للمرة الأولى منذ أن خلع نيكيتا خروتشوف حذاءه وضرب به الطاولة في قاعة الجمعية العمومية في الأمم المتحدة، تحدياً للولايات المتحدة وحماية لكوبا، يقف الكرملين اليوم مرة أخرى ليكرر هذه الموقف، إنما دفاعاً عن سوريا.

يقول الكرملين: "إذا شنت الولايات المتحدة ضربات لسوريا ودمشق أو للجيش السوري فسوف تحصل تغيرات تزلزل الشرق الأوسط". هذه المرة الأولى التي تصل فيها تصريحات الكرملين إلى هذا المستوى من التهديد والتحدي للولايات المتحدة في المعارك الدائرة على أرض سوريا، ولا شك أن لهذا التصريح معنى كبيراً، وأنه صيغ استناداً إلى حسابات دقيقة جداً، فالسلاح النووي ليس لعبة أطفال ولا تتصرف موسكو كالأطفال في الأمور كافة فكيف بالأمر النووي.
إذا تفحصنا هذا التصريح القصير جداً وتوقيته، يجب أن نلاحظ التالي:
أولاً، أنه صدر في أعقاب ضربات جوية أميركية دمرت معظم الجسور التي تربط دير الزور ببقية سوريا.
ثانياً، أنه يأتي بعدما سرب إلى صحيفة "نيويورك تايمز" شريط مسجل لحديث جون كيري مع وفد سوري يطلق عليه وفد من المعارضين، ويظهر بوضوح أن الولايات المتحدة تدعم الإرهاب وتؤيد توجيه الضربات العسكرية للجيش السوري.
ثالثاً، يأتي هذا التصريح بعد تهديدات أميركية ابتزازية لموسكو حول إلغاء الاتفاق الروسي ــ الأميركي حول سوريا الذي وقع قبل أسبوع. وسبق هذا التصريح الخطير أن اشتعلت معركة تصاريح بين الطرفين وأدت إلى الوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة.
مرة أخرى نقول، إذا تفحصنا هذا التصريح نجد أنه يحمل الرسالة التالية:
أولاً، موسكو تبلغ واشنطن أن سوريا هي حليف رسمي لروسيا، تربطها بها معاهدات دفاع مشترك، فأي اعتداء على سوريا هو اعتداء على روسيا، والعكس بالعكس.
ثانياً، يبلغ التصريح الروسي رسالة للبيت الأبيض مفادها بأن أي اعتداء عسكري أميركي على سوريا أو جيشها سوف يرد عليه بقوة، وأن الرد لن يكون محدوداً في دمشق أو سوريا بل "سيزلزل منطقة الشرق الأوسط". كان بإمكان الكرملين القول إن الرد سوف يزلزل الأرض في سوريا لكنه اختار لفظة الشرق الأوسط وليس سوريا.
ليس سراً أن الكرملين كان قد أرسل قبل صدور هذا التصريح بلحظات أسراباً من طائرات السوخوي 24 و25 إلى قاعدة حميميم الجوية، وليس سراً أيضاً أن نشير هنا إلى أن طبيعة الأسلحة والذخائر التي أوصلتها الولايات المتحدة إلى الإرهابيين في الفترة الأخيرة كانت متقدمة وأكثر فتكاً، مما حدا بموسكو إلى رفع مستوى التسليح الدفاعي للجيش العربي السوري. كذلك نستطيع القول إن الولايات المتحدة ردت أيضاً بقوة، فهي دمرت جسراً آخر يربط دير الزور ببقية سوريا، في محاولة لعزل منطقة الجزيرة عن بقية سوريا لاتخاذها قاعدة يتركز فيها الإرهابيون لشن عمليات ضد الجيش العربي السوري ولمنع أي احتمال لتلاقي الجيشين العراقي والسوري بعد تحرير الموصل.
إن الرد الأميركي كان يقول بوضوح إن واشنطن مستمرة في مخططاتها خاصة أنها لا تلتزم الاتفاقات التي وقعتها مع روسيا حول الحل في سوريا، وهذا يعني أن عملية التصادم قائمة رغم الفوضى العارمة التي تشهدها العاصمة واشنطن حول الموقف في سوريا.
يبرز هنا سؤال مهم في ذهن السياسيين أو في ذهن غير المسيسين: أين ستصل الصدامات الروسية ــ الأميركية؟ هل ستنتهي بالعودة إلى اتفاق على هدنة جديدة، أم ستستمر الأمور في التصعيد وتشتعل المعارك أكثر مما جرى في السابق؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال بمسؤولية وبعيداً عن الانشداد العاطفي.
أعلنت موسكو عبر هذا التصريح وعبر دعمها العملي للجيش العربي السوري وحلفاء الجيش العربي السوري أنها لن تتخلى عن دمشق مهما هددت الولايات المتحدة ومهما أرغت وأزبدت. هذا يعطيني سقفاً لإجابة لا يمكن الخروج منه أو اختراقه أو الوقوف فوقه. تحت هذا السقف قد تشتعل حروب وقد تفرض هدنة وقد تتغير مواقع وتفتح جبهات جديدة، لكن السقف هو أن روسيا مستفيدة من كل الدروس التي آلمتها في تجربتها بالاتفاق مع واشنطن، وهي لن تسمح بتهديد وحدة سوريا أو بضرب جيشها العربي.
حتى لو جنحت موسكو إلى اتفاق متواضع حول هدنة لمدة قصيرة، فإن ذلك لن يعني أن الكرملين سيغض الطرف عن أي محاولة للإرهابيين لتعزيز مواقعهم أو تثبيتها. من المهم أن نشير هنا إلى أن معلوماتنا الأكيدة تفيد بأن موسكو لن تسمح خلال هذه الفترات بتمرير أي سلاح أو ذخائر للإرهابيين، وستضرب مثل هذه القوافل إذا عرفت بها.
الموقف المتوقع، كما تشير نتائج التكتيكات الأميركية، هي نتائج خطيرة جداً، والولايات المتحدة تعيش الآن مرحلة صارت التعارضات بين أجهزتها فيها هو المظهر الرئيسي، ولم يسبق لإدارة أميركية على وشك مغادرة البيت الأبيض أن فتحت ملفاتها على الملأ لمناقشة سياستها الخارجية كما يجري الآن. ويجدر بنا أن نسجل ما وردنا من معلومات مؤكدة رغم عموميتها هي أن واشنطن تشهد اليوم صراعاً طاحناً بين مراكز القوى، وأنه للمرة الأولى منذ بداية المعارك على الأرض السورية يظهر أن هنالك خلافاً خطيراً بين وزير الدفاع اشتون كارتر، وبين مسؤولين أجهزة الأمن، حول الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأميركية في سوريا.
وضعت هذه الخلافات والتعارضات، البيت الأبيض والرئيس باراك أوباما في وضع صعب، فالذي يشاهد أوباما هذه الأيام لا شك أنه سيقول في البيت الأبيض ما قاله لي صديق اتصل بي من واشنطن ليبلغني أن "أوباما يبدو ضائعاً وغير قادر على اتخاذ القرار، فهو ضائع بين ضغط أجهزة الأمن مقابل آراء أخرى من الخارجية، لذلك احتمى أوباما بقوله إنه طلب من أجهزة الأمن أن تقدم له تقريراً حول الخيارات المفتوحة أمامنا في سوريا".
لكن يقول لي باحث رئيسي في "مركز أبحاث الشرق الأوسط في واشنطن"، إن الإدارة الأميركية لا تزال تتصرف ضمن وهم خطير: "الرئيس أوباما ووزراؤه ومسؤولو أجهزته الأمنية لم يستوعبوا بعد أن الولايات المتحدة الوحيدة لا تقرر وحدها مصير العالم... وقد يدفع هذا الوهم إلى مجازفة خطيرة في سوريا وعلينا ألا نستبعد ذلك".
في مثل هذه الحالات على المناضلين ألا يتركوا السؤال دون جواب بل عليهم أن يفترضوا الأسوأ. الاحتمال الضئيل لارتكاب الولايات المتحدة مغامرة عسكرية مجنونة هو الاحتمال الأرجح، وعلى هذا الأساس يتصرفون.
على القوى الثورية العربية التي تعتبر المعركة على أرض سوريا معركة الأمة العربية وتحديداً معركة فلسطين أن يعتبروا أن الاحتمال الضئيل بأن الولايات المتحدة سوف تنزلق عسكرياً نحو الحرب في سوريا هو الاحتمال المرجح. وهذا يقتضي أن تقوم غرفة العمليات للقوى الثورية العربية بوضع خطط هجومية للدفاع عن النفس.
العدو لا يرتبك إلا أن أتيته من حيث لا يتوقع. إذا كان الوهم الأميركي والإسرائيلي يتصور أنه قد وضع القوى الثورية في موقع الدفاع السلبي عن النفس فهو حتماً لا يتوقع منهم أن يشنوا هجوماً دفاعياً، وسيكون ذلك مفاجئاً لهم ولخططهم. المثال على ذلك أنه يجري الإعداد على قدم وساق لتفجير الوضع في جنوب سوريا وتحديداً من نواحي درعا حتى القنيطرة ومحاولة ربط ذلك بالسويداء. سيهرب إلى هذه المناطق 15 ــ 20 ألف مسلح اشترتهم أموال السعودية ودربتهم القوات البريطانية في مواقع على حدود درعا وسلحتهم الولايات المتحدة بأسلحة ذات قوة عالية وذلك بالتنسيق مع "جبهة النصرة" ورعاة "النصرة" في القنيطرة (إسرائيل). إنهم يحاولون فتح جبهة جديدة إلى جانب شرق حلب بالجنوب السوري وفي دير الزور.
علينا ألا ننتظر، يجب علينا أن نحول جنوب سوريا إلى جهنم ضد كل من يحاول التسلل إليها، وعلى الطيران أن يضرب كل قوافل التهريب التي يحاولون بالمناسبة استخدام سيارات تحمل شعارات إنسانية من أجلها. لكن دير الزور أيضاً يجب ألا تنتظر أن الولايات المتحدة تحاول بقصف الجسور تحويلها إلى منطقة خالية من الجيش السوري، وبذلك يمكن أن تحولها إلى قاعدة للإرهابيين. هنا أيضاً علينا ألا ننتظر، إذا دمروا جسراً على المقاتلين أن يتوجهوا سباحة إلى دير الزور عند اللزوم، ففي ظل الإنذار الروسي لن تتمكن الولايات المتحدة من ضرب الجيش السوري.
أما في ما يتعلق بالمعركة الرئيسية، فإن آخر ما يتوقعه العدو هو شن العمليات في وسط إسرائيل. كما قلنا: ينتصر من يفاجئ عدوه والهجوم خير دفاع عن النفس.
*كاتب سياسي فلسطيني