إذا كانت هناك مساهمة أميركية حقاً فعليّة في تطوير الأسس النظريّة للنظام الرأسمالي المعاصر الذي نشأ في إنكلترا إبان ما يسميه المؤرخون بالثورة الصناعيّة، فإنها ستكون من دون شك علم التسويق الحديث Marketing، كأفضل أدوات تعظيم الربح. لقد تعلّم الأميركيون من الجيش الألماني مبادئ البروبغاندا المعاصرة التي طبقها خلال الحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨)، وعادوا بها إلى الولايات المتحدة وكأنها كنز ثمين، لتتحول فناً قائماً بحد ذاته أسموه العلاقات العامة والإعلان، وظفوه سواءً للاستخدامات العسكريّة خدمة للمشروع الإمبراطوري الأميركي وحروبه عبر العالم، أو للاستخدامات المدنيّة في خلق الأسواق خدمةً لرأسمال. صدمت فعاليّة أدوات العلاقات العامة والإعلان المؤسسة الرسميّة الأميركية، فصارت جزءاً لا يتجزأ من عدّة النظام السياسي الأميركي، وأُنشأ من أجلها في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركية لتتولى تخصصاً مركزيّاً في ما يتعلق بالدعاية الأميركية في الشؤون الأمنيّة والاستراتيجيّة، بينما اندفعت الشركات الكبرى لإنفاق مبالغ طائلة لبناء الطلب على منتجاتها في عقول المستهلكين من خلال برامج تسويقية تعدّها شركات الدعاية والإعلان الكبرى. شركة مثل «بروجتر وجامبل» التي تعدّ ذراع الولايات المتحدة العالمية في البضائع الاستهلاكيّة، تنفق أكثر من نصف أرباحها السنويّة المقدّرة بمليارات الدولارات على أنشطة الدعاية والإعلان.

وفّرت فترة الحرب الباردة إلى حين سقوط الاتحاد السوفياتي في ١٩٩١ وقتاً كافياً ومساحة هائلة للمنظومة الرسمية الأميركيّة لتطوير وتعظيم لعبة التسويق وتطبيقاتها في عشرات المواقع والمناسبات، لكن أفكار الخصخصة التي نشرتها السياسات النيوليبرالية على أوسع نطاق ما لبثت أن وصلت إلى هذا المجال أيضاً، وانتهى قطاع هام من العملاء السريين في المخابرات وغيرها إلى أن تحولوا إلى مستشارين أمنيين وسياسيين، يعملون كمتعهدين خاصين في شركات دعاية وإعلان، يقدمون خدماتهم القذرة لمن يدفع، لأغراض التأثير الكثيف على المجتمعات المستهدفة.
كانت أولى أفدح النتائج الخطيرة على مجتمعات الشرق الأوسط لجهود شركات العلاقات العامة الأميركية، هي الحملة التي شنتها في العالم الإسلامي لجمع المقاتلين المهووسين، وإرسالهم بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية والسعودية والأردنية والإسرائيلية والمصرية، للقتال في أفغانستان ضد قوات الاتحاد السوفياتي التي كانت تساند وقتها الحكومة الشرعيّة للبلاد. لحقت بها بعد ذلك، تجارب أخرى منها الشركة التي تولّت إدارة التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب الأهليّة الأخيرة في لبنان، وتلك التي قادت الحملة لتحرير الكويت (هل تذكرون نيرا الصباح ابنة السفير الكويتي في واشنطن التي مثّلت دور ممرضة في مستشفى ولادة كويتي مزعوم اقتحمه الجنود العراقيون؟)، وأنتجت كذلك قصص الدّجالين توني بلير وكولن باول عن أسلحة الدّمار الشامل في العراق، وتمثيليات إسقاط تماثيل الرئيس العراقي صدّام حسين بعد الغزو الأميركي في ٢٠٠٣، وبعدها في مصر إبان ما عُرف بانتفاضة يناير ٢٠١١، وفي ليبيا التي أسقط نظامها المركزي لمصلحة أمراء حروب فاسدين تدعمهم أجهزة استخبارات غربيّة متنافسة، وانتهاء بشركات عدّة تتولى الجوانب الناعمة من الحرب الكونيّة على سوريا التي وصلت إلى أبعاد سوريالية من التعمية والتضليل والخداع لم توظف بهذا الحجم العجيب في أيّ مسألة سياسية من قبل.
ولأن الشأن السوري ما زال موضوع الساعة، فلا بدّ أن نذكر «بيربوس إنكوربوريتيد» .Purpose Inc، وهي مؤسسة علاقات عامة ضخمة يرأسها جيريمي هيمان ـ الذي أسس Avaaz ـ مجال تخصصها بناء وتنشيط الحركات التي تستهدف معالجة قضايا العالم الكبرى. وهي تعمل مقابل عقود بالملايين للتأثير على الرأي العام، وفي ما يتعلق بالشأن السوري تحديداً فقد أطلقت ما يعرف رسمياً بـ«الحملة السوريّة» Syria Campaign.
بدأت «الحملة السوريّة» ـ وفق موقعها الإلكتروني ـ في ٢٠١٤، وكان أول مجهوداتها التعتيم الكثيف على الانتخابات الرئاسية السورية التي جرت في حزيران من العام نفسه، وهي ضغطت على «فايسبوك» وقتها ليزيل مواد متعلقة بتلك الانتخابات من الفضاء العام. لكن جهود «الحملة» الرئيسية تركزت بعد ذلك حول دعم ربيبتها «منظمة الخوذات البيضاء» باستخدام أدوات الإعلام والميديا التقليديّة بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب حملة على مواقع الإنترنت تحت اسم «بلانيت سوريا» تركز على الجانب العاطفي لاستدرار جهود الحرب على سوريا. ويعمل في الشركة خبراء تسويق واتصال وعلاقات عامة يتوزعون على مواقع في لندن ونيويورك وبيروت.
لا يعلم الكثيرون أن «الحملة السوريّة» مسجلة في الواقع في المملكة المتحدة كشركة تحت اسم مشروع الأصوات The Voices Project. وهي لا تخفي أنها تلقت الإعانات من مؤسسة «الإخوة روكفلر» الأميركية المعروفة منذ عقود بأنها واجهة للمخابرات المركزّية الأميركية، وكذلك مؤسسة أيمن الأصفري المشبوهة، بالإضافة إلى مصادر أخرى لا تفصح عنها الشركة يقال إن أهمها الـUSAID.

تلقت «الحملة السوريّة» الإعانات من مؤسسة «الإخوة روكفلر» المعروفة بأنها واجهة للـ CIA

منظمة الخوذات أو القبعات البيضاء التي تديرها «الحملة السوريّة» أسستها بريطانيا والولايات المتحدة في ٢٠١٣ لتقوم بلعب دور مزعوم كمنظمة دفاع مدني في المناطق الخاضعة لحكم إرهابيي «جبهة النصرة» المدعومين من مخابرات البلدين (في إدلب وحلب الشرقيّة)، وهي تتبع شركة مسجلّة في دبي يديرها جندي سابق في الجيش البريطاني معروف تورطه في تقديم خدمات أمنيّة غامضة. ويقدم متطوعو المنظمة (وهم حقيقة موظفون يتلقون بالفعل أضعاف رواتب الدفاع المدني السوري ــ الحكومي) خدمات إعلاميّة أكثر منها طبيّة للمناطق الخاضعة لـ«النصرة» حصراً، وهم ناشطون بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويزوّدون وسائل إعلام اليمين العالمي بمواد ملفقة غالباً يجري تصويرها على الأرض لخدمة الأغراض الدعائية ضد النظام السوري. وقد نشر باسم رئيسهم مؤخراً مقالة في جريدة «نيويورك تايمز» النافذة ــ في صفحة كاملة تقريباً ــ كان واضحاً بعد التحليل أنها كتبت بيد خبير تسويق إعلامي أميركي من «الحملة السوريّة» على الأغلب.
وتحوز المنظمة على دعم مادي ولوجستي وإعلامي هائل عبر وسائل إعلام اليمين في الغرب ليس أقله دعوة صحيفتي «غارديان» و«إندبندنت» أخيراً لمنحها جائزة نوبل للسلام. وقد تصدرت غلاف مجلة «التايم» الأميركية في عدد ١٧ تشرين الأول الحالي، ونشرت عنها مقالات داعمة في صحف أميركية كبرى، وأذيع أخيراً عنها برنامج وثائقي على موقع «نيتفليكس» أظهر متطوعيها المزعومين نجوماً.
وتدعو منظمة الخوذات البيضاء من خلال موادها الترويجية على الإنترنت إلى فرض حظر جوي فوق سوريا، وتدعمها في ذلك منظمة الحشد على الإنترنت المسماة Avaaz، والأخيرة تأسست في ٢٠٠٧ بالاستفادة من منحة قدّمتها مؤسسة جورج سوروس ــ وهي منظمة معروفة كقناة لتوزيع الأموال خدمة لمشاريع وكالة الاستخبارات المركزّية الأميركية، وتنفق بسخاء على منظمات تتخذ قناع الخدمات الإنسانيّة لكنها تشارك بفعالية بمجهودات الحرب النفسيّة والإعلاميّة ضد سوريا. تتبنى Avaaz قضايا بيئية وإنسانيّة للتمويه، لكنها غايتها الأساسيّة دائماً مشاريع وأجندات تدعمها وزارة الخارجية الأميركية، بما فيها الحملات ضد فنزويلا، والحملة من أجل منطقة حظر جوي فوق ليبيا، والآن حملة ذوي الخوذات البيضاء لفرض حظر جوي فوق سوريا. Avaaz هو إسم العمليات الحركي لمنظمة شديدة الغموض، مسجلة كمنظمة لا تتوخى الربح في الولايات المتحدة تحت اسم «وقفيّة الدعم والتنظيم العالمي» ولها علاقات وثيقة بشخصيات شديدة الارتباط باليمين الأميركي.
وعلى الرغم من أن «الخوذات البيضاء» تستمر في خداع الشعوب في الغرب والعالم، فهي تحظى بعشرات الملايين من الدولارات من الحكومات والمنظمات والأفراد التي تنتهي بالطبع في جيوب الإرهابيين في «جبهة النصرة»، لكنها للحقيقة لم تفز بجائزة نوبل ــ برغم الحملة المرتبة في وسائل إعلام اليمين ــ ذلك نتيجة حملات تصدٍّ مضادة واسعة النطاق على الإنترنت، كشفت زيف المنظمة وخداعها، وعضوية إرتباطها بالإرهابيين في «جبهة النصرة» والغزاة الأميركيين معاً، وهي حملات تفوقت في فعاليتها على أصوات المؤيدين لمنح الجائزة لها.
لا شك أن جهوداً مماثلة ينبغي أن تُبذل للاستمرار في تعرية مسرحية «الخوذات البيضاء» ومثيلاتها من وليدات السفّاح الآثم بين أجهزة المخابرات ووكالات العلاقات العامة والإعلان الأميركية، التي لا تتوب عن ممارسة الخداع كي تمنح الإرهابيين وقتاً أكثر لسفك دماء السوريين، بينما تسدد فواتيرها الخيالية بأموال عربيّة غالباً أو بالأموال العامة للشعوب المخدوعة!

*باحث عربي