اذا ما انطلقنا من الفرضية القائلة بأنّ الحرب العالمية الأولى، ونتائجها ومفاعيلها، هي الحدث المؤسس للزمن العربي الحالي، أقلّه في المشرق، فإنّنا نشهد اليوم آخر حلقات عملية الانهيار الطويلة، أي تحويل اقليم المشرق العربي بأكمله، من العراق الى لبنان، الى عقدٍ من "الدول الصغيرة". بتعبير آخر، أن تصبح سوريا والعراق على مثال لبنان والأردن: "دولٌ صغيرة" محاطة بجيران كثرٍ أقوياء، لا تقدر على ايجاد موطىء قدم مستقل في النظام الدولي، وهي عرضة باستمرار لتدخلات الخارج وتنافسه ووصاياته.

أكثر الظواهر "الصادمة" اليوم ــــ من قبيل استباحة الجيش التركي لأراضي سوريا والعراق، أو النفوذ الايراني في بغداد، أو الاجتياح العسكري الأميركي للمنطقة من دون استئذان ــــ ما هي الّا "عوارض" تعكس هذا الواقع. صحيحٌ أنّ تفتّت السيادة في هذه الدّول "المركزية" يعود في جزءٍ منه الى ظرفٍ تاريخيّ استثنائي، الّا أنّه ايضاً نتيجة طبيعية، ومنطقية، لتقسيم المنطقة والحدود والأنظمة التي ورثناها؛ وقد تمّ "دفن" هذا السؤال لفترةٍ طويلة بسبب ظروفٍ اقليمية والحرب الباردة والمدّ العروبي، قبل أن تكشفه الأزمة والحرب، وتضعنا في مواجهته من جديد.

الحرب الكونيّة

كانت الحرب العالمية الأولى هي الصّدمة التي نقلتنا من عصرٍ تاريخي الى عصرٍ آخر، وصنعت الكيانات السياسية الحالية، ورسمت الحدود، وحوّلت "أعياناً محليين" في مقاطعات طرفيّة الى "نخبٍ وطنية"، تُدير دولاً وحكومات وتتكلّم باسم "الأمّة" (ومن هنا، على الأرجح ابتدأ الخلل: تخيّل أن يقوم بتأسيس بلادك، وكتابة تاريخك، وبناء شخصيتك الوطنية، عملاء وخونة ــــ بالمعنى الحرفي للكلمة ــــ ونخبٌ لم تحكم قريةً في تاريخها ولا هي مهيئة للحكم، فجعلها البريطانيون والفرنسيون بناة أمم).
الحرب الأولى هي الحدث\ الكارثة الذي لم نستوعبه بعد، ولم نتجاوزه، ولم نتأقلم معه عبر بناء دولٍ وهويات وأنظمة ناجحة. أزمة الحرب العالمية، وانهيار النظام الامبراطوري، والتقسيم والاستعمار، هي ما فتح الباب، منذ أوائل القرن العشرين، على العديد من سرديات الهوية والحركات الايديولوجيات التي حاولت أن تطرح إجابة على هذا التحدّي. وإن كان أكثر المثقفين العرب اليوم يواجه واقعه عبر المنظار الثقافوي، فيلخّص المشكلة على أنّها "فشل ديمقراطي"، أو يختصر القرن الماضي بأكمله تحت عبارة "الاستبداد"، أو يستغرق في ندب "فشلنا" و"تخلّفنا"، وأننا أثبتنا أننا لا نستحقّ مكاناً بين الأمم (ماذا يُفترض بنا أن نتعلّم من هذه البكائيات؟)، فإنّ هناك غياباً شبه كلّي لـ"المقاربة المادية" والتفسير التاريخي للسياق القائم (كمثالٍ على اشكالية هذه الحجج الرائجة: الاستبداد كريهٌ وبشع، ولكنّ هناك الآلاف من أنظمة الاستبداد عبر التّاريخ، صادرت السياسة وقمعت المجتمع المدني، وهي لم تنتج دوماً حروباً طائفية ودولاً قاصرة ومذابح و"داعش"؛ لذلك لا يمكن لحجّة الإستبداد، وحدها، أن تشكّل تفسيراً، ولا هي، في ذاتها، تشرح شيئاً كثيراً عن تاريخنا ووضعنا الحالي ومشاكلنا).

محنة "البلد الصغير"

بمقاييس المساحة والسكّان، لا يوجد فضلٌ جوهري للدول "الكبيرة" على تلك الصغيرة، على افتراض انها دولٌ تاريخية، لها هوية ومؤسسات راسخة، وتعيش بانسجامٍ في محيطٍ مستقرّ. ولكن في سياق الشرق الأوسط، ودول اصطنعت حديثاً، فإنّ مفهوم "البلد الصغير" يحيلك هنا الى أمثلةٍ من نمط لبنان والأردن، وليس سويسرا والدانمارك. الأردن، كمثالٍ واضحٍ على "الدول الصغيرة" بلغة العلاقات الدولية، هو ــــ لأسباب بنيوية لا يمكن تجاوزها بسهولة ـــ لن يتمكّن يوماً من تغطية احتياجاته وأكلاف الدولة من موارده الخاصّة، فهو سيحتاج اذاً على الدّوام الى "داعمٍ" خارجي ــــ أو أكثر. هو ايضاً لن يقدر على الدّفاع عن نفسه في وجه جيران أقوياء وفي منطقة ملتهبة؛ لذا، فالأردن مضطرٌّ تاريخياً لأن يتموضع تحت مظلّة دولية لقوة كبرى تحميه (بريطانية في أول عهد المملكة، ثم اميركية واسرائيلية). ولأنّ البلد يعاني من فائضٍ سكّاني، على الرغم من حجمه الصغير، فهو حكماً مصدّرٌ للعمالة، يحتاج الى تشغيل مئات الآلاف من مواطنيه في أسواق اقليمية أكثر ثراءً ــــ وسيكون على الدوام في حالةٍ من الدونية والاعتمادية تجاه كلّ هذه الأطراف. لهذه الأسباب فإنّ الأردن، بطبيعته، بلدٌ "خطير"، وقد كان دور نظامه سلبياً ــــ طوال العقود الماضية ــــ في فلسطين وفي كلّ ملفات المنطقة. ولبنان، بالمثل، لو عاد نظاماً "مستقراً" يتحكّم به الغرب (كما كان قبل الحرب الأهلية) فلن يكون تأثيره الّا وبالاً على جيرانه واقليمه.
المعادلة ذاتها تنطبق، وإن بنسبٍ مختلفة، على سوريا والعراق. منطق الواقع والأحجام لا تغيّره السرديات التاريخية وعلم الأثريّات، أو افتخارنا بوطننا "العظيم" و"حضارتنا"، أو الثقة المطلقة التي يحملها كلّ انسان تجاه فولكلوره المحلّي. بلغة العلاقات الدولية، لا يمكن لأحدٍ أن يتخيّل سوريا (22 مليون نسمة) أو العراق (30 مليون نسمة) ندّاً سيادياً ولاعباً دولياً، وهو بين دولٍ بحجم تركيا وايران، وبجواره الخليج والكيان الصهيوني. الرّيع النفطي في العراق والحرب الباردة غطّت هذا الواقع لفترةٍ ما، وسهّلت الخصام الكارثي بين سوريا والعراق، وأعطت صدّام وهماً بالعظمة جعله يتصرّف كـ"بلدٍ كبير" وكقوّة دولية، وقد رأينا النتائج.
هذا يفسّر ما يقوله الباحث الأميركي ايريك دايفيس عن أنّ نظام صدّام انصرف الى بناء نسخة شوفينية عن الهوية العراقية، وكلّفت المؤسسات الثقافية في عهده بالترويج لهوية قطرية مكتفية بذاتها. بالمقارنة، كانت أكثر الأنظمة العراقية السابقة على طفرة النفط عروبيّة، مكوّنة من بعثيين وناصريين وهاشميين، أو أمميين اشتراكيين. ولم يكن أحد في عراق الخمسينيات ــــ مثلاً ــــ يتخيل امكان مواجهة شاملة مع جارٍ بحجم ايران. على المقلب الآخر، فإنّ القبول بموقع "البلد الصغير" وتوهّم القدرة على تحقيق السيادة والاستقلال عبر "الدهاء" والمناورة المستمرّة واللعب على الحبال، وتجنّب اختبار بناء القوّة، ليس استراتيجية تصلح للمدى البعيد ــــ وما كان يصحّ خلال الحرب الباردة ليس ممكناً اليوم.

التّاريخ لا ينتظر أحداَ

كما كتب سمير أمين مؤخّراً، فإنّ "خريطة الطريق" لبلدٍ من الجنوب العالمي في عصر الهيمنة معروفةٌ منذ زمنٍ: بناء كيان وطني مستقرّ ويملك قدراً من السيادة والاستقلال في عالم الامبراطورية. هذا يتضمّن استخدام كل الموارد المتاحة لتحقيق مستوىً ما من الاكتفاء الاقتصادي، ووزن للمناورة في النظام العالمي، وقدرة على حماية هذا المشروع ــــ مع موقف سياسي واضح تجاه الهيمنة الأميركية. السؤال، دوماً، من المفترض أن يتمحور حول كيفية تحقيق هذا الهدف، وخلق الاطار الكفيل به، وفهم خارطة القوى والحلفاء في العالم من حولنا. أمّا حرف المسألة السياسية في بلادنا الى نقاشات حول قضايا ثقافوية، أو حتى مؤسسية وديمقراطية وحقوقية، فيما الحروب تشتعل، فهو لا يعدو أن يكون إلهاءً عن المشاكل والتحديات والخيارات الفعلية.
التّاريخ لا ينتظر أحداً، ومسار الأمور يفرض خيارات واضحة لمن يريد أن يرى، ويكشف الصراع على روح المنطقة ومستقبلها. من جهةٍ، هناك حلفٌ غربي ــــ خليجي يسعى لأن يطبق، مع تركيا، على هذه البقعة من العالم؛ وهناك قوى ناشئة، من ايران الى لبنان، ومن دمشق الى صنعاء، تقاومه وتتكتّل ضدّه. أمّا خيار "الدولة القطرية" (تحت أي مسمّىً "وطني") كـ"حلّ أوسط"، فهو حكمٌ بأن تعزل نفسك في بلادٍ مُهدّدة، مُخترقة، يقع نظامها تحت كلّ أشكال الوصاية الدولية، ولا تقدر على كفاية نفسها، أو حتى على انتاج ثقافة وتلفزيون لمواطنيها؛ وتخضع باستمرار لتأثيرات الخارج ونفوذه.
أكثر من سيدافع عن "الدول الصغيرة" وعن الوضع القائم هي النّخب التي استفادت من قيام هذه الدّول، ويعطيها الكيان ــــ ولو كان هيكلاً فارغاً ــــ موقعاً وسلطة. من جهةٍ أخرى، فإنّ كلّ حركةٍ لاقت نجاحاً في العقود الماضية (الأشرار والأخيار، وفي كلّ المعسكرات) كان المشترك بينها أنّها لم تكن "وطنية"، ولم تلتزم بحدودٍ من مخلّفات انهيار السّلطنة. بل تجاوزت الخطوط التي رُسمت لنا، وتعاونت وتكاملت وتعلّمت من بعضها البعض: لولا الثورة في ايران لما كان "حزب الله" ممكناً، ولولا اللبنانيين والايرانيين، لما كانت "فصائل المقاومة" في العراق، ولولا هؤلاء جميعاً، لسقطت سوريا. لذا، وعلى المستويات كلّها، من معارك الميدان الى البروباغندا، تجري الحرب على هذه المفاصل تحديداً، وهي ترسم خطوط الجّبهة.