يجب أن يسجل التاريخ أن قوانين السلطة وأحكامها الغريبة القاسية قد ساخت في بلاد العرب، فوضعتهم بين خيارين أولهما رؤية الوصول للسلطة وكراسي الحكم بمعية سنابك المحتلين وقوافلهم وترديد شعارات الثورات الرائجة كالثقافة الواردة مع قيم العولمة ووجبات الهمبرغر والكنتاكي، وثانيهما الركون للاستقرار الذي عاشوه تحت هيبة وسلطة وقسوة دولهم العميقة وانضباط وخوف الناس من طغيان الأنظمة القمعية في أماكن مختلفة من العالم العربي.

ويجب الاعتراف بدايةً أن الخيار المثالي، لتوفر نخب سياسية واعية تستشرف المستقبل، بعد أن تعرف قوانين التحول من واقعها البائس إلى دول المواطنة لم يكن متوفراً دائماً في طول الوطن العربي وعرضه، وخضع ذلك لأسباب وظروف موضوعية مختلقة أحياناً وقاهرة أحياناً أخرى، فبات على مواطني الوطن العربي أن يختاروا بين شخصيات أبوية ذات سلطات مطلقة مديدة، ممتدة بالعمق والفعالية والانتشار، وبين حكام يبدون كمندوبي مبيعات ومروجي سياسات العولمة الجديدة وكموظفين مؤقتين للشركات متعددة الجنسيات، تأتي بهم الدول الغربية من خارج الحدود بنفوذها القاسي منه أو الطري.
تستحضر هذه الأيام بعض الصحف النفطية ووسائل الإعلام في محميات دول الخليج الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وتبدأ برشّ الحنين على طبق استحضاره، في ذكرى الاحتلال الأميركي وسطوها العدواني المسلح على العراق، العدوان الذي أدى إلى تقويض مؤسسات الدولة العراقية كلها، ولا سيما حل جيشها الوطني الشامل والجامع وما استتبع ذلك من أحداث وانقسامات وفوضى.
صدام حسين كان زعامة عربية صنعتها أميركا، وجعلت منه صداً وجداراً في وجه الثورة الإسلامية في إيران، وزودته بالأسلحة والدعم النفطي، وخاض ضد إيران حرباً طويلةً قاسية عبثية استهلكت مقدرات الأمة العربية والإسلامية لسنوات طويلة، قبل أن تورطه أميركا ذاتها في دخول الكويت وتبيعه من جديد في مزاد جمعت له كلَّ حلفائها، وكل من يشتري ويبيع، لتقوم فيما بعد بنسف كل البنى الأساسية للشعب العراقي والمعدات والثروة العراقية، وطبقت حصاراً ظالماً راح ضحيته مئات الألوف. نعرف من دفع ثمن كل تلك الحروب والحصارات، وهم دول النفط من مداخيل وعوائد النفط والغاز العربي. لقد كانت تلك مرحلة فاصلة دقيقة في تاريخ شعب المنطقة، حيث وقع العالم العربي أمام خيارات صعبة وجب فيها الانخراط في تحالفات شيطانية (!) لمقاصد طيبة وهي تحرير الكويت ولجم جنون صدام في مغامراته المنفلتة.
إن استحضار صدام يأتي من الجهات نفسها التي بذلت كل ما بوسعها لإسقاطه ــ هنا يجب الاطلاع على وثائق بوب ووردوود ودور بندر وبوش في الحرب على العراق ــ وهي الجهات نفسها التي تدفع لإسقاط أنظمة تسوس دولها خارج القفص الأميركي.
ويبقى سؤال آخر يزنّ في رأسي: كيف أقنعت قطر جموع المشاهدين العرب، أنها ضد الاحتلال الأميركي للعراق طوال عقد من الزمن؟! ومن قواعد الاحتلال الاميركي فيها كانت تنقل المؤتمرات الصحافية للمتحدث باسم القوات المحتلة، ومنها كانت تنطلق الطائرات الأميركية لدك أهلنا في العراق، لندرك بعد حين أن فكرنا العربي الجديد متين ومنسجم ومتوافق ومتلائم كما هي سياسة دولة قطر تماماً، تنادي بمعاداة أميركا وإسرائيل، وهي تستند في حمايتها إلى الرضا الأميركي والعلاقات المميزة مع دولة الكيان الصهيوني... وللأسف ما زال لها الكثير من المعجبين والمصفقين لسياساتها الغريبة المشبوهة في المنطقة من منتسبي الإسلام السياسي وليبراليي الثقافة النفطية.
اليوم تجري معركة خاسرة أخرى في العراق، من دون دبكات وتطبيل أو تزمير، ومن دون حقد أو كره وإنما ضناً بالدم العربي، سأقول لكم: عزّة الدوري وبقايا البعث في العراق يقوم هذه الأيام بما لم يقم به صدام ذاته في أيام عزه و جبروته، وإذا كان صدام قد وقف ضد التحالف الدولي الثلاثيني الذي اعتدى على العراق على دفعتين بينهما حصار طويل، وأدى ذلك كله إلى الكوارث التي نراها أمامنا حتى اليوم، فإن «المجاهد» الغازي عزة الدوري يخرج من مخبئه العميق ويغامر بدماء جزء واسع من سنة العراق في محرقةٍ، لن تجد أحداً يساعد في إطفائها، وها هو يستعدي العالم كله ويتحالف مع الإرهاب المنبوذ من العالم بأسره، حتى أولئك الداعمين المخفيين له من مثل تركيا والسعودية وقطر لن تجرؤ أن تجاهر باعتراضها على «المعركة ضد الإرهاب» التي ستجري وستؤدي لإبادة وسفك الدماء العربية في الموصل وتكريت وصلاح الدين في حرب عبثية خاسرة تشبه الحرب في سوريا، فهل سيترك الدم العربي العراقي والسوري بيد الجهلة والحمقى والمتطرفين، وسيستخدم من جديد في ألعاب الدول الكبرى لتقاسم المصالح وترسيم الحدود وتقسيم الجغرافيا، حروب عبثية بلا أفق سيدفع ثمنها البسطاء والفقراء وتدخل عائداتها في جيوب الطائفيين الجبناء. ندعو إلى تجنيب العراق هذه الكأس «الطائفية المذهبية» المُرّة، وعودة منطق العراق العربي الواحد الموحد في ظل حوار لا يقصي أحداً فهل هناك من عقال، وهل هناك من متعظين؟
إن الإيغال المبالغ فيه في كشف العلاقات الخفية بين إيران وأميركا والتخويف منها، لا يلغي وقاحة العلاقات المحرمة الظاهرة بين الدول النفطية وأميركا في إسقاط الأنظمة العربية. وهل كان مطلوباً من إيران أن تدافع عن العراق ضد أميركا التي جاءت لتخلصه من عدو مرير، خاض ضده معارك قاسية لمدة ثمان سنوات! هل علينا أن نلوم العلاقات الخفية التآمرية بين إيران وأميركا، ونلوم التخاذل الإيراني في الدفاع عن العراق؟ أم يجب أن نلوم الدول العربية التي كسرت ظهر العراق وعملت على تفتيته طائفياً، واكتشفت أنها عبر سياساتها المراهقة والحاقدة سلمت العراق لإيران، وراحت تلقي التبعات والاتهامات على الدولة السورية، الجهة الوحيدة التي وقفت ضد السطو المسلح الأميركي على العراق ودعمت منفردةً مقاومة احتلاله.

استحضار زمن طغاة لمحاربة طغاة آخرين يأتي كفعل ندامة

كم نحن أمه مثقوبة الضمير والذاكرة. ما أعرفه تماماً وبالوثائق المؤكدة والحقائق الدامغة أننا بائسون جداً نعيش في زمن بائس، لأننا مضطرون أن نستمع إلى محاضرات من كائنات متعضّية فاسدة، رجالاً ونساء، كائنات سياسية لم تغادر الحضن الأميركي ولعقت أحذيته ليكلفها بمزايدة جرائم «الربيع العربي» وثورات التخريب والقتل والتهجير والتشريد، ودفعت لأجل ذلك أغلى الأثمان من عوائد النفط العربي والغاز المسال.
يخطر في بالي سيل لا يتوقف من الأوصاف والشتائم القبيحة تعافه نفسي وأخلاقي وتربيتي مما سمعته في هجاء ولعن هذه العائلات السياسية الفاسدة التي تعمل في جسد الأمة قتلاً وتخريباً وتهجيراً، ثم تتباكى علينا، وتعطينا محاضرات إجبارية بالتعاطف والتضامن والمواساة والمؤازرة في منابر قذرة احتلتها بقوة النفط والغاز المسال و(القوة) من مشغليها وحماتها الفرنجة القدامى. ترى ماذا يمكن أن يقال في تقرير عربي موضوعي تحقيقي عن تورط الدول العربية في احتلال وتخريب العراق مماثل لتقرير «شايلكوت» البريطاني الذي أثبت بالأدلة الدامغة والبراهين الخطايا البريطانية في احتلال العراق؟!
إن استحضار زمن طغاة لمحاربة طغاة آخرين، يأتي من قبل بعض الأنظمة النفطية كفعل ندامة وبكاء على اللبن المسكوب في عز أشهر الحرّ وعلى أرضها الرملية الجرداء القاحلة. كل ذلك لن ينفع ولن يجدي فتيلاً...
المؤكد أننا نعيش حالياً أجواء الفيلم السابق نفسه، وظروفه التاريخية ذاتها في الشرق الأوسط: دولة عربية نفطية منتجة تشعر بفائض قوة وفائض فراغ في أدمغة حكامها، فتخوض حروب استنزاف طويلة (مطلوبة غربياً) على جيرانها، ويصادف الحظ الغربي أن يصبح البترول أرخص من الماء وينتهي الفيلم دائماً بنهايات مأساوية. وأنها «كانت ساعة شيطان» وحرائق وقتل وتهجير وتفتيت بلدان ومشانق، مع العلم أنه في فيلم نسخة 1980 وصل سعر برميل النفط 7 دولارات فقط.
تعتبر فلسفة التغيير وزوال الأنظمة من سنن الكون المتفق عليها شرعاً ومنطقاً، ولكن التغيير الشامل في أساس المجتمع يجب إدراك أنه عندما لا تتوفر شروطه وظروفه الموضوعية، يجب عدم لوم الناس في خياراتها، إن هي انحازت إلى استقرار وأمان عرفته، عوضاً من الدخول في سنوات طويلة من المغامرات البائسة للوصول إلى كراسي السلطة والحكم. ولا يحدث التغيير من دون أن تتوفر هذه الظروف والشروط عبر امتدادها في أوسع القطعات الشعبية المستهدفة ويجب أن تصل لوجدان الشعب وضميره وتعبر عن أهدافه وأحلامه.
إن الانتهازية المرحلية والاعتماد المكيافيلي على أساليب وطرق تُناقض الموروث الأخلاقي والقيمي والديني للشعوب لن تنجح في ديمومة الحكم واستقرار السلطة. إن الاستناد إلى الدعم الغربي والأميركي في الوصول إلى السلطة لن ينجح طويلاً مهما رافقته الأكاذيب والأضاليل الإعلامية، هل نحتاج لعرض الأمثلة؟!
سيبقى موقفنا واضحاً ضد كل من يتعامل مع أميركا من دون النظر إلى مرجعيته الدينية أو المذهبية أو العرقية طالما بقيت أميركا على سياساتها التاريخية المعادية المعتادة، وكما رفضنا التوقيت الغربي والحشد الغربي الأميركي للثورات الملونة في عالمنا العربي ورفضنا ما دُعي «الربيع العربي» ورجمناه مع كثيرين حتى نفقت جثته، فإننا من الذين لا يستوردون ثوراتنا من الغرب، ويشككون في مصطلحاته الواردة ولا يأخذون مسلماته إلا بعد التمحيص والفحص الدقيق، فلا يكفي أن تطلق العولمة على قائد أو حاكم من شرقنا صفة «طاغية» حتى تنساق كل أدواتها وتبعها في المنطقة لتسير في ركبها المطبل.

*كاتب سوري