قبل نحو 1300 عام، صبيحة عيد الأضحى، خطبَ والي «أمير المؤمنين» الأمويّ على العراق خالد القسري، قائلاً: «أيّها الناس، ضَحّوا تقبّل الله ضحاياكم، فإنّي مُضحٍ بالجعد بن درهم، إنّه زعم أنّ الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً ولم يُكلّم موسى تكليماً». وبالفعل، نَزل فذبحه في أصل المنبر. هكذا يرويها المؤرّخ ابن كثير، وهو المُحدّث والمُفسّر والفقيه، وصاحب مُصنّف «البداية والنهاية» الشهير. سبقه وتلاه كثيرون في رواية تلك الحادثة، أشهرهم البخاري (في خلق أفعال العباد) والبيهقي والذهبي وابن أبي حاتم والدرامي، والأخير يقول في «الردّ على الجهميّة» إنّه: «أمّا الجعد، فأخذه خالد القسري، فذبحه ذبحاً بواسط، في يوم عيد الأضحى على رؤوس مَن شهِد العيد معه مِن المسلمين، لا يعيبه به عائب ولا يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا مِن فعله وصوّبوه مِن رأيه». ماذا فعل الجعد؟ لم يَفعل الجعد أكثر مِن تأويل بعض آيات القرآن التي لم يُنكرها، إنّما جهد في تأويل صفات الله فيها، بغية تنزيهه وتعظيمه، فكانت هذه «جريمته»... وكان ذاك «الجزاء».


بتنا نفرح لمؤتمرات
تضيّق الأفق وتحصره بدل أن تفعل العكس!

القسري «حيّ فينا»

بعد نحو 1300 عام على تلك الحادثة، وفي يوم عيد الأضحى الفائت، في دير الزور شرق سوريا، ظهَر أحدهم والخنجر في يده. أسدل شعره وأطال لحيته وحفّ شاربه. قصّر ثوبه واستعمّ بقماشة بيضاء، ومثل لونها عباءته. ها هنا رجل «داعشي» كامل الأوصاف. وقف داخل مكان مُغلق، تبيّن أنّه مَسلخ مواشي، ومِن حوله 19 إنساناً، رُفِعوا مِن أرجُلهم بالجنازير، فتدلّت رؤوسهم... فذبحهم. لكن قبل مباشرة فعلته، وبملامح باردة، وصوت واثق، قال: «ضحّوا، تقبّل الله مِنكم، فإنّا مُضحّون بعملاء الصليب». خالد القسري حيّ بيننا، والذين كانوا حوله قبل قرون، أيضاً، أحياء بيننا. فعلة دير الزور، في الأضحى، مرّت «عادي» (تقريباً). أتراها «لاقت استحسان الأمّة» أيضاً؟ القاتل والقتلة هنا، على حدّ سواء، ينسبون أنفسهم إلى «السُنّة والجماعة». ليس خالد القسري إلا أحد «التابعين» (منزلة بعد الصحابة) عند كثيرين مِن «مشايخ الإسلام» ورجال الدين، مِن السابقين واللاحقين، وليس ابن تيميّة أوّلهم ولا ابن عبد الوهاب آخرهم. خالد القسري هو أحد «السلف الصالح» أيضاً، ليس فقط عند «أهل الحديث» والحنابلة، ولذا في «مجموع الفتاوى» يقول ابن تيميّة: «ضحّى خالد بالجعد على عهد علماء التابعين وغيرهم مِن علماء المسلمين، مثل الحسن البصري وغيره، الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك». لم يُشنّع عليه أحد. أكثر مِن ذلك، القسري المذكور هو أحد رواة حديث النبي، إذ له حديث في «مسند أحمد» وآخر في «سنن أبي داوود» وقد عدّه الإمام ابن حبّان ضمن «الثقات». وبالمناسبة، كان ابن حبّان شافعي المذهب (وأحد الذين اقتدى بهم الإمام الأشعري). أمّا الذهبي، أحد أكبر أئمة «الجرح والتعديل» عند عموم أهل السُنة والجماعة، فيمدح في «سير أعلام النبلاء» فعلة القسري، أي ذبحه الجعد، فيقول: «هذه مِن حسناته»... وتطول القائمة.

«غسل الأيدي» في الشيشان

حتماً، كلّ «العلماء» الذين حضروا مؤتمر «مَن هم أهل السُنّة والجماعة» الذي عُقد أخيراً، في العاصمة الشيشانيّة غروزني، يعرفون هذه القصّة. هي في تُراثهم، ويَعرفون تفاصيلها أكثر، وبالتالي يَفقهون مدلولاتها جيّداً. هذا المؤتمر الذي بات واضحاً أنّه عُقد لإقصاء «أهل الحديث» (مَن هم على طريقة أحمد ابن حنبل) اعتقاداً، لا فقهاً، والذين يُعرفون اليوم بـ«السلفيين» أو «الوهابيين» (على نحو خاص)... هو المؤتمر الذي ثارت ثائرة المؤسسة الدينيّة السعوديّة (الوهابيّة) عليه، ومعها كلّ مَن يتبع لها في دول أخرى، ومِنهم الذين يشاركونها «المُعتقد» مِن الجماعات التي توصف بـ«السلفيّة الجهاديّة». حسناً، أرادوا إعلان البراءة مِن «داعش» وأخواته، مثل «القاعدة» و«بوكو حرام» ومَن على هذه الشاكلة، في محاولة لتثبيت تلك العبارة الشهيرة: «داعش لا تمثّل الإسلام». حصروا توصيف «أهل السُنّة والجماعة» بالأشاعرة والماتريديّة اعتقاداً، إضافة إلى «أهل التصوّف الصافي». ورطة أن تبدو الآن للبعض أنّك تدافع عن هذه الجماعات (الداعشيّة) التي تعيش في التاريخ لا خارجه، في التاريخ المكتوب والمنشور والمُدرّس، بانتقادك لمؤتمر غروزني. بالتأكيد، هذه الجماعات الموصوفة بالإرهابيّة اليوم، هي في واجهة المشهد العالمي الآني، وهي، منذ عقود، على رأس هرم «التطرّف الإسلامي». قل ما شئت فيهم، عن اختراقهم سياسيّاً واستغلالهم، مِن جانب مختلف أجهزة استخبارات العالم، لكن لا علاقة لهذا في التأصيل النظري لعقائد هذه الجماعات. على سبيل المثال، يُمكن أن تسأل: ما هي موقعيّة خالد القسري في تراث شيخ الأزهر، الذي حضر مؤتمر الشيشان، قبل أن يعود و«يُرقّع» سبب مشاركته، ويُقدّم ما يشبه الاعتذار، إثر غضبة أحفاد آل الشيخ في السعودية؟ ما هو موقع القسري (وأمثاله كُثر) في تراث مسلمي شمال أفريقيا، وهم بأكثريتهم الساحقة على المذهب المالكي فقهاً، وأشاعرة اعتقاداً؟ ما هو موقعه عند الشيخ الحبيب الجفري، اليمني الصوفي، المقيم في دولة الإمارات والمرعي منها، والذي كان على رأس المنظمين للمؤتمر بالتنسيق مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف؟ (الجفري، بالمناسبة، إلى جانب الشيخ الأزهري كانوا مِن الذين ساهموا برمي الشاب إسلام بحيري في السجن، بسبب انتقاده لفظاعات التُراث الإسلامي، ولا يزال إلى اليوم مسجوناً في مصر). ليس السؤال عن المواقف الشخصيّة لـ«العلماء» المذكورين، المواقف المزاجيّة، التي قد تَلعب على حبل العاطفة، والتي تتبدّل في المضمون والنبرة بحسب اللحظة التاريخيّة، بل السؤال عن مواقف المنظومات الاعتقاديّة والفقهيّة في تُراث مذاهبهم؟ الحديث عن الكُتُب. هنا لبّ المسألة. القضيّة ليست شخصيّة على الإطلاق.
سيكون مِن عدم الإنصاف، ومِن الخيانة العلميّة، ومِن الجريمة بحق التاريخ والحاضر والمستقبل، بحق «أزمة الحضارة» (كما يصف بعضهم) التي تعيشها هذه الأمّة، أن تُلقى كرة التكفير، بكلّها وكلكلها، في حضن تلك «السلفيّة» الحنبليّة، أو حتى بـ«الوهابيّة» وحدها. بمعنى ما، ليس مِن السهل على مسلم، أيّ مسلم مُلتزم بالكُتُب، أن ينفي صفة «التمسلف» عن نفسه ومذهبه. الجميع يعرفون هذا. بشكل أو بآخر، الكلّ «على مذهب السَلَف». التُراث أمامنا، بات بإمكان الجميع الاطلاع عليه، بضغطة زر، وبالتالي فإن زمن «أسرار الكهنة» قد ولّى. هذا لم يدركه كثير مِن «المشايخ الورديين» بعد.
أن تستغيث مِن النار بالنار، أن تجبن عن مواجهة الحقيقة المُرّة، حقيقة تُراثنا، كلّنا بلا استثناء، فهذا يعني أن تخرج بمقررات مثل مقررات مؤتمر الشيشان الأخير. مَن له اليوم رفاهيّة الحديث عن الخلاف بين الأشاعرة والماتدريديّة، مِن جهة، و«أهل الحديث» أو السلفيين، مِن جهة أخرى؟ أين هم الناس، الآني والمُعَاش، في هذا؟ هل حقاً أراد القائمون على المؤتمر العودة إلى الجدال الأسطوري، الخلاف التاريخي، بين التيارين، حيال «فتنة خلق القرآن» (أهو أزلي أم مخلوق) أو الخلاف حول أسماء الله وصفاته ومراتب التوحيد؟ لم نعد في زمن «المعتزلة» أصلاً. لقد قُتِل هؤلاء، أبيدوا، وقد لاقى ذلك، قديماً وحديثاً، استحسان الأمّة. لا مهرب من تاريخنا.
جيل اليوم، جيل الشباب تحديداً، الذي باتت «تدلّس» عليه بعض المؤسسة الدينيّة، فتخفي عنه حقائق التاريخ، ولعجزها عن مواجهته في تبرئة نفسها مِن «الداعشيّة» وتراثها... هذا الجيل لا تعنيه جدالات عقيمة مِن قبيل نفي التجسيم أو إثباته، أو مبحث القضاء والقدر، أبداً، بل تعنيه وترهقه وتخجله، أمام نفسه أولاً والعالم ثانياً، قضايا مثل الذبح باسم الإسلام، والصلب والحرق وقطع الأيدي والأرجل مِن خِلاف، والحرق للأحياء والأموات، والرجم حتى الموت وبتر الأيدي والرمي عن شاهق، وأخيراً وليس آخراً القتل على «الردّة». كلّ هذا كان قبل «داعش». أليست هذه الأحكام مُقرّة عند جميع المذاهب؟ أي مذهب اليوم لا يُقرّ حد الردّة؟ إنّه عند الجميع، عند السُنّة والشيعة أيضاً، وهذا ما يصرخ مِنه جيل اليوم. إلى متى ستُعتمد سياسة التلطي خلف الأصبع؟ ما مِن أصبع بعد اليوم، مهما اتسع، يمكنه مواراة «سوءة التراث» الذي انكشف وانفجر في وجه الجميع. أليس في البخاري، وصحيحه الذي، عند كلّ أهل السُنّة والجماعة، وكلّ على طريقته، يُعتبر (نظريّاً) أصدق كتاب بعد القرآن، أليس فيه الحديث النبوي القائل: «مَن بدّل دينه فاقتلوه»؟ جماعة «داعش» وأخواتها، قديماً وحديثاً، ليسوا بلهاء في أحكام الشريعة كما يحلو للبعض وصفهم، بل لديهم «رجال دين» يؤصّلون، فقهيّاً وعقائديّاً، وعلى نحو مُحكم، لكل جريمة يرتكبونها. لن تجد فعلاً قاموا به إلا ولديهم النصوص التراثيّة، مِن السُنّة، التي تدعمه وتشرعنه وتباركه، بل، وفي أحيان كثيرة، توجبه. هنا أصل الحكاية. مِن هنا تبدأ المعالجة، إن كان ثمّة مَن يُريد المعالجة حقّاً، بدل تسجيل نقاط في السياسة والمذاهب.

في جوف حمار

قبل نحو 1400 عام، في الفسطاط، وهي قاهرة مصر اليوم، ألقى عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج القبض على ابن الخليفة الأول محمد بن أبي بكر. ابن العاص وابن حديخ كلاهما مِن ولاة «الخليفة» معاوية بن أبي سفيان هناك. قُتل ابن أبي بكر. التاريخ مليء بتفاصيل قتله. وضعوه في جوف حمار ميّت وأحرقوه. تقريباً ما مِن مؤرّخ أو محدّث إلا وذكر هذه القصّة، ومِنهم الطبري وابن كثير والطبراني وابن سعد (في طبقاته الشهيرة) والنووي وابن حبّان والبلاذري. حصل ذلك في حقبة «الفتنة الكبرى». التاريخ، في الكُتُب، مليء بالترضّي على القاتل والمقتول في الوقت عينه... طالما أنّهم «صحابة». هكذا مُسِخ العقل العربي، ومن خلفه الإسلامي، وما زال، وهكذا صيغ الوعي الأخلاقي لهذه الأمّة، وقد تجذّر وأصبح «هويّة». مَن هم «قدوة» سماوية يَفعلون ذلك، فلمَ لا يفعله المُقتَدون بهم؟ كلّ الفرق، مِن السُنّة والشيعة، وما تفرّع عنهما، ابتليت بـ«دهاليز» التاريخ المُظلمة. قد لا يُعجبك النص في أحد الكُتُب، قد ترفضه، قد تُكذّبه، لكن ما لن تستطيع فعله هو إنكار وجوده، ومثله الكثير، مما هو أفظع وأشنع، في كُتب هي بالمئات بل بالآلاف. للأسف، النوايا الطيّبة لا تنفع هنا.
المُهم، بعد نحو 1400 عام على حادثة «جوف الحمار» تلك، ستضع جماعة «داعش» في العراق، في عام 2016 للميلاد، ستة أشخاص داخل إطارات مطاطيّة، إطارات تعود لشاحنات كبيرة... وتحرقهم بداخلها وهم أحياء. حصل هذا أخيراً في الموصل شمال العراق. ما مِن أجواف حمير هذه المرّة، سُيستعاض عنها بأجواف إطارات، ولن ينسى القاتل أن يُذكّر، مرّة أخرى، بمن فعل ذلك مِن «قدواته» قبل مباشرة الفعل. اختلف «مشايخ الإسلام» قديماً في جواز الحرق، ولكن الذين أقروه، وأفتوا به، يجلّون عن الحصر، وهؤلاء تجدهم عند كلّ الطوائف، وبالتالي، لم ينفرد «الحنابلة» به، كما أنّه ليس حكراً على سلفيّة «أهل الحديث». اليوم يفعلها «داعش» وأخواته، ولكن غداً، أو بعد غد، قد تفعلها جماعة أخرى، ذات مرجعيّة مذهبيّة أخرى، طالما أن لديها تلك النصوص السابغة للشرعيّة. إنها قنابل التراث الموقوتة، عند الجميع، والتي، في لحظة تاريخيّة ما، يُمكن أن تنفجر. عندما أحرقت «داعش» الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، حرصت على أن تستفتح شريط التسجيل بعبارات «السلف الصالح» الذين أمعنوا في «حليّة» الحرق. حادثة حرق ابن أبي بكر الصدّيق ليست سوى واحدة مِن عشرات قصص الحرق، على يد صحابة وتابعين، في التاريخ الإسلامي. ألم يقتل الصحابي خالد بن الوليد الصحابي الآخر مالك بن نويرة، بعد وفاة النبي بقليل، فقطع رأسه ثم وضعه تحت قِدر لحم، ثم أشعل فيه النار، ثم ليأكل أخيراً مِن القِدر؟ ألم تُؤخذ زوجة القتيل، ابن نويرة، كـ«سبيّة»؟ ألم يقرّ «الخليفة الشرعي» يومها فعلة قائد جيشه، خالد بن الوليد، بل ويمدحه؟ (ما كنت لأغمد سيفاً سلّه الله). كثيرون اليوم مِن منظّري التيار «الداعشي» ومشايخه يذكرون تلك الحادثة، بكلّ وضوح، ويقتدون بها. أحدهم يتلوها في «فيديو» ملتذّاً، ويكاد يمسح ريقه، شوقاً إلى الفعل. القصّة مذكورة في أمّهات كتب الحديث والتاريخ التي ذُكرَت سابقاً. دعك مِن مدرسة السلفيين، هؤلاء مفروغ منهم، لكن السؤال: ما هو موقف «أهل السُنّة والجماعة» مِن تلك الواقعات «الصحابيّة»؟
 
هذا المؤتمر بات واضحاً
أنّه عُقد لإقصاء «أهل الحديث» اعتقاداً لا فقهاً

«الوحدة الإسلاميّة»؟

كان لافتاً ابتهاج بعض الشخصيّات الشيعيّة، مِن العرب وغيرهم، لمُقرّرات مؤتمر «مَن هم أهل السُنّة والجماعة» في غروزني. كتب وزير الخارجيّة الإيرانيّة، جواد ظريف، مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركيّة، اعتبر فيه أنّ الإشكاليّة «لا تتمثل بين السُنّة والشيعة، بل بين السُنّة والوهابيّة». فات ظريف أن الذين عقدوا المؤتمر حصروه بـ«أهل السُنّة والجماعة» ولم يطلقوا عليه عنوان «مَن هم أهل الإسلام». عموماً، هذه كانت إحدى المؤاخذات على المؤتمر، وهذا ما أشار إليه مفتي الأردن في كلمته، بغض النظر عن النوايا. في الواقع، لا يحتاج أحد أن يفتح ملف مَن هم الشيعة بالنسبة إلى أهل السُنّة، مِن الأشاعرة والماتدريديّة اعتقاداً، ومِن المذاهب الأربعة (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي) فقهاً، قبل الحديث عن موقف «الوهابيّة» المعروف مِن الشيعة أصلاً. أيضاً ليس المكان كيف ينظر الشيعة، عقائديّاً وفقهيّاً، إلى أهل السُنّة، وهم مختلفون في ذلك، إنّما في كتبهم أيضاً ما يشيب له شعر الرأس. المُهم، هل يُقرّ الذين اجتمعوا في مؤتمر غروزني إسلام الشيعة؟ لم يجرؤ عاقدو المؤتمر على توسعة البحث لتحديد مَن هم المُسلِم. عندها ستكون الطامة الكبرى. عندها لن يجد جواد ظريف ما يسرّه في الأمر. تُراث كلّ المذاهب، وأحكامها التاريخيّة، باتت كلّها في متناول يد كلّ باحث. يحصل هذا في عصر المعلومة السهلة (لمن يهمه الأمر). المؤتمر لم يحضره مَن يُمثّل السعوديّة ومذهبها، وهذا ما أغضبها وجعل «كبار علمائها» يصدرون بيان استنكار وإدانة، وجعل، في المقابل، البعض يُهلّل فرحاً. أين أصبحت الدعوة إلى «الوحدة الإسلاميّة» التي دعت إليها إيران قديماً، ولاقاها فيها بعض علماء أهل السُنّة؟ أين أصبحت سياسة «التقريب بين المذاهب» ومجامعها، حتى بتنا نفرح لمؤتمرات تضيّق الأفق وتحصره بدل أن تفعل العكس! هذا يُفهم في السياسة، إنمّا في الدين، في الفكر، في التأصيل العقائدي والفقهي، فإنّه يبدو أقرب العبث. بالمناسبة، الشيخ (الكبير) يوسف القرضاوي أشعري المُعتقد، وأيضاً ليس حنبلي المذهب، وبالتالي ليس وهابيّاً، وهو مع ذلك فجّر أخيراً قنبلة إباحة دم الشيعة، ونادى على العلويين بأنهم «أكفر مِن اليهود والنصارى». عندما اختلفت السياسة لديه، وجد، في لحظة، ما يسعفه مِن نصوص تراثه (المُعتدل!) ويخدمه. القرضاوي صاحب دعوة «الزحف مِن كلّ أصقاع الأرض إلى سوريا للجهاد ضدّ الكفّار (النظام والحلفاء). يجب ألا يُنسى هذا.
شيخ الأزهر، أو «الإمام الأكبر» أحمد الطيّب، ومعه وفد أزهري مِن مصر، حضر المؤتمر ثم طالب لاحقاً بتعديل البيان الختامي، حرصاً مِنه على عدم إغضاب السعوديّة. الشيخ الأشعري، غير المحبّ للوهابيّة تاريخيّاً، لكنه الغامز أيضاً مِن «الطموحات التوسعيّة» للشيعة في منطقة...الشيخ المتربّع في رئاسة إحدى أعرق المؤسسات الدينيّة في العالم الإسلامي، يُريد أن يَحصر المُشكلة في التيار «الداعشي» (سُنيّاً)... وذلك لكي «لا تتشوّه صورة الإسلام». لكن يفوته، مع حسن الظن طبعاً، أنّه في كليّاته «المُعتدلة» ومعاهده الأزهريّة، لا يزال (ونحن في القرن الحادي والعشرين للميلاد) يُدرّس مُقرّر «الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع». هذا المُقرّر الذي يُعطى للصف الثالث السنوي، ومتنه في الفقه الشافعي، يَرِد فيه بالحرف أنّه: «للجائع المُضطر قتل مرتد وأكله، ولو كان صغيراً أو امرأة، وله قتل الزاني وتارك الصلاة، وإن لم يأذن الإمام في القتل». هكذا، كلّ هذا ثمّ... ويسألونك عن «داعش»!
* من أسرة «الأخبار»