مع بدء تنفيذ الصفحة العملياتية الأولى لتطهير مدينة الموصل مركز محافظة نينوى العراقي من وجود تنظيم الدولة «داعش» وسيطرته، تسارعت التطورات على صعيد العلاقات العراقية والتركية من جهة، والعراقية الإيرانية من أخرى.

فبعد ردود الأفعال الحادة التي أثارتها التصريحات الفظة وغير المسبوقة للرئيس التركي والتي استهدف فيها شخص رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وبعد التهديدات اللاحقة التي أطلقها أردوغان بأن حكومته قد تلجأ إلى خطط بديلة أخرى إذا رفض التحالف «الأميركي» إشراكه في عمليات تطهير الموصل ودخولها، بعد هذه التطورات وما أثارته على جبهة العلاقات العراقية التركية، دخل العامل الإيراني بدوره في الميدان، ولكن بنحو غير مباشر، بل على ألسنة بعض حلفاء إيران في جماعات «عراقية» مسلحة تصنف نفسها ضمن قوات الحشد الشعبي، وأثّر تأثيراً سلبياً وقاسياً، وقد ينبئ بتداعيات سياسية واجتماعية ونفسية على مستوى الشارع.
من الأمثلة على التدخل الإيراني غير المباشر، سنكتفي بمثالين:
ــ الأول، هو تسجيل الفيديو الخطير لفقرة من خطاب قيس الخزعلي، زعيم «عصائب أهل الحق»، القريب من إيران، الذي بثته مراراً وتكراراً قناة «الجزيرة» القطرية، وبلغ عدد مشاهديه على موقعها حتى يوم (15 تشرين الأول/ أكتوبر) قرابة سبعمئة ألف شخص، هو كلام خطير ومدان ومدمر لأي جهد وطني عراقي توحيدي في مواجهة تنظيم الدولة «داعش». الخزعلي قال حرفياً: «إن معركة الموصل ستكون تمهيداً لقيام دولة العدل الإلهي، وإن شاء الله ستكون ثأراً وانتقاماً من قتلة الحسين «ع»، لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد».
متابعون كثر قالوا إن المتحدث يقصد بكلامه هذا أنصار تنظيم «داعش» ومقاتليه، ولا يقصد أهل الموصل، وهذا التفسير وارد ومرجّح ضمن سياق كلامه، ولكن: هل توقيته مناسب؟ وهل يستدعي الأمر أن يكرر الخزعلي مضمون كلامه هذا في ثلاث مداخلات أمام الرأي العام بخلال ثلاثة أيام في ثلاثة أماكن مختلفة جنوبيّ العراق؟ أليس من السهل على من يوصفون عادة بـ«المتصيدين بالماء العكر» كالجزيرة وغيرها سلخ هذه الجملة أو تلك عن سياقها ومقصودها لتعمّم وتشمل آخرين، حتى لو لم يكن هذا هو مقصود قائلها؟
وعلى افتراض صحة هذا التفسير، أليس من حقنا أن نتساءل عن صحة العلاقة الفكرية والمضمونية والتاريخية بين تنظيم إجرامي تكفيري مستحدث ومشبوه كداعش وبين دولة يزيد بن معاوية قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب «ع» قبل أربعة عشر قرناً؟ ولماذا يريد الخزعلي وأمثاله أن يفرض هذا التفسير السلفي على العراقيين ليحكم ويفسّر ــ من ثمَّ ــ الحاضر العراقي المعقَّد والصعب، رغم الخلاف والاختلاف التاريخي والديني والسياسي بين الطرفين اللذين ذكرهما؟
إن أقل ما يقال عن هذا الكلام الذي قاله الخزعلي، هو أنه كلام غير مسؤول، وهو مرفوض ومدان ومدمر لأي جهود توحيدية وطنية هدفها لمُّ الشمل العراقي وتوحيد البنادق نحو الهدف الحقيقي، ألا وهو العصابات الداعشية التكفيرية والقضاء عليها ليتفرغ العراقيون بعدها لشؤونهم الداخلية، وفي مقدمتها معركة إنهاء نظام المحاصصة الطائفية اللصوصي التابع للأجنبي.
وهل ينبغي توجيه العتب واللوم والنقد ــ في هذه الحادثة تحديداً ــ إلى قناة «الجزيرة» ومثيلاتها فقط والقول إنها «تصبّ الزيت على النار العراقية»، أم على مَن يوفر لها ويناولها أباريق الزيت والبنزين والسوائل الكارثية الأخرى؟!
المثال الثاني نجده في تصريحات استفزازية وخطيرة جديدة بثّتها وسائل الإعلام الإيرانية قبيل انطلاق معركة تطهير الموصل، يبدو من خلالها وكأن إيران والجهات المتطرفة في قيادة دولتها خائفة على مشروعها الهيمني لمرحلة ما بعد تحرير الموصل، وهي ــ الجهات الإيرانية المتطرفة ــ في سباق مع الزمن لترك بصماتها الطائفية على المشهد العراقي، وهذا مؤشر خطير على تصاعد الجهد التخريبي الإيراني لضرب جهود التوحيد الوطني العراقي.
فقد بثت وكالة وصحيفة «ميزان» القريبة من مواقع صنع القرار السياسي الإيراني تصريحات خطيرة للسيد حامد الجزائري، أحد قادة مجموعة مسلحة تدعى «سرايا الخراساني»، الذي قدمته الوكالة الإيرانية بصفته قيادياً في الحشد الشعبي العراقي، ركز فيها على أن مقاتلي الحشد الشعبي في العراق وفي سوريا جزء مما سمّاها «أمة الإسلام»، وعلى «بطولة وشجاعة وتفرد الجنرال سليماني الذي يفديه العراقيون بالأرواح، وأن الدفاع عن العراق والقتال ضد داعش هو دفاع عن إيران. نحن كحشد شعبي مخلصون للجنرال قاسم سليماني لأنه لا يوجد أي شخص يمتلك جرأة وثبات وشجاعة ومعنويات الجنرال». وقد نشرت ترجمات عربية محرفة ومبالغ بها إلى هذا الحد أو ذاك، لبعض ما قاله الجزائري كما في الترجمة التي قدمتها وكالة إخبارية كردية هي شفق نيوز/ القسم العربي، وخلاصاتها التي نشرها موقع فضائية «العربية» السعودية قبلها، ولكن عدم دقة الترجمة وتحريف معاني بعض فقرات المقابلة لا تنفيها من حيث الجوهر والمضمون العام، خصوصاً أن فقرات «أكثر سوءاً» من المقابلة لم تترجم إلى العربية كما قال أحد المراقبين ممن يجيدون اللغة الفارسية.
الواضح من خلال هذه التصريحات، التي تركز الضوء على دور إيران والجنرال سليماني في العراق، التي يبدو أنها منسقة، أن إيران تشعر وكأن معركة الموصل ستفلت من تأثيراتها، وأن الانتصار في الموصل سيكون انتصاراً عراقياً يهدد هيمنتها ومشاريعها الطائفية في عراق المحاصصة الطائفية، مثلما هدد مشاريع تركيا الأطلسية، ولذلك تحاول ــ إيران وتركيا ــ من خلال تحريك حلفائهما وبيادقهما في المجموعات المسلحة أن تسجلا حضوراً لفظياً وشعارياً مبكراً. وعلى هذا، طالب ناشطون عراقيون بوجوب الرد على هذه الأصوات المخربة للجهد الوطني وبضرورة إبعاد هذين الفصيلين («العصائب»، و«سرايا الخراساني») مثلهما مثل ميليشيات آل النجيفي الحليفة لتركيا عن معركة الموصل نهائياً، وحسم علاقتهما بالحشد الشعبي بوضوح ودون تردد وإلا فسيكون العراق كله وليس الموصل فقط في دائرة الخطر.
وقد سجل المراقبون أنّ ردود الأفعال العراقية على مظاهر التدخلات الإيرانية غير المباشرة قد اقتصرت على الرفض والشجب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي حتى الآن، ولم ترقَ إلى مستوى ردود أفعال عدد من الفعاليات والشخصيات من العرب السنّة الرافضة بحزم للتدخل التركي وتصريحات أردوغان.

هل ينجح المتدخلون في لجم التطلعات العراقية نحو الاستقلال والسيادة؟

فقد انتقد النائبان عن نينوى عبد الرحمن اللويزي وعبد الرحيم الشمري، ومثلهما فعل زعيما أكبر قبيلتين من العرب (زعيم قبيلة العُبيد الشيخ أنور العاصي، وزعيم قبيلة الحديدين «الموصلية» الشيخ إسماعيل الحديدي)، تصريحات أردوغان والتدخل التركي المسلح في الشأن العراقي، وعدّوه احتلالاً، وطالبوا بانسحاب تلك القوات. غير أنَّ أصوات هذه الشخصيات الوطنية العراقية الأربع عُتِّم عليها كثيراً في الإعلام العربي السائد ولم تمنح فرصتها في الوصول إلى الرأي العام. أما القوى والأحزاب «العربية السنية» الرسمية ممثلةً في ائتلاف «اتحاد القوى العراقية» بزعامة حليف أردوغان الأبرز أسامة النجيفي، فقد انشطرت إلى شطرين: الأول لائذ بالصمت كصالح المطلك والمشهداني وسليم الجبوري، والآخر مدافع عن التدخل التركي مباشرة أو مداورة كظافر العاني وعز الدين الدولة وأسامة النجيفي وشقيقه أثيل محافظ الموصل المقال من قبل البرلمان العراقي على خلفية تقصيره في مواجهة «داعش». واستمرت القوى والشخصيات العربية السنية خارج العملية السياسية والمقيمة في دول الجوار على تأييدها للتدخل التركي والدفاع عنه، مبررة ذلك بأنه يوازن التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي.
وكان لافتاً ومميّزاً ردّ الفعل الكردي في هذا الصدد، حيث أصدرت الأحزاب الكردية الكبيرة الخمسة بياناً رفضت فيه وجود القوات التركية وعدّتها قوات احتلال، ووجودها غير دستوري، وطالب بانسحابها فوراً، ساحبة بذلك البساط من تحت قدمي حليف أردوغان الكردي الوحيد مسعود البارزاني المشكوك أصلاً في دستورية احتكاره لمنصب رئيس الإقليم.
خلاصة القول، أنّ التدخلات الإيرانية والتركية تعكس، من حيث الجوهر وقبل أي شيء آخر، تهلهل نظام الحكم العراقي وضعفه ونقص وضمور السيادة العراقية التي يتحدث عنها أولاً. وتعكس ثانياً مخاوف إيران وتركيا من تحوّل الانتصار العراقي على تنظيم «داعش» وتحرير الموصل من قبضتها بجهد عراقي على الأرض إلى نقطة انطلاق قد تغيّر الوضع العراقي لاحقاً جملة وتفصيلاً، ولتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ السياسي لهذا البلد تنهي مرحلة ما بعد الغزو الأميركي سنة 2003 ومعها نظام دولة المكونات ودستور المحاصصة الطائفية الذي جاء به الغزو.
أما واشنطن فستكون الخاسر الأكبر مع هذا الانتصار وبدء هذه المرحلة، وهي مستعدة، كما أثبت الواقع والأحداث القريبة، للتعاون مع الطرفين التركي والإيراني من أجل عرقلتها أو تأخيرها، ولنا في التلاقي والعمل المشترك الأميركي ــ الإيراني (عبر سفارتيهما في بغداد) ضد الاعتصام البرلماني العراقي قبل أشهر قليلة (شارك فيه قرابة نصف أعضاء البرلمان المعارضين لحكم المحاصصة الطائفية، والمحاولين إطاحة الرئاسات الثلاث) خير دليل.
فهل ينجح المتدخلون ــ الأميركيون والأتراك والإيرانيون ــ في لجم التطلعات العراقية نحو الاستقلال والسيادة الحقيقيين بعد انتصار الموصل المرتقب، أم أن تطورات أخرى أكثر دراماتيكية ستحدث وتستثمر الانتصار لتعديل المشهد العراقي جذرياً؟
نختم بالجديد الذي سُجّل مساء الاثنين 17 تشرين الثاني والذي بدأت فيه العمليات، حيث أعلن العبادي في اجتماع نادر عقده مع ممثلي السلك الدبلوماسي العرب والأجانب، شبَّه في خلاله تصرفات أردوغان بتصرفات رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، وقال فيه: «إن من لا يحترم جيرانه لا يحترم شعبه»، في إشارة الى الرئيس التركي. وأضاف أنه غير متفائل بالتطورات القريبة بسبب التصعيد الإعلامي الذي تقوم به القيادة التركية وأنه يخشى من أن ترتكب هذه القيادة خطأً كبيراً، ويُفهم من كلام العبادي هذا أنه ربما كان قد تبلغ تهديدات تركية قوية نقلها وفد الخارجية التركية الذي وصل إلى بغداد في زيارة مفاجئة، وما يزيد من ترجيح هذا الاحتمال هو التهديد المضاد الذي عبّر عنه العبادي بقوله: «إن كانت القوات التركية قد دخلت بسلام فهي لن تخرج بسلام». هذا التطور وتلك الاحتمالات ستزيد يقيناً من تعقيد الوضع وقد تفتح الباب على مواجهة تركية ــ عراقية في خلال حسم معركة الموصل، أو بعده.
*كاتب عراقي