لن أكتب مرثية ولن أعدد مناقب المغدور الشجاع، ولا إشكاليات بعض كتاباته التي تحدث فيها زملاء كثر قبل جريمة اغتيال الكاتب ناهض حتر، وبعد ذلك أوفوا الراحل حقه، أو بعض حقه، ولن أنظر إلى مساحة المسافات التي فصلت بيننا.

أكتب بمداد أحمر لأقول إن القاتل واحد، وهو نظام عمان المتصهين، المتحالف مع العدو الصهيوني، والعميل المخلص، منذ تاريخ ولادته، للندن وواشنطن. بل إنه، مثل غيره من مشيخات العمالة والعمولة، مشيخات سايكس-بيكو، ليس أكثر من دائرة من دوائر الخارجية البريطانية. فمنذ تأسيس دائرة المستعمرات البريطانية هذا النظام وتنصيب كبيرهم، كبير السحرة والخونة، عبد الله بن الحسين أميراً على عبر الأردن، ليكون خادماً حامياً للاستعمار الصهيوني في فلسطين وللاحتلال الفرنسي في سورية، لا يترك مناسبة إلا ويثبت أهليته للقيام بواجبه التآمري.
المغدور، وثق أو لم يثق، بوعود النظام بتوفير الحماية له بعد سلسلة التهديدات لحياته والتي لم تتوقف يوماً، وإن أخذت أشكالاً متعددة، مثل أقنعة القاتل، قرر الانسجام الكامل مع مواقفه مع معسكر الممانعة وضد الفكر الإلغائي التكفيري. كان يعلم، كما نعلم، أن للمواقف أثماناً، دفعها البعض وندفعها وسندفعها، اختياراً. هنا تكمن شجاعة المغدور الذي كان بإمكانه البحث عن ظروف مخففة ليترك الساحة خاصة أنه مقيم في عمّان، عشّ الأفاعي والعقارب، حيث يرتفع العلم الصهيوني معلناً هيمنته على البلاد. ناهض حتر اختار البقاء في مدينته ومواصلة التعبير عن رأيه، على نحو مسالم.
في المقابل، وقف نظام عمّان، المتحالف منذ البدايات مع الجماعات التكفيرية، أياً كانت أسماؤها وأقنعتها، محرضاً عليه عبر أبواقه وفي دهاليزه، محرضاً، بل وداعياً القاتل إلى ارتكاب جريمته، ومفسحاً المجال أمامه موفراً له الظروف المناسبة لارتكابها.
نظام عمان كان بإمكانه توفير الحماية للمغدور ناهض حتر عبر إخراس كافة أصوات البوم والغربان الداعية إلى الاعتداء عليه.
بذرف بعض نظام عمان البوليسي، دموع التماسيح على الكبير ناهض حتر، فإنه يواصل سياسته القائمة على الكذب والخداع. نظام عمان أجبن من أن يواجه الكلمة بالكلمة، والرأي بالرأي، لأنه لا يمتلك أي رأي ولا لسان سوى ذلك الناطق باسم التخلف والتبعية والصهيونية. فأطلق قطعانه التي لا تعرف أي أمر في هذه الدنيا سوى القتل والدمار، فارتكبوا جريمتهم في وضح النار، من دون خوف أو حياء.
التكفيريون القتلة لن يقرؤوا هذه الأسطر لأنهم لم يتعلموا القراءة. من يقرأ ويفكر لا يقتُل. فقتل الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، ونشر الدمار والرعب هو جل ما يتقنه التكفيريون، أيّاً كانت أسماؤهم، والتاريخ شاهد على جرائمهم ماضياً وحاضراً. لكن لا رصاصاتهم تخيفنا، ولا نعيقهم وتهديداتهم ووعيدهم سيثنينا عن التفكير في ما وصلت إليه أحوالنا والبحث في درب الخلاص وترك درب الآلام التي قد طالت.
المسؤول الأول والأساس عن هذه الجريمة الوضيعة هو نظام عمان، من الذنب إلى الذنب، لأن رأس الأفعى في تل أبيب ولندن وواشنطن.
المتشفون، أيّاً كانت أسماؤهم وأوصافهم ونعوتهم، فقد يأتي قريباً اليوم الذي تتذكرون فيه مقولة: عندما اقتادوا الشيوعيين، لم أكترث فأنا لست بشيوعي، وعندما اعتقلوا الاشتراكيين لم أكترث لأني لست اشتراكياً، وعندما سجنوا الوطنيين والقوميين والنقابيين، لم أحتج لستُ بوطني ولا بقومي ولا بنقابي. وعندما جاؤوا لاقتيادي لم يبقَ أحد ليحتج على ذلك.
من يريد الحفاظ على درب ناهض حتر الفكري فعليه التمسك بالنضال من أجل إقامة نظام وطني ديمقراطي تعددي في شرق الأردن، على أنقاض نظام سايكس-بيكو وإنهاء الدور البوليسي لهذا الكيان الوظيفي.
سلام عليك يا ناهض حتر واعذرنا إن أخطأنا.