بداية أعترف بأني شخصياً لا أعطي هذه الجائزة، جائزة نوبل على نحو عام، أي اهتمام، لكنني منفتح دوماً على أي نقاش بالخصوص لإقناعي بأهميتها وبأن موقفي غلط.

في الحقيقة، إني أعد أن من يكترث بهذه الجائزة، وغيرها، إما من المؤمنين بتفوق الإنسان الأبيض البشرة، وهو بالتالي يلهث خلف اعتراف بمقدراته وفق المعايير والمقاييس "الغربية"، أو من الجاهلين بالأهداف السياسية والإثنوغرافية لهذه الجوائز.
كلنا يعرف مدى تدخل وكالة الاستخبارات المركزية في مِنَح الجائزة حيث يقرأ المرء عن هذا في مختلف وسائل الإعلام والتضليل!
أساس موقفي هذا، من كافة الجوائز، أيّاً كان مصدرها ومجالها، تجاربي الشخصية العديدة في لجان تحكيم عربية، وما يقرأه المرء ويسمعه عن تجارب آخرين، والاستثناء يؤكد القاعدة.
نعود الآن إلى منح جائزة نوبل للسلام للرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، الذي ننظر إليه على أنه استطراد لسياسة منح هذه الجائزة لقتلة ومجرمين وخونة ومحاكم تفتيش العصور الحديثة، في مقدمتهم السفاح بيغن ورابين وشيمون بيريز وكيسنجر والسادات وأوباما، الذي طور أداة الاغتيال المسيرة في عهده على نحو غير مسبوق، والقائمة تطول.
الداعين إلى السلام لا يكترثون بأي جوائز "يتفضل" بها الرجل الأبيض على البشرية! المفاوض الفييتنامي "الشمالي" لي دك تو، رفض الجائزة التي منحت له تقاسماً مع هنري كيسنجر، المسؤول عن كثير من الجرائم بحق البشرية عندما كان مستشار الأمن القومي، ومن ثمة وزير خارجية الإدارة الأميركية، وقال: الجائزة الحقيقية تكمن في تحرر بلادي من الاحتلال الأميركي وتوحدها وعودة السلام إلى ربوعها.
بالعودة إلى سيرة الرئيس الكولومبي، نجد أنها لا تختلف كثيراً عن سير غيره ممن ذكرنا سابقاً.
معروف أن الانتفاضة الفلاحية في كولومبيا المشهورة باسمها المختصر "فارك" انطلقت في عام 1964 احتجاجاً على عمليات مصادرة أراضي الفلاحين وطردهم من قراهم، حيث وصل عددهم إلى نحو ستة ملايين شخص، غالبيتهم من المعدمين، ثّم أُعيد توطينهم بعيداً من أوطانهم أو في أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة وغيرها.
سانتوس صار رئيساً لكولومبيا في عام 2010، بعدما خدم بين عامي 2006 و2009 وزيراً للدفاع في حكومة الرئيس الأسبق أُرايب.
في تلك المرحلة، كان وزير الدفاع ورئيسه مسؤولَيْن عن حملة رعب وإرهاب طاولت البلاد، وذهب ضحيتها آلاف الضحايا، وفي مقدمتهم رؤساء النقابات العمالية والفلاحية والصحفيون والعاملون في منظمات حقوق الإنسان وغيرهم من المعارضين، علماً بأن نظام الرئيس أُرايب كان لصيقاً بواشنطن وخادماً لها ولسياساتها العدوانية، وهذا كله وفق مبعوثي الأمم المتحدة نفسها.
على سبيل المثال، مارغرِت سكاغيا، التي كانت مبعوثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نعتت نظام أُرايب/ سانتوس بأنه قاع مجارٍ (sinkhole) للرقابة غير القانونية والاعتقال التعسفي والاضطهاد والاغتيالات وكل أشكال القمع بحق كل معارض لهذا النظام المتوحش.
إن لجنة نوبل بمنحها سانتوس جائزة نوبل للسلام هي في حقيقتها متناغمة مع سياساتها الطويلة القائمة على منح الجائزة لقتلة ومجرمين وغيرهم من مستحقي مختلف النعوت، وهو ما يؤكد موقفنا من الجائزة ومن مانحيها من اللاهثين وراءها، ومن قبلهم من الفائزين بها. فكلهم رابين وبيغن وسادات! فمن يقبل أن يوضع اسمه في قائمة واحدة مع أشخاص كهؤلاء، فإنه يعترف بالتالي بأنه يتماهى معهم ولا يختلف عنهم، وعليه بالتالي تحمّل مسؤولية قراره.