ليست التبعية، منظومةً ونظريةً، في أفضل حالاتها، في المرحلة الراهنة! لقد استجدى معظم أركان السياسة اللبنانية التقليدية، القوى المرجعية النافذة، إقليمياً ودولياً، من أجل التدخل المباشر لحل مشكلة الشغور الرئاسي في لبنان. هذا الشغور قارب سنتين ونصف سنة، حتى الآن، أي حوالى نصف ولاية كاملة لرئيس الجمهورية. من معادلة «السين سين» المعطَّلة بفعل تفجّر العلاقة بين سوريا والسعودية، إلى «السين ألف» المستحيلة التفعيل حالياً، بسبب تصاعد الصراع الإيراني السعودي بشكل غير مسبوق، إلى عدم اهتمام أو انشغالات أو عدم قدرة لاعبين آخرين، دوليين وإقليميين أيضاً... بدت نداءات الأطراف والأقطاب اللبنانيين صرخة في واد، فيما الوضع الداخلي يقارب حدّ الخراب السياسي وغير السياسي.

كان السائد أن لبنان «يهتز إذا استقل»، وفق عبارة شهيرة وبليغة لأحد أقطاب «الجبهة اللبنانية» وأحد منظّري اليمين اللبناني (بخصوصياته المعروفة) المرحوم إدوار حنين. بدايات طلب الحماية أوعرضها اقترنت باضطهاد الأقليات من قبل السلطنة العثمانية (وحتى من قبل «أكثريات» محلية)، وبتصاعد أطماع الدول الاستعمارية الغربية الساعية إلى وراثة تركة الرجل «المريض»، أي مناطق سيطرة السلطنة العثمانية بعد أن بدأت، هذه الأخيرة، تتراجع وتضعف وتتفكك، وتثير، بذلك، شهوة القوى الاستعمارية المنافسة والصاعدة...
بخلاف معظم أقرانه، لبنان وحده «واظب» على المعادلة التي صاغها إدوار حنين. التبريرات أو التفسيرات كثيرة، لكن الأساسي منها اثنان: استسهال القادة المحليين عملية مقايضة الاستقلال الوطني بالزعامة الفئوية، وتشجيع دول الحماية نفسها إحلال دويلات محل الدولة لتسهيل التدخل عندما يكون ذلك ضرورياً. صادف أيضاً أن توازنات الوضع اللبناني شكلت مناخاً نموذجياً لإقامة واستمرار «صيغة فريدة» بدت، بسبب أزمات ونكبات في دول الجوار، وبسبب فيتوات وتوازنات شبه ثابتة في ممارسة وتقاسم السلطة ومغانمها، وبسبب قيام أنظمة استبداد بصيغ قديمة وجديدة في المنطقة، وكأن لبنان، بفضل نظامه السياسي (القائم على معادلة الانقسام والاستقواء والتبعية)، أصبح واحة خضراء فريدة في صحراء الشرق العربي القاحلة!
فشل «التقدميون» في طرح بدائل أفضل ووضعها موضع التنفيذ. بعضهم، ممن أمسك بالسلطة (عن طريق الانقلابات العسكرية)، تبنّى شعارات قومية ذات طبيعة شوفينية لم تفعل سوى تعميق مشكلة المجموعات الأخرى، القومية والإتنية والدينية. يكفي أن نذكر، كمثل، مشكلة الكرد في ظل سلطتي البعث في العراق (مجازر حلبجة) وفي سوريا (مئات آلاف المحرومين من الجنسية...).
حوَّلت القوى النافذة اللبنانية حالة مؤقتة، ناجمة عن ظرف متحول، إلى حالة دائمة. أضفت على واقع ثنائية الانقسام والتقاسم، المستندين إلى الهويات الأولية الطائفية والمذهبية والمكرسة في الدستور والعرف، طابع «المعجزة» و«الرسالة» والنعمة الإلهية... تتنازع القوى التقليدية اللبنانية على كل شيء إلا على أهمية الاستقواء بالخارج بثمن الولاء والتبعية الكاملة أو شبه الكاملة له. حين يأخذ طرف على سواه تبعيته لسلطة هذا البلد أو ذاك، فليس على مبدأ التبعية يعترض، بل على سياسة الجهة المقصودة ومواقفها. لذلك أضاف المرحوم إدوار حنين: «ولبنان إذا استتبع اعتز!».
عواصف وأزمات وكوارث لعينة تضرب الآن المنطقة والعلاقات جميعها بين أطرافها الفاعلين. لم تعد سوريا هي سوريا التي أوكل إليها (بعد جهد جهيد بذلته في لبنان) إدارة الشأن اللبناني ورعاية تنفيذ اتفاق إنهاء الاقتتال في بلدنا عام 1989 وبعده... حزب الله لاعب أساسي، وربما استراتيجي في الأزمة السورية. هو مساهم فعَّال في عدم تمكن المعارضين وداعميهم من السيطرة على السلطة في دمشق. تبدلت العلاقات جذرياً، وحتى إشعار آخر، بين السلطة السورية والأطراف السياسية اللبنانية، بما في ذلك، وبالدرجة الأولى طبعاً، حلفاء سوريا. من جهة ثانية، يعاني رئيس حزب «المستقبل»، سعد الحريري، الذي كان «لحم كتاف» والده الشهيد رفيق من خير السعودية، من تخلي القيادة السعودية الجديدة عن دعمه، وحتى عن مجرد تقديم الاستشارة له! لذلك أسباب في المملكة السعودية، ليس بينها الزهد في التدخل في شؤون الآخرين، بل إن من بين تلك الأسباب الاستياء من أسلوب «ابننا» سعد، ومن عدم قدرته على مواجهة الخصوم، ومن عجزه عن حشد القاعدة الموالية... بما يوازن أو يرهق حزب الله الذي يعمل في كنف التحالف السوري الإيراني... صرخ «الشيخ سعد» مذبوحاً من الألم، فلم يلقَ آذاناً صاغية لبحث معاناته، ولا يداً ممدودة لانتشاله من أزمات يغرق فيها بشكل يبعث على الحزن والشفقة. سعد الحريري يحاول، بعد يأس من مرجعيته السعودية، أن يقلِّغ شوكه بيديه... هذا هو سبب مبادراته المتلاحقة والانقلابية والمحرجة للقريب قبل البعيد، وللصديق قبل الخصم.
هنا وهناك، ومن الشام إلى الرياض: «ربّ ضارةٍ نافعة» أحياناً! لو سمحنا لأنفسنا ببعض الخيال، وبشيء من السوريالية، وبقليل من الواقعية، وبكثير من التفاؤل، لوقعت بين أيدينا خلطة من المستجدات والاحتمالات المهمة والنوعية والمفاجئة. من ذلك أن يحزم البعض أمره، ويستكشف، ويجرِّب، ويخاطر... باتخاذ موقف مستقل، نوعاً ما، وأن يصبح «شوره من راسو»!
بكلام آخر، ثمة فرصة واقعية، جدية وطارئة ومفاجئة (وحتماً غير معتادة)، لاختبار انتخاب «رئيس صنع في لبنان». طُرح هذا الشعار في مجرى الأزمة القائمة والمستفحلة والتي باتت تعبيراً عن إفلاس نظام وطبقة سياسية ونمط علاقات داخلي وخارجي... فئات تتطابق مواقفها، في هذه المرحلة، بشكل كامل مع سياسات وتوجهات مرجعيتها الخارجية، هي من اقترح، كحل للاستعصاء الرئاسي، تفاهماً داخلياً يؤدي، حصرياً، إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية! أما بالنسبة إلى سعد الحريري، فهو يعاني من مأزق في علاقته بالمملكة. وهو «يحوص» ويختبر، مكرهاً، نوعاً جديداً من السلوك والعلاقات والقرارات. ينبغي تشجيع ذلك بالتأكيد. فلو أن سعد الحريري تمكَّن من حل أزمته أو جزء منها، بمفرده وبمبادرة منه وبالتعاون مع آخرين، حتى من خصومه، لكانت الفائدة أهم والنتيجة أكثر تأثيراً في مجمل المعادلة التي استمرت تحكم العلاقات بين الأطراف الداخلية والخارجية، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم.
لا يهم هنا أكان المستفيد الجنرال ميشال عون أم سواه. الجنرال نفسه يملك من النرجسية ما يجعله يمارس، بالطبيعة، شيئاً من الاستقلالية. وهو مضطر الآن إلى أن يذهب أكثر في هذا الاتجاه، بعد أن أصبح دخوله إلى القصر الجمهوري مشروطاً بتنازلات وتوازنات لا تتفق، لا مع مزاجه الحاد، ولا مع الانخراط في التزامات صارمة لمصلحة الخارج أو لمصلحة أحد أطراف الداخل.
لا شك في أننا أمام ضرورة اختبار خلطة علاقات وتوجهات جديدة. الأمل أن لا تكون مجرد «خلطة» كسابقاتها، وأن لا تكون دخاناً لذر الرماد في العيون!
* كاتب وسياسي لبناني