إن الحديث عن الاستراتيجية الوطنية، المنشودة أو المفترضة أو حتى المزعومة، للنهوض بالجامعة اللبنانية وتحديثها يندرج ضمن إطار المقاربة البانورامية الشاملة للسياسة العامة التي تتبعها الدولة اللبنانية، أو بالأحرى الحكومة اللبنانية، أو التي يُفترض أن تعتمدها، على صعيد التربية الوطنية والتعليم العالي كما البحث العلمي، الأمر الذي يحيلنا على واقع التعليم العالي في لبنان، بتحدياته ومشاكله، وسبل المواجهة أو المعالجة.

إن البحث في ماهية ومضمون هذه الإستراتيجية الوطنية لتطوير الجامعة اللبنانية، وهو موضوع هذه المقالة، يفترض التأكيد على مجموعة من العناوين أو الأفكار الرئيسية، والتي تحيلنا على مجموعة من البنود أو المحاور الأساسية في البرنامج أو المشروع الوطني لإعادة بناء وإصلاح التعليم العالي في لبنان، ومن ضمنه الخطة أو المبادرة الوطنية لتحفيز وتفعيل الجامعة اللبنانية، وذلك كما يلي:

المكانة والدور

إن الخوض في استراتيجية التطوير أو التحديث للجامعة اللبنانية يبدأ، أو إنه يُفترض أن يبدأ، من التأكيد على مسألة الدور الرسالي والأكاديمي والوطني أيضاً لهذه الجامعة اللبنانية دون سواها من الجامعات اللبنانية أو الجامعات في لبنان، ليس من زاوية ما تقدمه في مجال التربية أو التعليم أو التدريس الجامعي فحسب، ولكن أيضاً بوصفها ملتقى أو منتدى للوحدة الوطنية، وكذلك لكونها مختبراً أو منبراً للحوار الوطني بين مجمل الفئات أو الشرائح الاجتماعية والاتجاهات السياسية والفكرية ومختلف الأحزاب والطوائف والمذاهب، على قاعدة التسليم، بل الإيمان أيضاً، بمثل هذا الدور وهذه الرؤية أو القناعة، الأمر الذي يقودنا بالتالي للتأكيد على مسألة مكانة الجامعة اللبنانية.
فالدور الذي تؤديه الجامعة اللبنانية وحدها بتوفير مساحة أو حيّز للتفاعل الوطني بين جميع اللبنانيين، على اختلاف معتقداتهم الدينية وخياراتهم السياسية وطبقاتهم الاجتماعية، إضافة إلى تأمين خدمة التعليم العالي بمعنى الدراسة الجامعية شبه مجاناً، من شأنه تعزيز مكانة هذه الجامعة وتكريسها، وهي ستبقى مكانة متميزة، إن لم تكن أو لم نقل متقدمة أيضاً، فلا أحد يضاهيها من حيث الحجم والقدرة على الاستيعاب والتحمل وخريطة انتشارها، ولا أحد يمكنه أن يحل مكانها، مهما بلغت الصعوبات أو العراقيل؛ هي كبرى الجامعات في البلد، وهي جامعة الدولة وجامعة الوطن وجامعة الشعب، وليست جامعة الطوائف ولا المذاهب ولا الطبقات ولا حتى الامتيازات الأجنبية.

الدعم السياسي للتعليم العالي الرسمي

انطلاقاً مما تقدم، تبدو مسألة الدعم السياسي للتعليم العالي الرسمي أو الحكومي في لبنان، والمقصود الدعم السياسي للجامعة اللبنانية حصراً بطبيعة الحال، فهي الجامعة الحكومية أو الرسمية الوحيدة في هذا البلد، حاجة ملحة، بل ضرورة وطنية بامتياز؛ والمطلوب هو اتخاذ السلطة السياسية، الهيئات أو الجهات الرسمية كما كل الأطراف أو القوى السياسية، بمعنى كل الطبقة السياسية، قراراً سياسيّاً، يكون واضحاً وصريحاً وصادقاً، في هذا المجال. فالدولة أو الحكومة، ومن ورائها وخلفها كل السياسيين، معنية بتحمل المسؤولية السياسية إزاء الجامعة اللبنانية والالتزام بتوفير الدعم أو الغطاء السياسي لها، من دون تلكؤ أو مواربة أو مراوغة، كخيار وطني ثابت، ولا لبس فيه أو حوله، يجسد استراتيجية أو سياسة الحكم والوزارة في موضوع التعليم العالي ودور الدولة في هذا المضمار، بل مسؤوليتها الوطنية.
هذه المسؤولية الملقاة على الدولة اللبنانية، أو المفترضة حكماً، بمعنى المسؤولية التي يُنتظر أن تضطلع بها الحكومة اللبنانية في ما يعني الجامعة اللبنانية، وذلك عبر الوزارة أو الوزارات المعنية والمجالس أو الأجهزة المختصة أو الصالحة، وهي المسؤولية المبدئية والطبيعية، والتي لا بد ولا مفر منها، تستلزم منها في الواقع اتخاذ كافة الإجراءات السياسية واللوجستية الضرورية لاستمرار عمل هذه المؤسسة العامة بفاعلية. فالإسراع أو المبادرة إلى اتخاذ هذا الموقف السياسي من شأنه تحصين الجامعة اللبنانية والمحافظة على استقلالها، أو بالأحرى ضمان استعادتها لاستقلالها المالي والإداري، وتعزيز موقعها وتحسين واقعها وشروطها في الداخل والخارج، حيث يفضي إلى الحد من التدخل السياسي ومنع الوساطة السياسية أو إقحامها في غياهب اللعبة السياسية وإخضاعها لبراثن الحسابات السياسية.

الدعم المالي

استكمالاً لما ورد أعلاه، تصبح مسألة الدعم المالي للجامعة اللبنانية أو التعليم العالي الرسمي في لبنان نتيجة منطقية وطبيعية، بل لازمة حتميّة، للقرار أو الموقف السياسي بمساندة ومساعدة الجامعة اللبنانية للخروج من أزمتها كما للنهوض من كبوتها في إطار المشروع أو التصوّر السياسي المتكامل الذي يصبّ في مصلحتها، والذي يفترض بالضرورة العمل بكافة الوسائل والأساليب أو السبل لإيجاد مصادر التمويل أو الدعم المالي وتعبئة كل هذه الإمكانات المالية والاستفادة منها، سواء من ضمن الموازنة العادية والخاصة بالجامعة أو عبر توفير القروض الميسّرة والهبات من المؤسسات أو الهيئات المانحة واستقطاب الرساميل الوطنية والأجنبية بقصد الاستثمار في عملية تمكين الجامعة اللبنانية.
لن يكون من السهل أبداً زيادة حجم ومقدار الدعم المالي للجامعة اللبنانية، ولكن المطلوب البحث في كيفية مضاعفة الموارد المالية والإمكانات المادية والعمل على ذلك، إذ ليس من المعقول أو المقبول أن يصار إلى تقليص موازنة الجامعة أو تأخيرها وإهمال أبنيتها المملوكة أو المستأجرة والتقصير بحق أساتذتها وموظفيها وعمالها ومستخدميها والإمعان والإفراط في كل ذلك، لأن من شأن كل هذه الممارسات أو الارتكابات أن يترك أثراً بالغ السوء على صورة ومكانة الجامعة وأهلها، وأن يربك ويقوّض، بل يضرب حتى، عجلة مسيرة التقدم العلمي والمعرفي والتقني والتكنولوجي في الجامعة، ويجعلها فريسة وأسيرة الحلقة المفرغة والدائرة المقفلة لهذا الواقع المزري والمرير.
إن تأمين الموارد المالية اللازمة والكافية لتغطية كامل نفقات وأعباء الدعم المالي للجامعة اللبنانية يقتضي مشاركة جميع الأطراف المعنية أو المهتمة، سواء الجهات الرسمية أو غير الرسمية والخاصة والأهلية، في الداخل ومن الخارج على حد سواء، ومن الفاعليات المحلية والوطنية أو حتى الأجنبية، وانخراطها في مثل هذا المشروع الوطني والاستثماري الكبير، على قاعدة توظيف واستخدام تلك الإمكانات المالية، المتاحة أو المتوافرة، في تلبية احتياجات الجامعة ومعالجة مشاكلها بإعادة تأهيل المباني والمقرات والمراكز الجامعية واستكمال واستحداث التجمعات أو المدن الجامعية وصيانة وتحديث التجهيزات والمعدات وتحفيز وتمكين الكوادر البشرية التعليمية والإدارية والفنية.

المطلوب البحث في كيفية مضاعفة الموارد المالية للجامعة اللبنانية

إعادة النظر في التعليم العالي غير الرسمي

في السياق نفسه، تبقى مسألة إعادة النظر بواقع التعليم العالي غير الرسمي في لبنان، بمعنى القطاع الخاص المحلي والأجنبي، في إشارة إلى باقة الجامعات الخاصة العاملة أو المعتمدة في هذا البلد، أولوية تفرض نفسها، إذ لا يمكن التنصل منها، أو ربما الالتفاف حولها، بالنظر إلى ظاهرة التكاثر الكبير والعشوائي وغير المنظم للجامعات الخاصة في لبنان، من دون مراعاة المعايير أو الاعتبارات التي تتصل بحاجة السوق المحلية وقدرتها على الاستيعاب وجودة التعليم العالي ومستوى ونوعية الشهادة الجامعية، كما صورة وبنية التعليم العالي في لبنان بمجمله، لجهة تماسكه وتجانس وتكامل أجزائه ومكوناته من مؤسسات جامعية ومعاهد عليا ومراكز أبحاث ودراسات.
بهذا المعنى، قد لا يكون كافياً أبداً مجرّد الالتزام أو التقيد بالشروط القانونية، القائمة أو المرعية، لاستحداث وإنشاء جامعات أو مؤسسات جامعية جديدة، فالخريطة الوطنية أو بمعنى أصح الدليل الوطني للجامعات ومؤسسات التعليم العالي في لبنان يذخر بالكثير منها، والبعض منها جامعات عريقة ومحترمة، في حين أن بعضها ربما نشأ على خلفية اعتبارات سياسية، طائفية ومذهبية ومناطقية ومحلية تعكس مصالح ضيقة، أو أتى نتيجة مغامرات أو صفقات استثمارية وتجارية بقصد الربح المادي والتسويق أو الترويج الشعبي على قاعدة المفهوم التقليدي للزبائية السياسية في تقديم الخدمات وإعطاء الشهادات والتوظيف وجني الأرباح، وأقول بعض الجامعات في إشارة إلى الذهنية الريعية كما المركنتيلية التي سادت وما تزال مسار نشأتها وأدائها وسير عملها، والمحفورة في العقول المدبرة وبالأيادي الميسرة لمثل هذه المشروعات أو التوظيفات أو الاستثمارات.

إعادة هيكلة التعليم العالي غير الرسمي

من هذا المنظار، تغدو مسألة إعادة هيكلة التعليم العالي غير الرسمي أي الخاص بلبنان في سياق إعادة النظر بواقع التعليم العالي فيه، كل التعليم العالي، بطريقة شاملة، مطلباً أساسيّاً وبنداً يفرض نفسه على مجمل مشاريع ومقترحات التنمية الشاملة والمتوازنة والإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وهي بالتأكيد، ومن دون أدنى شك، ستكون، فيما لو قدر لها أن تسلك المسار الصحيح في التقييم والمراجعة والتصحيح الهيكلي أو البنيوي والتقويم الوظيفي والسلوكي، وأن تبصر النور، خطوة جريئة وإنقاذية، ليس للجامعة اللبنانية وحدها، وبقية الجامعات في لبنان أيضاً، ولا حتى للطلاب والأجيال الصاعدة، بل للبلد والدولة والنظام السياسي بالنظر إلى دور التعليم كما التربية، خاصة في المراحل أو المستويات العليا والمتقدمة، في بناء المجتمع ومؤسساته وكوادره ونخبه كافة.
إن الجامعة اللبنانية أكثر ما تكون بحاجة إلى الصراحة كما المباشرة، فالتصريحات والخطابات والشعارات التي ترفع من هنا وهناك وتتواتر لم تعد كافية، وهي لم تعد تنطلي على أحد، لا سيما أهل الجامعة وأبنائها، ومنهم العديد بل الكثير من الرجالات الوطنية والفكرية. والخصخصة التي شاعت واجتاحت مجالات الحياة العامة والخاصة لا تعني بالضرورة ضرب وإلغاء دور وحضور ووجود الجامعة اللبنانية؛ كما لا تعني فتح الأبواب على مصاريعها أمام كل من يريد الولوج إلى هذا المجال الوطني والسيادي بأساليب وطرائق وخلفيات نفعية وانتهازية وغير مبدئية، أيّاً كان، من دون مراقبة عميقة ومتابعة جدية وضبط مُحكم لهذه العملية المتكاملة.
لقد حان الوقت للشروع بورشة عمل من أجل إنقاذ الجامعة اللبنانية، أو لنقل النهوض بها، إذ أنه لا غنى عنها، وهي باقية لا محالة، مهما حصل، على أن تبدأ ورشة العمل هذه من داخلها، وتولد من رحم تلك التجربة التي يخوضها أهل الجامعة، وهم الأدرى بحالها والأحرص على مستقبلها، ثم تنتقل إلى المعترك السياسي وتشمل كل المعنيين والمسؤولين من سياسيين ومستثمرين ومثقفين وناشطين، فهناك الكثير مما يمكن أن يقال ومن الأفكار أو الطروحات البناءة، الجديدة أو المستجدة، والتي يمكن بل يجدر مناقشتها والتداول بشأنها، بكل جرأة ومسؤولية وبكل موضوعية، من زاوية المعرفة والإحاطة بأبعاد الموضوع وجوانبه، ومن باب الحرص على إنجاز المقاصد والأهداف.

* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية