ما هو معنى الديمقراطية في نظام قائم على مبادئ النيوليبرالية، حيث تكون الدولة حبيسة توفير الأمن في المجتمع، وفرض احترام العقود الخاصة، والتفضل بسد الثغرات التي تتأتى من استنكاف السوق عن توفير بعض مجالات البنية التحتية، حيث لا تجدها تدر عليها ما تتوخاه من ربح سريع ووافر؟ ما هو معنى الديمقراطية في مثل هذه الظروف؟ ماذا تعني دولة القانون في تلك الحالة، إذا كانت المساواة أمام القانون تدع جزءاً من المواطنين لا يجدون من يستجيرون به لرفع ظلامة تقع عليهم ممن يملكون القوة الاقتصادية، ويمسكون بتلابيب ما يبقى من صلاحيات لتلك الدولة المختصرة بمخافر قوى الأمن، وأقواس المحاكم التي يعتليها من نصبوهم هم قضاة في تلك المحاكم.

عندما تؤكد النيوليبرالية على اختصار حضور الدولة بحدوده الدنيا إنما هي تفعل ذلك ـ كما تقول ـ من أجل نزع سلطتها لصالح الأفراد. غير أنه إذا جرى تفحص هذا القول عن كثب، وفي ضوء الواقع الملموس، فإن جميع الأفراد ليسوا هم المعنيين بالسلطة المنزوعة من الدولة، وإنما هم مدراء الشركات، ومالكو الرساميل، والأفراد الأكثر قدرة على المنافسة. إن الذي تفعله النيوليبرالية، في الواقع، هو أن تمتد سلطة بعض الأفراد على الكتلة الكبيرة من باقي أفراد المجتمع.
وعندما تهتم النيوليبرالية بتوسيع حضور السوق، وبالذين يتولون قيادة الأمور فيها ويمدونها بالرساميل، فإن فلسفة الدولة التي يجرى تقليص سلطتها إلى ذلك الحد لا ترى، تبعاً لذلك، حدوداً لسلطة السوق، ولا تقلقها الحرية المتفلتة من كل قيد لبعض الأفراد يمارسونها في ذلك النظام.
وتستحق الديمقراطية، بنظر الليبراليين، أن تكون مصونةً بما هي اتفاق اصطلاحي يتيح المنافسة الحرة بين وجهات النظر المختلفة، ويسمح بالتبديل الهادئ والسلمي للحكومات. ومن المعروف أن جوهر الليبرالية يبقى متمثلاً بتولية الحكومة سلطاتٍ محدودةً، لا تعكّر صفو النظام العفوي والتلقائي، ولا تشكل عامل إزعاج لمجتمع السوق. إن على الديمقراطية أن تصون الأيديولوجية الليبرالية وتحفظها من أن يحد من حركتها أي عوائق. ولم يدعوا التعبير في نطاق التورية، فقد أفصحوا عما يكنونه بالقول الصريح «إن تضمين الدستور أية نصوص تتعلق بالحقوق الاجتماعية هو نذير شؤم، من حيث إن الدولة تكون ملزمة عندئذٍ بأن تلحظ في موازنتها ما يؤمن تلك الحقوق، وهذا ما يجعلها تذهب لتغطية تلك النفقات بالاعتداء على حرية الأفراد وممتلكاتهم، من خلال الضرائب والرسوم، لتوفير الاعتمادات اللازمة لتلك النفقات».
ولكن، وقد غدت الدولة «كالزائدة الدودية»، لا حول لها ولا طول، ألا يتحول المواطن فيها، ويتصرف بصفته أحد الزبائن في السوق؟ وعندما تتم عولمة الأسواق فإن الشركات العملاقة الكبرى تضع جميع عمال الكرة الأرضية في منافسة مع بعضها بعضاً وتنكسر، بالتالي، الدولة ـ القومية.
ألا نكون، بذلك، قد نزعنا من أيدي الذين لا يملكون شيئاً من متاع الدنيا الوسيلة الوحيدة التي يستطيعون بها مواجهة ما يحيق بأوضاعهم من افتئات، وهي بجوهرها ذات طبيعة سياسية، وليست اقتصادية فقط؟ وهل صحيح ما يقوله النيوليبراليون أن رفع شعار المساواة هو شعار خاوٍ من المعاني؟ والأمر كذلك فليطلق العنان للعبة اللامساواة تفعل فعلها، فتتحرر أيدي ذوي المواهب والكفاءات من الأغلال التي تعلق حركتها؟
وفي مقابل ذلك، ألا يكون النيوليبراليون، بأطروحاتهم تلك، قد حولوا العقد الاجتماعي الى عقود فردية، ولم يتركوا للمعدمين ما يقتاتون به، وعليهم أن يواجهوا تعاستهم كأنها من مفاعيل نظام لا دخل لأحد في إقامته، أو كأنها نتيجة حظٍ عاثر خطته الطبيعة في سجال حياتهم مصادفة وبلا تقصد؟ ألا ينبغي أن يكون الناس متساوين في الانتفاع ببعض الأمور الضرورية لأودهم في حياة كريمة، أم أن الكرامة ـ حتى الكرامة ـ حصة محفوظة للمستفيدين من علاقات القوى في نظام يحكمه حق الملكية، بالمعنى المشار اليه سابقاً؟
ويقتضى الالتفات هنا إلى الولايات المتحدة الأميركية، بصورة خاصة، التي أخذت بمقولات النيوليبرالية وطبقتها في أنظمتها (ثم عمدت الى تعميمها في العالم). فما الذي حصل؟ لقد تبيّن للعديد من المراقبين أن سحب البرامج الاجتماعية من موازنة الدولة قد ترافق مع ارتفاع كبير في معدلات الجريمة، فارتفع، تبعاً لذلك، أعداد نزلاء السجون، واضطرت الدولة لزيادة اعتمادات الانفاق على السجون حتى كادت تزاحم اعتمادات الإنفاق على التربية والتعليم.
وكان من حصيلة ذلك أن اضطر الملايين من الأثرياء لأن يسيجوا أنفسهم في مدن خاصة ومقفلة (نشاهد بعض التجمعات السكنية في لبنان تفعل مثل ذلك. فليس لأحد أن يدخل إلى هذه التجمعات إلا من خلال باب محروس برجال أمن خاص، وبعد التعرّف إلى الشخص الراغب بالدخول وأخذ موافقة الشخص المرغوب بزيارته.). ثم ارتفعت الطلبات في سوق السيارات الخاصة التي تصنع وفقاً لرغبات هؤلاء، أصحاب نظريات التمييز العنصري.
والحالة هذه فهل يبقى الكثير من المعاني لسعادة الأثرياء الذين يعيشون بمحاذاة الملايين من المهمشين والمبعدين، وهم مسكونون بهاجس الرعب منهم؟
ثم يستكمل المفكر الاقتصادي النيوليبرالي F.V. Hayek المعركة ضد الديمقراطية، فيأخذ عليها أنها تمركز فائضاً من السلطة، وأنها تسعى لخدمة مصالح الكتلة الناخبة، معتبرة أنّ الأكثرية في هذه الكتلة الناخبة هي بالضرورة على حق، وتعبر عنه في صناديق الاقتراع. إن هذا المأخذ الذي يساق ضد السلطة الممنوحة لتلك الأكثرية ليس غريباً عما تفعله الليبرالية باعتبارها أيديولوجية الطبقة الأقلية المالكة، وفي المحصلة فإن الليبرالية تسعى لتقليص السلطة السياسية إلى الحدود الدنيا لصالح السلطة الاقتصادية التي تتربع في موقع رقابة تعلو على السلطة السياسية.
ويؤكد F. Hayek أن الديمقراطية غير قابلة للحياة بشكلها الراهن، وعلى الدولة أن تزيل عقبة الديمقراطية من طريق السوق. ولكن إذا أزيلت الديمقراطية فعلاً ألّا يعني ذلك إقامة حكم الأقلية على حساب اقتسام السلطات السياسية بين من يملكون هذه السلطات وبين من هم ضدهم، وهذا يؤدي الى إسكات النقاشات لصالح الفكر الطاغي والوحيد. وبعبارة أخرى، فإن هذا يؤدي إلى اعتقال الفكر السياسي وحجزه ضمن طوق نظام وحيد لا تزعجه أي انتقادات. ونكون في نهاية المطاف أمام تغييب الشعب واستبعاده عن أي نقاشات أو مشاركة في الحياة السياسية.
هذا النوع من الاستبداد تولد من مسيرة طويلة من تطور الرأسمالية. وقد وصفتها الصحافية والناشطة الكندية Naomi Klein (مواليد عام 1970) في كتابها الذي صدر بعنوان Strategie du Choc (استراتيجية الصدمة ـ عام 2008) والذي قيمته Joseph Stigligz بأنه من أهم كتب الاقتصاد التي تأسست عليها بصورة تدريجية الرأسمالية المطلقة والعالمية والتي حلت محل الدولة ـ القومية، وزعمت أنها هي النظام الديمقراطي الحق.
وقد وضعت تلك الرأسمالية المطلقة من أهدافها مقاتلة الدولة بجميع أشكالها. فالدولة عدو يجب تقويض مرتكزاته. وليس لها أن تتدخل، في أي من الأحوال، في نشاطات الأفراد، منذ أن يولدوا الى ان يموتوا، وهم يريدون للدولة أن تقوم بواجب الحماية. وتورد N.Klein ما يقوله Mllton Friedman في هذا الصدد، وهو الأب الروحي، وعميد مدرسة شيكاغو، «إن للدولة مهمة وحيدة في ظل النيوليبرالية وهي حماية حرياتنا من أعدائها الخارجيين، ومن مواطنينا في الداخل أنفسهم. إن على الدولة أن تقر النظام وتحفظ القانون. يجب احترام العقود الخاصة وفق مندرجاتها. ويجب التشجيع على المنافسة».
وبحثت N.Klein من نماذج للدولة بحسب مقولات فريدمان وأقرانه من اقتصاديي المدرسة النيوليبرالية فوجدتها، على حد قولها، في أسوأ أنماط الديكتاتوريات التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية: في التشيلي في عهد أوغستينو بينوشه، عام 1974، وفي الصين الشيوعية عندما تسلم السلطة تينغ هسياو بينغ عندما قمعت الدبابات الصينية المحتجين في ساحة «تيان آن مين» عام 1989. فرأت في هذين النظامين وجهين لدولة «فريدمان».
فالرأسمالية المطلقة لا يمكن أن تنمو إلا في ظل سلطة مطلقة. وتناول الاقتصادي الفرنسي المعاصر Jacques Attali (مواليد الجزائر 1943) المسألة من زاوية مختلفة في كتابه Une breve histoier de l avenir (مختصر تاريخ المستقبل)، ففي استشرافه للمستقبل رأى «أن السوق ستصبح أكثر قوة، وأن كلفة المبادلات ستصبح أقل من ذي قبل، بحيث إن أفراد الطبقة الخلاقة لا يحتاجون إلى أن يعيشوا في مكان واحد لإدارة العالم وتوجيهه. إن الصناعة الحديثة ستتمركز في ألوف الأماكن في نفس الوقت». والشكل التجاري (وهو، برأيه، أعلى مراحل تطور المجتمع بعد تجاوزه مرحلة الشكل الديني بطقوسه، والشكل الامبراطوري بسطوته) سيعمل بدون أن يكون بحاجة إلى «مركز» (على غرار ما كانت عليه الصناعة في مراحلها الاولى).

الرأسمالية المطلقة لا يمكن أن تنمو إلا في ظل سلطة مطلقة

وعليه، فإن السوق بصبغتها المطلقة ستقيم في كل مكان، ولن نحتاج إلى مركز لاتخاذ القرارات. وسيصار إلى اجتثاث جميع أشكال آليات، الحماية الاجتماعية من جذورها لصالح الاستحصال على كلفة أقل من المبادلات. إن هذا ليس ضغث حلم ـ كما يقول J. Attali. فلو أمعنا النظر في حركة المجتمع لبدت لنا حقيقة عيانية. إن القادة الحقيقيين «للطبقة الخلاقة المبدعة» ـ كما يقول ـ وجدوا لأنفسهم قلعة حصينة ليس لأحد أن يحتلها أو يقتحمها، إنها تستعصي على الأعداء أياً كانوا، فهي موجودة في كل مكان، ولا مكان elle se situe partout et nulle part.
وعلى ذلك فإن الصراعات الكلاسيكية المألوفة غدت غير ذات فعالية. في ما مضى كان العدو الطبقي محدد الهوية بدقة، وكان محل إقامته معروفاً بالكامل، وكان الصراع معه أسهل نسبياً، إذ كان ميزان القوى يميل لصالح الطبقات الشعبية. وبتنا اليوم لا نعرف من هو العدو الطبقي، ولا نعرف أيضاً أين نعثر عليه، ولا أين يقيم.
ويصل J. Attali الى التنبؤ باختفاء الديمقراطية في المجتمعات، حيث إن قوى السوق تسمك بيديها الكرة الأرضية بالكامل، والخصخصة تشمل جميع المرافق العامة، وتجتاح دولة الرعاية، ولا يبقى للدولة سوى المهام الكلاسيكية السابقة من مخافر وثكنات ومحاكم، مع ما سيطرأ عليها من تبديل وتغيير.
فلا يعود القانون هو الذي يحكم العلاقات بين الافراد وانما العقود، ولا يبقى إقرار العدل بين أيدي القضاء وإنما يعود الأمر إلى المحكمين، وأفراد الجيش وقوى الأمن يصبحون مرتزقة ومتطوعين. وبذلك تغدو الدولة قشرة جوز فارغة، وتغدو قوى السوق طليقة اليدين في كل ما تفعل. وتحل الفردية محل التضامن. ويغدو الإنسان مادة من مواد السوق، منتجاً كان أم مستهلكاً. ويشكل الفقراء سوقهم الخاصة بهم.
تجري مهاجمة دولة الرعاية مباشرة لتفتيتها. وجميع تدابير التقشف إنما تهدف إلى خنق التقديمات الاجتماعية والضمان الاجتماعي. حتى أن الجيوش، في بعض مبادئ القتال، يصار الى تدعيمها بشركات مرتزقة خاصة (للتذكير بلاك ووتر في العراق)، وتجرى الاستعانة، أكثر فأكثر، بشركات الأمن الخاصة (ويلاحظ انتشارها الواسع في لبنان) وهي عبارة عن ميليشيات خاصة، وتعطى أحياناً مهام الضابطة العدلية.
وفي الواقع فإنه قد جرت الاستفادة من انهيار ما كان يسمى المنظومة الاشتراكية وتشظي الاتحاد السوفياتي السابق الى دول عديدة للتأكيد على أن التخطيط الاقتصادي المركزي كان مقروناً بالنظام السياسي الاستبدادي، وبالاستدلال المعاكس فإن اقتصاد السوق هو قرين الديمقراطية. وقد رأى الاستاذ Gerard Larose (أستاذ العمل الاجتماعية في جامعة كيبك في كندا) إن نتيجة هذا الاستدلال المعاكس فيها شيء من التسرع. فالسوق ليست بحاجة، بالضرورة، إلى الديمقراطية لتقوم بعملها، وانما هي تحتاج إلى درجة من الاستقلال في ذلك، في إطار من القواعد الوافية في لعبة التنافس على أسس الاستقرار. وهذا لا يتطلب الإقرار باحترام حقوق الإنسان، ولا بأي شكل من أشكال المواطنة.
(فصل من كتاب قيد الإعداد بعنوان
«الدولة والسوق ـ دفاعاً عن الديمقراطية والفقراء»)

* أستاذ محاضر في المعهد الوطني للإدارة