"على طول التّاريخ الرّوسي، كانت العدوانيّة توازي البقاء…".

من العدد الأخير لـ"ايكونوميست"

من أراد معرفة نوايا النخب الحاكمة الغربية تجاه روسيا، ما عليه الّا أن يقرأ العدد الأخير للمجلّة البريطانية اليمينية "ذا ايكونوميست"، التي أفردت، على مشارف الانتخابات الرئاسية الأميركية، ملحقاً خاصّاً عن روسيا وبوتين، يدعو صراحة الى مواجهة موسكو وردعها؛ ويشرح للغربيين ــــ كما يقول عنوان المقالة الرئيسية ــــ "الخطر الآتي من روسيا"، وأنّ "عدوانية" بوتين في مواجهة الغرب وجيرانه لم تنتج الّا عن اقتناعه بأنّ الغربيين لن يردّوا على "استفزازاته"، وانّه سيخرج من مغامراته هذه سالماً معافى.

"قوّة لا تريد أن تموت"

مع الإعلام الغربي السائد، لا تعرف إن كانت روسيا قوّةً عظمى خطيرة، مدجّجة بالسّلاح والمخططات لتخريب الديمقراطية الغربية، أم هي دولةٌ في حالة انحدار وركود، اقتصادها بدائي وقاصر، ونظامها يشارف على الانهيار. الـ"ايكونوميست" تريد أن تقنعنا بأنّ الحال هي الأمران معاً: روسيا، تقول المجلّة، هي في أضعف موقعٍ لها منذ 300 سنة، بعد أن استنفدت نفسها في صراعات مع الدّول الجرمانية الصّاعدة ثمّ، بعد الحرب العالمية الثانية، في مواجهةٍ مع الغرب واميركا ــــ خرجت منها روسيا في القرن الواحد والعشرين أقلّ مساحةً وسكّاناً، واقتصادها أصغر بكثيرٍ من اقتصاد الأعداء والمنافسين. في الوقت ذاته، تدفع المجلّة البريطانية، فإنّ روسيا ترفض أن "تموت بسلام"، وأن تتأقلم مع حالة انحدار تدريجي سلس، بل هي ــــ في وجود بوتين ــــ ستسبّب المتاعب للغرب، وتهزّ استقرار جيرانها، وتندفع في مغامراتٍ غير محسوبة.
في شرحها للسياسة الخارجية الروسية، اقتبست المجلّة من التلغرام الشهير لجورج كينان، أحد "آباء" الدبلوماسية الأميركية، ومن أبرز من دفع بسياسة المواجهة مع الاتحاد السوفياتي و"احتوائه"، تحت حجّة أنّ السلوك التوسّعي والصّدامي يقبع في "جوهر" الدولة الروسية ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، التعايش معه. حين كان دبلوماسياً في موسكو عام 1946، أرسل كينان تلغراماً طويلاً، هو أقرب الى ورقة بحثية، الى وزير الخارجية يشرح فيه جذور "العدوانية" الروسية ويوصي بالسياسة التي أدّت الى اندلاع الحرب الباردة. لم تجد الـ"ايكونوميست" أفضل من كينان لتشرح للغربيين لماذا يجب أن يخافوا من روسيا، حتى ولو لم تكن ندّاً عسكرياً. "لا توجد نية لدى روسيا لمهاجمة اميركا وحلفائها، ولكنها ستعمل بوسائل غير عسكرية لضرب المقدرات السياسية والاستراتيجية للقوى الغربية، وللتشويش على الثقة الوطنية بالنفس، وتسعير الاحتجاجات الاجتماعية والصناعية، ولتحفيز كل أشكال الانشقاق".
للمرّة الأولى منذ أيّام الحرب الباردة، تعود هذه "الفوبيا الروسية" الى الغرب، وتلوم الصحافة "أيادي خفية" من موسكو على مشاكل داخلية وسياسية، وصعود اليمين العنصري في اوروبا، والـ"بريكزيت"، بل إنّ تسريب الرسائل الالكترونية للحزب الديمقراطي عبر "ويكيليكس" أُلقي باللوم فيه ايضاً على المخابرات الروسية، وتقدّمه الصّحافة الغربية ــــ بكل جدية ــــ على أنّه "محاولة لتخريب الديمقراطية الانتخابية" في اميركا (حين تُسأل هيلاري كلينتون اليوم عن فضائح التسريبات، وهي كثيرة وخطيرة، تُجيب ببساطة انّها "لا تعلّق على ويكيليكس" وأنّ الاهتمام يجب أن يتركّز على "الاختراق الروسي" للديمقراطية الأميركية). لا حاجة هنا للتذكير بأنّ خطاب الإعلام العربي المهيمن عن روسيا، و"انتباه" الكثير من المثقفين العرب الى خطورة السياسة الروسية وكيف أنها تهدد عالمنا، ما هو الّا انعكاسٌ مشوّه لتصاعد الصدام بين الغرب وروسيا في الأعوام الأخيرة (حتّى في الـ"ايكونوميست"، يخجلون من تسمية روسيا "قوّة امبريالية").

هل بوتين هو المشكلة؟

الفكرة الأساسية لدى النخب الغربية، كما يقولون، هي أنّ بوتين قد "ارتدّ" على المسار الإصلاحي الذي أطلقه يلتسين بالتعاون مع الغرب، واختار نموذج "الدولة القوية"، المركزية، وبنى شعبية على تحدّي الغرب. الّا أنّ المشكلة، لو قرأنا بين السطور، هي أبعد من شخص الرئيس. الـ"ايكونوميست" تتكلّم باستمرار عن "تقليد للدولة الروسية عمره ألف سنة" يجب، برأيها، أن ينقلب؛ المجلّة تعتبر أنّ مشكلة بوتين هي أنّه يصنع "استمرارية" لنموذج الدولة السوفياتية، ويلعب على حاسّة العاطفة والحنين لدى المواطن الروسي. هناك تيّارٌ "جوهري" موجودٌ بقوة في مجال الدراسات الروسية في الغرب يمثّله باحثون مثل الراحل كين جاويت، الذي كان يعتبر أن لدى شعوب شرق اوروبا نزوعاً "طبيعياً"، في ثقافتها وتديّنها، صوب الاستبداد، والـ"ايكونوميست" تنهل من هذا المعين.
الأشخاص "الجيدون" في سردية المجلة اليمينية، في الجردة التي أقامتها لربع القرن الأخير في روسيا، يقتصرون تقريباً على يلتسين وايغور غايدار. لا يمكن أن نفهم سبب الهوة بين الإعلام الغربي والشعب الروسي من دون المرور على التبجيل الذي تسبغه المؤسسات الغربية على غايدار (وتسمى باسمه المراكز البحثية والمنح الجامعية)، وتعتبره نموذجاً للسياسي الروسي "الواعي"، فيما الرّجل، لو كان على قيد الحياة، لما تمكّن على الأرجح من السير في أغلب المدن الروسية، خوفاً من غضب مواطنيه. غايدار كان وزير المال الذي أشرف، في أوائل التسعينيات، على "علاج الصدمة" وانهيار قيمة الروبل (والمرتبات)، وانزلاق عشرات الملايين من الروس الى حالة الفاقة، وتخصيص القطاع العام الذي أوقع أهم المؤسسات العامة والمنتجة في روسيا في يد الاوليغارشيين. إن كان سواد المواطنين الروس يتفقون اليوم على أمر، فهو كراهية غايدار والفزع من ذكريات عهده، ولكنّه نجمٌ ديمقراطي في الغرب.
لم تلتفت الـ "ايكونوميست"، على ما يبدو، الى إحصاءٍ ورد في عددها، يلخّص جزءاً أساسياً من المسألة. بحسب مركز "ليفادا"، تعتبر أكثرية واضحة من المواطنين الروس (طوال السنوات 1996ــــ 2015) أنّ "النّظام الأفضل" لروسيا هو النظام السوفياتي، ويأتي "النظام الحالي" و"الديمقراطية الغربية" خلف هذا الخيار بفارقٍ كبير. مع ذلك، تصرّ المطبوعة على الكلام باسم الرّوس الذين "ثاروا" ضد الشيوعية، وتلوم الحكم الحالي لأنّه يرفض استكمال "المهمّة"، أي سحق روسيا بالكامل وبيع مواردها، وتقسيمها وفدرلتها (تؤكّد المجلّة، في أحد المقالات، بأن الحل الوحيد لروسيا هو في تفكيك الدولة، وخلق مراكز سياسية مستقلة، وترك كل منطقة تتطور على هواها). المشكلة هي أنّ "القوى الديمقراطية" الروسية الموالية للغرب، التي تتماهى معها الـ "ايكونوميست"، هي جماعةٌ نخبوية قليلة العدد، محصورة في مدينتين، ولا يمكن ــــ لأسباب اقتصادية وبنيوية ــــ أن تتحول الى أكثرية في المجتمع الروسي أو أن تصل الى الحكم عبر الديمقراطية والقرار الشعبي.

الحرب والحصار

منذ عامٍ ونصف عام، حصل حدثٌ جلل بمقاييس الإقتصاد الدولي، ولكن تم تغييبه في الإعلام. منذ الحرب العالمية الثانية، أقام النظام المالي العالمي بروتوكولاً لحماية نظام التسليف الدولي: لو توقفت دولة ما عن الدّفع لأيّ دائن، ولو استمرّت بدفع قروضٍ أخرى، فهي تسجّل فوراً، عبر صندوق النقد الدولي، كـ"دولة عاجزة عن الدفع"، وتتوقف كل المؤسسات الدولية عن تقديم قروضٍ لها حتّى تصلح وضعها. هذه الاستراتيجية ترمي الى توحيد موقف الدائنين، ومنع الدولة المستدينة من التفاوض معهم عبر الدفع للبعض وحرمان البعض الآخر، وهي أصبحت قاعدة أساسية في الحسابات المالية للدول. في شهر آذار من عام 2015، أصدر صندوق النقد الدولي بياناً مقتضباً يقول بأنّ اوكرانيا، استثنائياً، لن تعتبر "مفلسة" لو عجزت عن دفع قروضٍ عليها، وسيستمر الصندوق وباقي الدائنين بالتعامل معها. سبب القرار كان استحقاق دينٍ روسي، أكثره فواتير غازٍ على اوكرانيا، بقيمة تقارب العشرين مليار دولار. بمعنى آخر، علّقت مؤسسات دولية العمل بنظامٍ "مقدّس"، من دون نقاش، لإعفاء اوكرانيا (فعلياً) من دينها الروسي، وللتوضيح بأنّ روسيا هي خارج مظلة الحماية الدولية، حتى في أمرٍ بديهي كهذا.
الكثير من المواطنين الروس مقتنعون بأنّ الغرب يشنّ حرباً عليهم، وأنّهم، في حال الهزيمة، سينتهون الى مصيرٍ أسوأ من اوكرانيا، وأنّ دعاية الـ"ايكونوميست" ليست الّا جزءاً من هذه الحرب (اوكرانيا تحت الوصاية الغربية، بالمناسبة، عادت منذ أشهر الى حكم الاوليغارشيين، وقد أزاحوا شخصيات "المجتمع المدني" القليلة التي زيّنوا بها بداية حكمهم، والنظام منشغلٌ الآن بسجن الصحافيين وصفقات الفساد). أكثر هؤلاء "الروس العاديين" هم، حقيقة، مواطنون منعزلون عن العالم الخارجي، همّهم ظروفهم اليومية ورواتبهم وخدماتهم، ولكنهم يستشعرون بأنّ هذه الأمور البسيطة، وليس طموحاتهم الامبراطورية، هي تحت التهديد، والـ"ايكونوميست"، التي تكلّمت ــــ بحبور ــــ عن "لحظة انفجار روسيا من الداخل"، تؤكّد لهم أنهم في دائرة الاستهداف.