لم تعد الضاحية كسابق عهدها. مع تقدم العمر، كبرت ونضجت وصارت أمّاً بكل ما للكلمة من معنى.

عرفنا الضاحية، في أواخر التسعينيات، صغيرة بقلب كبير، فكانت تشتمل على شارع الشهيد أحمد قصير حيث المجلس المركزي العاشورائي، وشارع الشهيد هادي نصرالله حيث كان حزب الله يقيم مراسم يوم القدس العالمي. وكان الوضع الأمني وأعداد الجماهير هما المحرك لاختيار مكان مراسم يوم العاشر من محرم، فاختلفت الأماكن والساحات من برج البراجنة إلى المعمورة وبئر العبد وغيرها.
بعد التحرير، وقبل حرب تموز، كانت مرحلة النضوج. فتعرّفنا الى ملعب الراية ومجمّع سيد الشهداء اللذين أصبحا من رموز عاشوراء واليوم العاشر، إضافة الى المسيرات في مناسبات كان يدعو حزب الله إلى إحيائها.
كبرت الضاحية، وفي المقابل كثر أعداؤها ومبغضوها. لكنها لم تكترث، فحبّها لأهلها أكبر من أن يعرقله حاقدون. كبرت وعمُرت، فلم يرُق هذا الجمال العدوَّ الذي صبّ جام حقده عليها في حرب تموز قصفاً وقتلاً وتدميراً. بكت شهداءها فعزّ على مقاوميها هذا البكاء وردّوا لها التحية بأحسن منها بأن جعلوها طرف معادلة في الحروب: الضاحية مقابل تل أبيب. وأصبحت اسماً يتداول به بين دول العالم الكبرى.
رغم الجراح، لملمت الضاحية أحزانها بدعوة أهلها الى اللقاء القريب، فكان العناق كبيراً جداً واحتاج الى مكانٍ أوسع وأكبر من الراية، فكانت باحة الانتصار على الموعد للقاء الأحبة، وكان عناق لا يوصف بين سيد مقاوم وعماد الانتصار وشاب مضحٍّ وفتى صامد وشيخ ممانع وأم صابرة.
مع ذلك، لم تكتف الضاحية بهذا الحب تجاه أبنائها، وأبت إلا أن تكون الحاضنة لجميع مجاهديها، فكانت روضة عمادها وذولفقارها، وروضة شهدائها من كل لبنان. وجُعِلت هذه الرياض مزاراً لكل الشرفاء من جميع بقاع العالم. ومع تعاظم الحب فيها، تعاظم أعداؤها الطامحون الى الانتقام من إبائها، فكانت الانفجارات الإرهابية في شوارعها، وهي صامده تذرف الدمع على شهدائها... ومع ذلك بقيت وصمدت ولم تنحنِ.
وها نحن في العاشر من محرم، نقف غير آبهين. فالضاحية كفيلة بنفسها، إذا لم يعد للراية وجود، فقلبها موجود.
نظرت الضاحية الى أهلها فوجدتهم، كعادتهم، متأهبين للقاء، وهي الجاهزة دوماً في أصعب الظروف، فردت ذراعيها وفتحت قلبها ونادت: هلمّوا إليّ تعالوا، فها هنا باحة عاشوراء (الجاموس) تنتظركم ليكون اللقاء، ككل عام، كبيراً وكبيراً جداً. فأنا الأم التي تهفو للقاء أبنائها. أبناء الجنوب وبعلبك والهرمل وكل لبنان... هم أنفسهم أبناء الضاحية.
محمود شرقاوي