على مدى 92 سنة، ظلّ الحزب الشيوعي اللبناني حاضراً في الحياة السياسية في لبنان، متقدماً أحياناً ومتراجعاً أحياناً أخرى. إلا أن من يقرأ تاريخ الحزب السياسي والنضالي يجد أن هذا الحزب حمل مشروعاً سياسياً منذ تأسيسه وعمل في كل مرحلة على صياغة شعارات تتناسب وتحقيق هذا المشروع. وكل الشعارات كانت تدور في فلك شعارين أساسيين ومكملين، الأول هو «ربط التحرير بالتغيير» والثاني هو«وطن حر وشعب سعيد».

بهذين الشعارين خاض الحزب معركة التحرر من الاستعمار، ومن ثم معركة بناء الدولة المنحازة للطبقات الفقيرة، ودفع في هذه المعركة العديد من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وكان في مقدمتهم أمينه العام الأول الشهيد فرج الله الحلو.
في المؤتمر الثاني للحزب سنة 1968 وبعد ثورة 1958 ونضالات الستينيات، وكذلك بعد هزيمة العرب في حرب 1967، تم تكريس شعار «التحرير والتغيير» كخط سياسي أساسي للحزب، قام منظرو الحزب يومها وفي مقدمتهم الشهيد مهدي عامل، بتأكيد صحة هذا الشعار على المستوى النظري وتكفل مناضلو الحزب بتأكيد صحته على المستوى العملي.
لذا، فإن الحزب خاض معظم معاركه السياسية والعسكرية والمطلبية بناء على هذا الشعار. وهذا ما منح الحزب خطاً سياسياً مستقلاً عن الكثير من التجاذبات والارتباطات التي يتسم بها العمل السياسي في لبنان، لا بل يمتاز بها كل جوانب النشاط الاجتماعي والسياسي والإعلامي في هذا البلد. وهذا الربط بين التغيير والتحرير منح الحزب أيضاً موقفاً متمايزاً عن موقف الحزب الشيوعي السوفياتي في ستينيات القرن الماضي، ومنح الحزب قدرة على المبادرة في كل محطة، وخصوصاً في المواجهة مع العدو الإسرائيلي إبان الاجتياح في أيلول من عام 1982.
إلا أن بعض الذين كتبوا عن تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني يحاولون النظر في هذا التاريخ بعيداً عن هذا الخط النضالي المتمسك بهذا الخط السياسي، وهذه النظرة هي تعبير عن إيديولوجيا محددة تحاول الدفاع عن خط سياسي يمثلها وهو خط نقيض لخط الحزب ومدافع عن تأبيد النظام المتخلف في لبنان، لا بل دفاعاً عن كل تخلف ورجعية في العالم العربي انتصاراً للمشروع الأميركي في المنطقة.
فنجد مثلاً أحد/ى الكتاب يهاجم بشراسة كل من يرفض ترشح سمير جعجع للرئاسة بسبب تاريخه الإجرامي، ويتهم هؤلاء الرافضين بأنهم مفلسون سياسياً لأنهم نبشوا هذا التاريخ الأسود لجعجع، إلا أننا نقرأ للكاتب/ة نفسه/ها مقالاً يهاجم الحزب الشيوعي بسبب موقفه من المقاومة، نابشاً من أجل ذلك أوراق الحرب السوداء. هذا الكاتب الذي يعاني من ذاكرة متخشبة تزور التاريخ وتحجره في المكان والزمان الذي يدافع عن خطه السياسي الحالي. لذا، فإن التعامل مع ما يكتبه هؤلاء لا يمكن النظر إليه إلا كهجوم على الموقع السياسي للحزب الشيوعي اللبناني، الذي واجه الكثير من الحملات المشابهة وخصوصاً من قبل الإعلام الممول سعودياً وقطرياً، بهدف جر الحزب كي يأخذ موقفاً مغايراً لموقفه السياسي الساعي إلى التغيير والتحرير.
هذه المحاولات اليائسة تأتي دائماً في مرحلة نهوض الحزب، وتحاول التقليل من أهمية هذا النهوض أو صرف النظر عنه، مستعيدةً "لغة خشبية" ملّ الشعب اللبناني منها وأصبحت تعبر عن الإفلاس السياسي الذي يعانيه أصحابها. وبما أننا نتعامل مع أشخاص لديهم ذاكرة خشبية، فإن تنشيط ذاكرتهم يصبح من الأمور المستحيلة، خصوصاً أنهم يصبحون تدريجياً فاقدين الذاكرة، إلا تلك المعلومات التي يزودهم بها مشغلوهم، لدرجة أنهم أصبحوا يتكلمون ويكتبون معتقدين أن كل الناس فاقدٌ للذاكرة مثلهم. فيحاولون إيهامنا أنهم مع الشعوب والثورات وضد الأنظمة القمعية والتوريث السياسي، وهم نفسهم قاموا عبر صفحاتهم «المستقلة» إلا عن ممالك القمع والتخلّف الخليجية، بمدح الملوك في افتتاحياتهم وتمجيدهم والتأكيد على أهمية توريثهم للحكم وتمويلهم للفاشيين الجدد وقمعهم لشعوبهم.

رفض الإعلام السعودي والقطري خط الحزب هو دليل صحة هذا الخط

وبما أننا نتوجه إلى عامة القراء، لا بد من مراجعة سريعة لتاريخ الاغتيالات التي تعرض لها الحزب الشيوعي. فمن المعروف أن الحزب تعرض لمئات عمليات الاغتيال طالت قادته ومثقفيه ومناضليه في كل الميادين. إلا أن العاملين في الإعلام القطري والسعودي يركزون على عمليات الاغتيال التي قامت بها جهة محددة في سنة 1987، محاولين عزل هذه الاغتيالات عن أهدافها السياسية، وبالتالي تستخدم هذه الأحداث المشؤومة بهدف الهجوم على الحزب مطالبين إياه باتخاذ موقف ثأري، موهمين الجميع بأنهم حريصون على تاريخ الحزب، إلا أنهم في الحقيقة حريصون على مشاريع مشغليهم، وفي بعض الأحيان يظهرون موقفهم الحقيقي من هذا التاريخ عبر التشكيك في دور المقاومين الشيوعيين ودور حزبهم.
إن الاغتيالات التي تعرض لها الحزب هي عملياً محاولة لاغتيال خطه السياسي بالدرجة الأولى، وهي تنقسم إلى قسمين، تكفل بهما أطراف عديدة في لبنان، فبعضهم من اغتال كوادر الحزب لضرب الشق الأول من خطه السياسي أي التحرير، والبعض الآخر اغتال أدوات الحزب في العمل الجماهيري وخصوصاً النقابات لضرب الشق الثاني من خط الحزب السياسي أي التغيير. وهذا الجانب من الاغتيال خطط له الراحل رفيق الحريري ومعاونوه، وتم تنفيذه بإشرافهم وبالتنسيق مع حلفائهم أو أسيادهم في النظام الأمني السوري اللبناني الذي كان يحكم لبنان يومها.
وبالنظر أكثر في هذين الجانبين، نجد أن كوادر الحزب وقيادييه تعرضوا للاغتيال بكل المراحل التي مر بها لبنان، وخصوصاً في الحرب الأهلية، فلم يبقَ حزب في لبنان إلا واغتال عناصر من الحزب الشيوعي. ألم تقم الكتائب اللبنانية باغتيال كوادرنا وكذلك القوات وغيرهما من الأحزاب المنضوية في التحالف اليميني نفسه خلال الحرب اللبنانية في مناطق كسروان وجبيل وانطلياس وإقليم الخروب والجبل؟ ألم تقم حركة أمل باغتيال كوادرنا في الجنوب والضاحية؟ ألم يقم حزب التوحيد و"دواعش" ذلك العصر باغتيال كوادرنا في طرابلس والمنية وعكار؟ ألم تقم إسرائيل باغتيال كوادرنا في الرميلة وبيروت والجنوب والبقاع وفي كل منطقة وجد فيها مقاوم؟ بلى، كل هؤلاء اغتالوا للحزب الشيوعي اللبناني خيرة قادته وكوادره، وكذلك فعل حزب الله. إلا أن التركيز على حزب الله اليوم هو خدمة للهدف الذي من أجله اغتيل هؤلاء القادة والكوادر. فما لم ينجح فعل الاغتيال في تحقيقه يحاول هؤلاء العاملون في الإعلام تحقيقه. أي وببساطة، الاغتيال حصل كي يتخلى الحزب الشيوعي عن موقعه المقاوم وعن خطه السياسي المقاوم. نجح الاغتيال الجسدي أما الاغتيال السياسي فلم ينجح، لأن الحزب صمد ودافع عن موقفه السياسي، لذا فإن مطالبة الحزب بأخذ موقف ثأري هو ليس إلا محاولة يائسة لاغتيال الحزب سياسياً عبر ضرب خطه السياسي وتغيير موقفه من المقاومة كنهج، وبالتالي إن هجوم هؤلاء على الحزب هو هجوم على خطه السياسي التاريخي الذي من أجل الدفاع عنه سقط كل هؤلاء الشهداء، وهذا الهجوم هو استكمال لفعل الاغتيال وليس حرصاً أو نقداً لتاريخ الحزب وأدائه السياسي.
إلا أن الحزب لم يتخلَّ يوماً عن موقعه كحزب مقاوم، وذلك تنفيذاً لخطه السياسي، فبالرغم من السياسات الإقصائية وتدمير النقابات وتكريس نظام التوريث السياسي عبر قانون الانتخاب، لم يترك الحزب هذه الساحة، لا بل صنع مع كل الوطنيين محطات مشرقة هزت أركان النظام اللبناني وكانت نموذجاً في العمل النقابي والاجتماعي (الحراكات الشعبية، هيئة التنسيق النقابية...). وكان الحزب حاضراً في الميدان المقاوم ضمن إطار إمكاناته التي كانت حتى الأمس القريب محدودة، إلا أن قرار المؤتمر الحادي عشر بإعطاء ملف المقاومة داخل الحزب اهتماماً أكبر على كل المستويات، سيكون له في حال تنفيذ القرار بالشكل المطلوب نتائج مهمة على هذا الصعيد. فنعم الحزب لم يتوقف يوماً عن تحضير نفسه لمواجهة أي اعتداء صهيوني، وضاعف هذه الجهود بعض تعرض العديد من المناطق اللبنانية في البقاع للاعتداء من قبل فاشيي العصر. وبعد هذا القرار المؤتمري ستتضاعف هذه الجهود أكثر وأكثر، هكذا نكون تصدينا لفعل الاغتيال، وهكذا نكون أمناء لدماء الشهداء، وهذا طبعاً لن يعجب الإعلام القطري والسعودي... لكن رفض هؤلاء لخط الحزب هو دليل صحة هذا الخط.
هذه هي ذاكرة الحزب الحية، ذاكرة تحفظ الانتصارات لنفخر بها، وتدرس الإخفاقات لنتعلم منها، وتحفظ جيداً مقولة مهدي عامل التي بتطبيقها يُقتل القاتل ويُخلد الشهيد: «لست مهزوماً ما دمت تقاوم». وهذا ما يفعله الحزب، يقتل القاتل وينتصر للشهيد بالحفاظ على خطه المقاوم التغييري للوصول إلى وطن حر وشعب سعيد.

*باحث لبناني