لا تعبّر تصريحات المسؤولين الأميركيين حول سيطرة «داعش» على مدن جديدة في العراق خصوصاً، وسوريا معها او ضمنها، عن أي قلق أو حذر كما قالت جريدة «واشنطن بوست»، ولكنها تشرح التناقضات والتباينات التي تنفذّها السياسات الاميركية وتنتهي بالجرائم الكارثية التي تعرت في غزو واحتلال افغانستان والعراق. بل ان هذه التصريحات في النهاية تصب في خدمة «داعش»، او هي لسان حال مشترك تكشف ما بين الاثنين من مشتركات من جهة وتفضح المخططات الاميركية لمستقبل المنطقة عموماً من جهة ثانية.


اعترفت اغلب التصريحات الرسمية الاميركية، لاول مرة منذ اكثر من عقد من تدمير العراق والمنطقة، بخاصة من القيادات العسكرية او المتحدث باسم وزارة الحرب، البنتاغون، وكذلك من الرئيس باراك اوباما نفسه، بأن ما حصل في العراق أخيراً نكسة. وكعادتها سعت الادارة الاميركية، كممثلة للغطرسة والعولمة المتوحشة وخطط الهيمنة الاستعمارية، الى ان تبرر ما تقوله او تصرح به ايضاً. فتبرّع الناطق باسم البنتاغون ليبرر بما هو اقبح من الذنب، الذي مارسته ادارته في غزو العراق واحتلاله ومشاريعها في الاستمرار الى بعد منه.

التصريحات المتناقضة
تفضح دائماً مخططات الاميركيين وحلفائهم

قال المتحدث باسم وزارة الحرب، ستيفن وارن، (يوم الخميس ٢١/٥/٢٠١٥) إن القوات العراقية اعتقدت أنها بسبب العاصفة الرملية «لن تتمكن من الحصول على دعم جوي»، مضيفاً: «نحن نعتقد الآن أن هذا كان أحد العوامل التي ساهمت في قرارها» الانسحاب من هذه المدينة التي سيطر عليها تنظيم «داعش». وأشار وارن إلى أن تخوف القوات العراقية لم يكن في محله، وشدد على أن انسحاب القوات العراقية من الرمادي كان نتيجة «قرار أحادي» اتخذه هذا المسؤول بناء على تحليله الخاطئ، مضيفاً أن حالة الاتصالات التي كانت قائمة في تلك اللحظة بين القائد العراقي والتحالف «ليست واضحة» حتى الآن. فهل يمكن تصديق مثل هذه التبريرات الكوميدية؟ وهذه التناقضات المكشوفة في التصريحات والتي بني عليها ما حصل ولم يجر توضيحه او تقريره بشكل يضع النقاط على الحروف فيه وفي غيره وما سبق وما سيأتي.
ان ما يحاول ترقيعه هذا الناطق الرسمي يكشف النوايا المبيتة والمخططات التي قامت بها إدارته كما حصل في الموصل من اعداد مسبق وشراء ذمم وتمويه وتضليل وأساليب باتت معلومة في التحضيرات ومعرفتها وحتى التهيؤ للتمهيد لها. وفي فبركة الاخبار والتصريحات وبثها عبر الآلة الاعلامية المشاركة في الحرب العدوانية على العراق والمنطقة بمختلف اللغات، بما فيها، الأكثر تخادماً، الناطقة باللغة العربية، لتشويه الوقائع وتصويرها بحسب رغبات الادارة الاميركية ومشروعها الصهيو غربي في المنطقة، من جهة، وفي تحميل المسؤوليات على ابناء الشعب وقواته المسلحة، بكل اوضاعها ونواقصها المعروفة، التي هي أيضاً من صناعة قوات الاحتلال وخططه ومخططاته في العراق والمنطقة، من جهة أخرى.
وبغض النظر عن تبريرات العسكريين، زادها الرئيس الاميركي في مقابلة له ليصب عليها ما يفضح المخططات الامبريالية وخدامها اصحاب النفط والغاز ومدن الملح المتخادمين بكل ما لديهم لتدمير المنطقة وخرابها. جاء في تصريحات أوباما من ان بلاده لم تخسر الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية» بعد سقوط مدينة الرمادي، واصفاً سيطرة التنظيم على المدينة بأنه «انتكاسة تكتيكية». وأوضح في مقابلة مع مجلة «ذي أتلانتك» (الخميس 21/5) أن الرمادي كانت عرضة للخطر لفترة طويلة جداً «لأن قوات الأمن العراقية الموجودة هناك لم تكن تلك التي قمنا بتدريبها ودعمها».
وتأتي أقوال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الأميركي، لتؤكد ما سبق، وتتناغم مع باقي التصريحات والأقوال، بل وتضيف الى كارثيتها وكوميديتها ألواناً اخرى، او هي بعبارة اخرى تعزف على ذات الانغام الاستعمارية واستغلالها الكبير لثروات ومستقبل المنطقة. قال ديمبسي: «إن قوات الجيش العراقي التي كانت موجودة في مدينة الرمادي كبرى مدن محافظة الأنبار اختارت الانسحاب من المدينة ولم يجبرها على ذلك تنظيم داعش»، لافتاً إلى أن «السلطات العراقية والأميركية تجرى تحقيقاً لمعرفة ما حصل بالضبط في الرمادي». فهل حصل هذا هكذا؟ ولماذا؟ وما هو دور ديمبسي وإدارته في هذا المخطط؟ الاقوال والتصريحات الرسمية تثبت نكسة اميركا في الرمادي والعراق، وما يخطط ويعمل عليه بكل الطاقات والجهود...
ولكن تصريحات وزير الحرب الاميركي اشتون كارتر (الأحد ٢٤/٥/٢٠١٥)، في مقابلة تلفزيونية بعد سقوط مدينة الرمادي في العراق ومدينة تدمر في سوريا، تشير إلى وجود مشكلات أعمق في القوات العراقية والعلاقات بين الطرفين العسكريين، العراقي والاميركي. كما اكد الناطق باسم البيت الابيض، في تعارض مع سيد البيت، حيث اوضح جوش ارنست في رده على سؤال عن تصريحات وزير الحرب تلك بأنه «كانت هذه بالتأكيد مشكلة رايناها في الماضي».
قال كارتر إن ما حدث هو أن القوات العراقية لم تبد استعداداً للقتال، لا ارادة للقتال لديها. وأضاف أنه لم يكن هناك تفوق عليهم من حيث الأعداد بل إنهم فاقوا قوات الخصوم بدرجة كبيرة، وبرغم ذلك فشلوا في القتال. وكان المسؤولون الأميركيون يقولون منذ أشهر إن الضربات الجوية الأميركية تحد من قدرات مقاتلي «داعش» في العراق، وأن الجماعة الإرهابية تواجه ضغوطاً من القوات العراقية وخسرت حوالى 25% من الأرض التي استطاعت السيطرة عليها خلال العام الماضي.
بينما خفف نائب الرئيس الاميركي جو بايدن من تلك التصريحات، مشيداً في اتصال مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بتضحية وشجاعة القوات العراقية في مواجهة «داعش»، بحسب ما نُشر اعلامياً.
هذه التصريحات المتناقضة تفضح دائماً مخططات الاميركيين وحلفائهم، وما ستكون عليه المنطقة بعد كل تلك الاوضاع الخطيرة. وهي تعكس العمل الذي تقوده الادارة الاميركية لمستقبل المنطقة. فهي في الوقت الذي تعترف بوضوح بأن ما حصل هو انتكاسة لا تعترف بما ارتكبته اساساً من غزو واحتلال وتدمير ممنهج لمؤسسات الدول التي ابتليت بها والشعوب التي تعرضت لكوارثها. ولم تجب على اسئلة كثيرة، منها: من دّرب هذا الجيش ومن سلحه؟ ما هي اسلحته التي زود بها؟ ما هي المصداقية في الاتفاقية الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد؟ لماذا يتنصل العسكر الاميركي من دوره في كل ما حصل؟ من المسؤول عن التوجيهات والعمليات الاخرى، كقطع الاتصالات، والتضليل في الخطط والمعلومات؟ ما هو عمل المستشارين العسكريين؟ وما هي خطط التحالف الدولي ضد داعش؟ من هو صاحب الارادة والاستعداد الحقيقي للقتال وهزيمة «داعش»؟ واسئلة كثيرة اخرى.
بعد كل ما حصل، وفي الحقيقة والخلاصة، يتكشف بالوقائع العيانية حقيقة التواطؤ والتخريب والهيمنة الاستعمارية وادواتها المحلية التي تطلق عليها تسميات كثيرة، من بينها «داعش»، والآتي أخطر وأكبر.

* كاتب عراقي