ازدادت خلال الأيام الماضية القراءات الإعلامية والسياسية عن مدی اتساع هوة الخلاف بين السعودية ومصر، وعن التداعيات المحتملة للاتجاهات المصرية في الملف السوري في ضوء التقارب المصري ـ الإيراني. ويتحدث البعض عن التوتر في العلاقات بين القاهرة والرياض في ظل الخلافات الراهنة وضمّ مصر إلى المحور الروسي ــ الإيراني الذي سيؤدي إلى إعادة نظر مصر في علاقاتها الإقليمية، ومنها العلاقة مع إيران.

من الواضح أن حدّة الخلافات بين الرياض والقاهرة التي تنبع من وجود تباين في الرؤى بين البلدين بشأن بعض الملفات، قد تفاقمت خلال الآونة الأخيرة ووصلت إلى ذروتها في الملف السوري. نعلم أن مصر تتبنى في هذا الملف وجهة نظر أقرب إلى الاتجاه الروسي ـ الإيراني منها إلى الرياض. لكن هذا التقارب برغم وضوح موقف مصر حيال سوريا، لا يبدو تقارباً استراتيجياً من منطلق إعادة نظر مصر نهائياً بعلاقاتها الإقليمية، بما فيها إعادة العلاقات مع إيران. في الحقيقة، تريد مصر أن تلعب دوراً مستقلاً ومتوازناً في الشرق الأوسط، لكنها تواجه حواجز وتحديات داخلية وخارجية واقتصادية وسياسية، وتقف عقبة فى سبيل تكوين استراتيجية جادة وبناءة في الوقت الراهن، فلذلك تحاول كسب جميع الأطراف حفاظاً علی مصالحها العامة.

تريد مصر أن تلعب دوراً مستقلّاً ومتوازناً في الشرق الأوسط

وبغض النظر عن التقارب الروسي ـ المصري الذي يمكن تفسيره بسعي القاهرة للاستناد إلى حليف دولي قوي في مواجهة الإدارة الأميركية وأي خلافات مُحتملة بعد الانتخابات الرئاسية، إلى جانب محاولتها وقف عدد من القرارات الروسية التجارية والسياحية، فأي محاولة مصرية للتقارب مع إيران تواجه عوائق وفي طليعتها الواقع الاقتصادي المصري. لا شك أنّ مصر تعاني من أزمة اقتصادية حادّة وأنّ الحكومة الحالية قد راهنت منذ تشكيلها على إمكانية الحصول على أكبر دعم اقتصادي ممكن من السعودية وحلفائها في مجلس التعاون. فأي تقارب بين مصر وإيران بإمكانه أن يؤدي إلى وقف المساعدات الاقتصادية من السعودية وبعض دول مجلس التعاون، ما يجعل مصر في وضع اقتصادي أكثر حرجاً. ولا يبدو أن مصر ترغب في التضحية بالمساعدات التي تأتي إليها من هذه الدول.
ثاني هذه العوائق هو العلاقة مع الكيان الإسرائيلي. وقد شهدت مصر منذ تشكيل الحكومة الحالية توطيد التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، خصوصاً في مجال محاربة الإرهاب في سيناء، كما شهد هذا العهد إعادة افتتاح السفارة الإسرائيلية في القاهرة والتنسيق الأكبر بين الجانبين في مواجهة حركة «حماس». فلا يمكن للكيان الإسرائيلي أن يقف متفرجاً أمام تقارب مصري ـ إيراني، في حين أنه يبذل قصارى جهده لإيجاد مزيد من الشرخ بين إيران والدول العربية. فيمكن القول إن أيّ تقارب بين مصر وإيران سيدفع إسرائيل للضغط على مصر أو سحب البساط من تحت أقدام الحكومة الحالية. أما العائق الثالث فيكمن في الخطوط العريضة للسياسات الأميركية في المنطقة، حيث تسدّ الطريق أمام كل محاولة لتجميع القوى في المنطقة أو وجود دولة مسيطرة فيها.
وتسعى مصر إلى أن تبرز استقلالها وفاعليتها في السياسة الخارجية وتقلّص من الضغوطات الخارجية على سياساتها، لتتمكن من صنع قرار مستقل حيال الملف السوري. وقد أخذت قراراً ملفتاً للنظر في الابتعاد عن السعودية خلال المعركة اليمنية حيث رفضت الطلب السعودي بإرسال القوات البرية إلى اليمن. وفي ظل هذه الظروف، تبدو العلاقات المصرية ـ الإيرانية مركّبة ومعقّدة. كل طرف في هذه العلاقة يدرك قيمة الطرف الآخر وتأثيره، لكن وجود هذه العوائق والتحديات ونهج الحكومة المصرية من خلال إدارتها مع كل الأطراف بشكل لا تتعارض مع مصالحها السياسية أو القومية والاقتصادية والأمنية، يعني أن مصر ستظلّ تتعامل بحذر مع تطبيع العلاقات مع إيران، حتى بالرغم من التقارب في وجهتي النظر تجاه الملف السوري الذي يمثّل دافعاً للتقارب بين البلدين. فيمكن القول إن هذه التطورات لا تغيّر شيئاً في طبيعة العلاقات بين القاهرة وطهران في ظلّ استمرار هذه العوائق والقيود والمخاوف، بالرغم من المميزات التي يمكن أن تتمتّع بها الدولتان في حال تطبيع واستعادة العلاقات.

* خبير في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا