لم تشهد أيّ قضية في العالم انقساماً مماثلاً لذاك الذي شهدته المسألة السورية، وهذا عائد إلى طبيعتها المفتقرة منذ البداية إلى عنصر الإجماع. وفي ظلّ هذا الافتقار، كان من الطبيعي أن ينقسم المشتغلون على هذه المسألة، ويتوزّعوا على أطراف الصراع المختلفة، تبعاً للانحياز الذي يعبّر عنه كلٌّ منهم. ولكن الأمر لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل أُضيف إليه فضلاً عن الانقسام العمودي، عدم قدرة التحليل السياسي على مواكبة التطوّر الذي يشهده الصراع، وهو ما جعل التحليل مرتبطاً بالموقف من الأزمة وأطرافها أكثر منه بالقدرة على تفكيكها والإمساك بتناقضاتها. قلّة قليلة هي التي استطاعت الجمع بين الموقف الذي يأخذ شكلاً عُصابياً في أحيانٍ كثيرة والقدرة على التحليل بموضوعية شديدة، ولو شابها الانحياز إلى طرف دون آخر. إلى هذه القلّة ينتمي الشهيد ناهض حتّر، الذي لم يمنع الخلاف الدائم معه في الشأن السوري متابعته باستمرار، لكونه يمثل طرفاً أساسياً في الصراع، وحين يكتب تكون كتابته تعبيراً عن هذا الطرف الذي هو السلطة في سوريا وحلفاؤها من إيران إلى روسيا مروراً بحزب الله. «التمثيل» بهذا المعنى هو جزء من الفاعلية السياسية التي كان يتمتع بها الراحل، والتي مكّنته من اتخاذ مواقف واضحة لا يكون مضطراً فيها إلى التبرير أو التسويغ.

التحالف الذي كان يقف ناهض في مواجهته هو الأكثر خطورة على المثقّف

الخلاف حول سوريا

منذ البداية كان ناهض منحازاً إلى ما يعتبره خيار الدولة التي اُضطرّت إلى الدفاع عن نفسها في مواجهة تمرّد مسلّح مدعوم من الولايات المتحدة ودول الخليج. ومع أنّ هذا التوصيف لا يتطابق مع بدايات الأزمة، إلا أنه في نظر الراحل كان كذلك، وبسببه دخل في نقاشات لا تنتهي مع زملاء ورفاق له كانوا يرون أنّ الصدام الحاصل هو تعبير عن أزمة نظام وليس «أزمة مجتمع» كما يظنّ هو. وحين تطوّرت الأحداث وبدا بالفعل أنّ الانقسام آخذ في التحوّل إلى نزاع مسلح بدأ المنظّرون «للثورة» بتغيير مواقفهم، ولكن ليس إلى الحدّ الذي يجعلها متطابقة مع مواقف ناهض، فمواقفه كانت مرتبطة عضوياً بوجود السلطة هنا، وهذا كان يصعّب حدوث تقاطع بينه وبين الذين وقفوا بعد التطوّر الذي حدث على مسافة من السلطة و«التمرّد» معاً. هذه المسافة بقيت قائمة إلى حين ظهور النصرة وداعش في المشهد، حيث اتضح للجميع، بمن فيهم المختلفون مع الرجل، أنّ هذه هي القيادة الفعلية للتمرّد المسلح، وأنَّ ما سبقها كان إيذاناً بالوصول إلى هذه الخاتمة. عند هذه النقطة بدا أنّ قراءته للمشهد كانت دقيقة بالفعل في توصيفها للخطر الوجودي على الدولة السورية، ومع ذلك، ظلَّ الخلاف معه قائماً حول السبيل الأفضل لتفادي هذا الخطر أو إنهائه. فبينما كان يصرّ حتى استشهاده على خيار الحسم العسكري المُقترِن بتسوية سياسية بشروط السلطة تحفظ وجود الدولة ولا يكون فيها وجود فعلي للمعارضة السياسية السلمية، كانت وجهة النظر الأخرى تقول بأولوية التسوية على الحسم، في ظلّ مسار لا تكون الغلبة فيه لأحد ولا يُستبعَد منه أيّ طرف ممثّل لهذه الشريحة أو تلك من السوريين، باستثناء الجماعات الإرهابية المرتبطة بالسعودية ودول الخليج. هذا لا ينفي قدرته الفائقة على قراءة المشهد، التي تبقى أفضل بكثير من سواها، ولكن القراءة حين تكون مقترنةً بموقف لا يضع التسوية الكاملة والعادلة كأولوية تصبح عبئاً على صاحبها، ولا تساعد فضلاً عن ذلك في الوصول إلى مخارج فعلية للأزمة التي هي أزمة نظام بقدر ما هي أزمة مجتمع. ومع التدخّل الدولي من روسيا وأميركا أُضيف إلى أزمتي النظام والمجتمع ارتباط المخارج الممكنة للحرب بإعادة صياغة النظام السياسي وفقاً للتوازنات الدولية، وهذا يعني افتقار الدولة التي كان ينشد ناهض الوصول إليها بمعيّة الحسم العسكري إلى الاستقلالية السياسية، وتحوُّلها إلى دولة تابعة لهذا المعسكر أو ذاك. هكذا، ينعزل التحليل عن الواقع الجيوسياسي ويتحوّل رغم استعماله أدوات الجغرافيا السياسية إلى مجرّد تسويغ لقوّة هي في النهاية مجرّد عنصر واحد ــ وإن كان فاعلاً جداً ــ من ضمن مجموعة عناصر تشكّل الأزمة السورية، وتُسهم من موقعها البنيوي في استمرارها.

الاستعداد لدفع الثمن

أهمية ما فعله ناهض بالإضافة إلى التحليل المقترِن بالموقف العضوي من الحلف الوهابي الذي تقوده السعودية وداعش وأقرانهما، هو أنه أعاد الاعتبار إلى قيمة الكتابة، ليس كانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، بل بوصفها فعلاً سياسياً وأيديولوجياً يندرج في سياق تاريخي. هذا السياق هو الإطار الذي تستطيع الكتابة من خلاله التحوّل إلى قوة مادية تؤثّر في الواقع، وفي بعض الأحيان تصبح هي القاطرة له عبر الربط بين التنظير والفعل السياسي، حتى لو اختلفنا معه من موقع «سياسي» ما. في النهاية، لم يدفع أحدٌ ممن اختلفوا مع الشهيد ناهض ثمناً لمواقفهم، سواءً من النظام أو من إيران أو من روسيا، بينما دفع هو ثمن موقفه الواضح من السعودية، وهذا يعني أنّ التحالف الذي كان يقف ناهض في مواجهته هو الأكثر خطورة على المثقّف في هذه اللحظة، ما يجعل بالضرورة من أيّ وقوفٍ معه وقوفاً مع القتلة الدواعش وتسويغاً لأفعالهم في مواجهة خصومهم السياسيين. صحيح أنّ عملية القتل حصلت في الأردن وفي سياق قد يبدو داخلياً، لكنها تعبّر بوضوح عن الميل المتعاظِم لدى هذا الحلف إلى تدفيع المختلفين معه أثماناً باهظة، والأرجح أنّ من يقف معه الآن إنما يفعل ذلك ليحفظ رأسه، وليتفادى الثمن الذي دفعه ناهض طواعيةً حين اختار الوقوف في المعسكر الآخر.
* كاتب سوري