثير من المعارضين السوريين مفاده أن الريح الغربية ستأتي إلى دمشق عبر بيروت، وأن عاصمة الأمويين هي الثالثة بعد بغداد وبيروت. وجرت محادثات بدأت من المغرب في أيار 2005 مع مراقب عام جماعة «الإخوان المسلمين»، علي البيانوني، من قبل معارضين سوريين في الداخل ثم استُكملت معه في لندن في تموز من قبل رياض الترك ليكون ذلك الطريق نحو ولادة «إعلان دمشق» يوم 16 تشرين أول 2005، في ظل أزمة أميركية ــ سورية كبرى ووسط ضبط الساعة عند الكثير من المعارضين السوريين على موعد أسابيع لسقوط السلطة السورية، وكان أبعد تلك الموعيد يصل إلى رأس سنة عام 2006. وكان الرأي بأن «إعلان دمشق» سيكون «الطبعة الثالثة» من «مؤتمر لندن العراقي» و«14 آذار» اللبناني، وقد اجتمع فيه تجمع عريض من المعارضين ضم ليبراليي حزب «الشعب الديموقراطي» المعلن تأسيسه في أيار 2005 تحت الزعامة الفعلية لرياض الترك وناصريي حزب «الاتحاد الاشتراكي» وجماعة «الإخوان المسلمين» وأحزاب كردية سبعة ولجان أحياء المجتمع المدني ثم التحق به ماركسيّو حزب «العمل الشيوعي» بعد ثلاثة أيام.
ارتطم مشروع رياض الترك بالحائط لما بانت خطط الإدارة الأميركية المعلنة نحو «تغيير سياسات النظام السوري في العراق ولبنان وفلسطين وليس تغييره»، وبأن السيناريوين العراقي واللبناني لن يطبّقا، لا كلاهما ولا أحدهما في دمشق، وبأن كل ما تفعله واشنطن هو أدوات ضغط، أحدها المعارضة السورية، على السلطة السورية نحو سياسات «ملائمة» لللأميركيين في إقليم الشرق الأوسط.
دخل هذا المشروع في حالة موت سريري بين عامي 2006 و2011. في يوم الأحد 2 تشرين أول 2011، استفاق هذا المشروع استفاقة قوية مع ولادة «المجلس الوطني السوري» في اسطنبول بجناحين هما رياض الشقفة مراقب عام «الإخوان المسلمين» ورياض الترك زعيم حزب «الشعب الديموقراطي» بعدما أفشل الترك محاولات جرت في دمشق بين أيار وحزيران من العام نفسه، وفي العاصمة القطرية في أيلول لإنشاء تجمع عريض للمعارضة يضم أيضاً عروبيين ناصريين وماركسيين يراهن على تغيير وطني ديموقراطي عبر «تسوية» مع السلطة السورية التي كانت في موقع دفاعي بعد درعا 18 آذار 2011. كان مشروع مجلس اسطنبول هو المراهنة على إسقاط السلطة السورية عبر الاستعانة بالخارج مثلما جرى ضد صدام حسين وضد معمر القذافي عام 2011. وقد تشجع «الرياضان» بما قاله أوباما يوم 18 آب 2011، حين طالب الرئيس السوري بالرحيل، وبالدور التركي الذي كان يبدو أنه سيكون رأس حربة حلف شمالي الأطلسي في سوريا مثلما كان دور فرنسا في ليبيا بين شباط وآب 2011.
خلال خمس سنوات مضت عن الثاني من تشرين أول عام 2011، و11 سنة مضت على ولادة «إعلان دمشق» اتضح أن رياض الترك يدخل في مشاريع فاشلة، الواحد تلو الآخر. السؤال هنا، ألا ينطبق على السياسيين أيضاً تاريخ انتهاء الصلاحية الذي يوضع على «EXPIRATION DATE»؟ أليس يوم 28 أيلول 2003، يوم أطلق نظرية «الصفر الاستعماري» وتخلى معها عن الخط الوطني الديموقراطي وعن الماركسية، هو يوم انتهاء هذه الصلاحية؟

*كاتب سوري