أخيراً، وصل الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب «القوات اللبنانية»، الى الرابية، مقر اقامة وعمل رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون. اسباب عديدة جعلت اللقاء ممكناً بعد ربع قرن، او اكثر، من العداء المستحكم الذي كانت مراحله الأولى دامية الى حدود المجازر والتدمير الذاتي و»الإلغاء» والاضرار بتوازنات ومعادلات كان بعضها يتخطى فريقاً الى الوطن بمجمله.

بين أبرز أسباب اللقاء وأكثرها إلحاحاً مسألة عجز كل من «المرشح القوي» و» مرشح البرنامج» عن توفير اكثرية توصله الى سدة رئاسة الجمهورية. العماد عون كان مبادراً باعتباره صاحب الفرصة الأخيرة والتمثيل الأول. كان بدأ محاولته الأولى مع الرئيس سعد الحريري. فشل تلك المحاولة جعله يتوجه من «بيت الوسط» إلى «معراب».

يتصل بذلك أيضاً ان الطرفين استشعرا تراجعاً في التأثير والوزن بسبب الانقسام في الشارع والتمثيل «المسيحي»، من جهة، وبسبب موقعهما الضعيف في نطاق الاستقطابين الكبيرين في الحياة السياسية اللبنانية، اللذين يقود احدهما ثنائي حركة امل وحزب الله، ويقود الثاني طرف ذو تمثيل راجح ودعم خارجي كبير هو تيار المستقبل.
دفعت «العماد» و»الحكيم» الى اللقاء أيضاً ضغوط رأس الكنيسة المارونية لحل مشكلة «الشغور» (وسط مزايدات واتهامات متبادلة حول حجم التمثيل ومدى انسجامه مع المصالح و»الثوابت المسيحية» الطائفية والسياسية )، ما أملى على الطرفين اختبار التعاون وفرصه الايجابية المحتملة بعد معاناة التباين ومردوده السلبي على الطرفين.
معروف أيضاً أن الطرفين قد واجها إحراجات في مواقفهما وتحالفاتهما بسبب التطورات الدراماتيكية التي تجتاح سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً.

لا علاج لحقوق الأفراد
والجماعات إلا من خلال
أنظمة المواطنة

وهي تطورات لا يستطيع الطرفان حيالها الكثير، ما كشف ضعفهما أكثر، بل تبعيتهما هنا وهناك، رغم المكابرة و»الكلام الكبير» الذي لا يسمن ولا يغني...
سبق الحوار، الذي بدأ منذ حوالى ثمانية اشهر أيضاً، ارتفاع منسوب المخاوف على الدور والوجود «المسيحيين» نتيجة الاحداث الدامية التي تجتاح البلدان المجاورة بسبب صعود وممارسات التيارات الارهابية التكفيرية في المنطقة عموماً وفي سوريا والعراق خصوصاً.
وليس بعيداً من هذه الأمور ايضاً ما يتبدى من مظاهر التفكك والانقسام والتشظي التي تتبلور هنا وهناك، والتي يعود معظمها إلى تخطيط خارجي، غربي خصوصاً، لاعادة السيطرة على مقدرات وثروات ومصائر شعوب المنطقة، بأساليب جديدة تنتهك امنها واستقرارها وسيادتها وشروط تقدمها جميعاً، كما تستهدف عمرانها وحضارتها ومقدساتها ووحدتها المجتمعية، عبر اغراقها في حروب أهلية دامية ومدمرة، وعبر إطلاق وتشجيع واستخدام وحش العصبيات والتطرف والتكفير إلى حدود غير مسبوقة.
وليس خارج المشهد والأسباب، أيضاً، ما هو «مرحّل» أو مستجد من مشاريع «الفدرلة» او حتى التقسيم، وضرورة التحسب لهذا الأمر، جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً، خصوصاً مع تعاظم موجة النزوح السوري (بعد الفلسطيني) الى حدود تجعله، عددياً وسياسياً، خارج كل سيطرة وامكانية احتواء.
الفدرالية ذات رنّة وتاريخ غير بعيدين بالنسبة إلى «القوات اللبنانية». وهي مسألة حاضرة الآن في سلة المشاريع والمخططات التي تستهدف العراق وسوريا ولبنان خصوصاً (الصيغ ومداها على صلة وثيقة أيضاً بحجم الدماء والدمار واليأس، وأساساً بتوازن القوى الدولي والإقليمي).
هي، اذاً، هواجس وحاجات متنوعة، محلية واقليمية، تلك التي دفعت بكل من الخصمين اللدودين الى تلمس اشكال جديدة للعلاقة بينهما، وللتعامل مع المخاطر والمستجدات، وبالطبع، أساساً، مع الاستحقاقات والتحالفات والتوازنات والحصص.
لا بد من القول، ابتداء، بأن كل حوار من شأنه تخفيف الاحتقان، هو امر مرحّب به خصوصاً في المرحلة الراهنة (ينطبق ذلك على حوار حزب الله والمستقبل). لكن ذلك لا يعفي من لفت النظر الى مخاطر عندما يتعلق الامر بتوجهات محددة من شأنها الإبقاء على المراوحة في دائرة الازمة او حتى تعميقها. لقد رفع فريق لبناني قبل عام 1975 شعار «المشاركة». كان ذلك بسبب نظام الامتيازات والأرجحية والاستئثار بالقرار من قبل فئة دون سواها، على أساس طائفي صريح وارتباطات خارجية ملزمة. نجم عن ذلك توتر سياسي واجتماعي أفسح بدوره أمام القوى الخارجية لاستخدام الوضع اللبناني في صراعاتها، ما انعكس بشكل دموي وخطير على البلد ووحدته وسيادته ومصالحه
الاساسية.
وجاء بعد ذلك زمن (الإدارة السورية للبلاد) اختل التوازن فيه ما ادى الى استبدال ارجحية وهيمنة بأرجحية وهيمنة معكوسة، ودائماً، في نطاق النظام الطائفي نفسه.
يرشح الآن من النصوص والمواقف والتوجهات، بعد وقبل «إعلان النوايا» بأن «الشراكة» المطلوبة إنما تتركز على معالجة الخلل الذي وقع منذ 25 سنة (بعد «الطائف») من دون ان تشير، من قريب او بعيد، الى الخلل الذي كان قائماً قبل ذلك: أي فعلياً إلى أصل الخلل الطائفي، ومن ثمّ المذهبي، الموطّن في صلب نظامنا السياسي بقوة المصالح الفئوية الداخلية (الممثلة بأطراف المحاصصة) والدعم الخارجي، واستمرار تقديم الانتماء الطائفي والمذهبي على الانتماء الوطني. فبعد الحديث عن «ضرورة التمسك بالمبادئ الواردة في مقدمة الدستور»، يجرى الانتقال سريعاُ الى «الاحكام المتعلقة بالمناصفة».
معروف ان مقدمة الدستور تشدّد على «المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل» ( فقرة ج) وعلى ان «الغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحيلة».
اما «المناصفة» فموقتة ومحصورة في اول مجلس نيابي منتخب كان ينبغي عليه «اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية».
ليس هو النص الاساسي في الدستور ما تطالب، اذا، بتطبيقه وثيقة «اعلان النوايا» بين «التيار» و»القوات»، وإنما البند المرحلي الموقت الذي تطالب بتحوليه دائماً، مسترسلة بذلك في تكريس مبدأ المحاصصة وموصدة الابواب، ليس فقط امام فرص التطور والتحديث، بل أيضاً امام معالجة، ولو على مراحل، لاختلالات استدعت مراراً حروباً أهلية بين اللبنانيين، ما حفّز، في اتفاق «الطائف»، على وضع صيغة للتخلص منها: «وفق خطة مرحلية»، كما جاء في النص الدستوري، استناداً إلى تلك الوثيقة.
تساؤلات عديدة تطرح نفسها هنا، وبقوة: لقد اختبر أطراف المحاصصة، القدماء والجدد، ما تميّزت به، بالتناوب، من هيمنة وإقصاء، لهذا الطرف أو ذاك، وما رافقها من إضعاف للوحدة الوطنية وتهديد للسيادة والاستقرر وتعطيل للمؤسسات وارتهان للخارج...
فلماذا الإمعان في الخطأ نفسه (أي في الفئوية)؟ وكيف يستقيم هذا التوجه مع شعارات بناء الدولة والاستقلاال؟ ثم كيف للمناصفة أن تستقيم وسط الاختلال الديموغرافي المتمادي؟ وكيف يمكن فرضها أو المحافظة عليها إلا من خلال الإكراه الداخلي أو الخارجي أو الاثنين معاً!
لا علاج لحقوق الأفراد والجماعات (الأقليات) إلا من خلال أنظمة المواطنة أي من خلال المساواة في الحقوق والواجبات، ومن خلال مؤسسات راسخة منبثقة عن آليات ديموقراطية حقيقية تضمن أيضاً حرية المعتقد بشكل حازم.
العبرة، قبل القناعة، كنز لا يفنى. لقد اتخذ العماد عون خطوات سياسية جريئة وكبيرة، أما الطائفية فتنتمي إلى نهج الانعزال لا الانفتاح.
أخيراً، معادلة «الملك الضليل» تبقى حاضرة، بين الاحتمالات رغم ابتعاد الزمان والمكان: «كلانا بها ذئب يحدث نفسه بصاحبه...»!
* كاتب وسياسي لبناني