ما يحصل الآن ليس تعبيراً عن انهيار منظومة إقليمية قوامها «دول وطنية» وأنظمة حكم مستقرّة فحسب بل هو أيضاً استمرار لآلية التحطيم الاجتماعي التي بدأتها قوى امبريالية في الثمانينيات من القرن الماضي. منذ ذلك الحين ونحن نشهد فصولاً متعاقبة من الانهيارات الاجتماعية التي تبدأ بسقوط نظام الحكم ولا تنتهي بانقسام المجتمع وتأليب قواه المختلفة على بعضها البعض عبر تغذية أنماط معينة، وغالباً ما تكون عدمية من التمرّد الاجتماعي.


ماهية التمرّد

هذا التمرّد لا يراعي الممكنات الموجودة داخل العملية الاجتماعية ويعمل غالباً على تجاوزها، فاتحاً المجال أمام عمليات هدم وتجريف لا تنحصر بالسلطة القائمة وإنما تتعداها لتطاول كلّ القطاعات الاجتماعية الرافضة لهذا الشكل من «الاحتجاج». وهو ما يقود بالضرورة إلى احتراب أهلي داخل المجتمع، إذ يصبح التمرّد غاية في حدّ ذاته ولا يعود مجرّد آلية أو وسيلة لإرغام السلطة على التنازل وحملها على التسليم بوجود قوى أخرى يحقّ لها المطالبة بحقوق أو مكتسبات أو مطالب سياسية. حتى المطالب هنا تتغيّر طبيعتها، وتغدو ذريعةً سهلة للوصول إلى السلطة ومباشرة تحطيمها من الداخل. إذ بمجرّد الاصطدام معها - أي مع السلطة - تبدأ المجازر بالحدوث، ويتطوّر خطاب المظلومية تلقائياً، ولا يعود بالإمكان إيجاد تسوية مع النظام، فهو لا يكفّ عن القتل ولا يتنازل لخصومه عن أيّ مطلب يريدونه، وعندما يبدي استعداداً للتفاوض يكون هذا الاستعداد مجرّد ذريعة لكسب الوقت ومعاودة إخضاع التمرّد. من يَكسَب هنا ليس السلطة بالضرورة وإنما استراتيجية التمرّد التي تستفيد من عسف السلطة وعنادها لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل الهدم الاجتماعي والذي هو بالأساس غاية من غايات التمرّد. في ضوء ذلك تتقدّم القوى الأكثر راديكاليةً في التمرّد والأقلّ استعداداً داخله لقبول التسويات، وتأخذ في طيّ صفحة الماضي القريب، فتُوضِّب الشعارات التي كانت رافعةً للاحتجاجات الأولى وتتخلّص من رموزها وتُبعدهم تماماً عن المشهد، ليحلّ بدلاً منهم دعاة التخلّص من المجتمع الذي يوالي السلطة. هنا يبدأ الفرز الجدّي بين عناصر التمرّد فيُستبعد كلّ من يرفض التمييز بين أفراد المجتمع على أساس الدين أو الطائفة أو المُعتقَد أو العرق ويُحتفظ بالعناصر التي لا تمانع المضي في هذا الاتجاه، وغالباً ما تكون هذه الأخيرة وظيفية الطابع، وبالتالي مستعدّة لهضم الخطاب الطائفي واستعماله كأداة في التمييز ضدّ الجميع وليس فقط ضدّ السلطة وبيئتها. في هذه المرحلة تتطوّر الطائفية المُستخدَمة كثيراً، وتصبح هي الأساس في عملية التمرّد، ويترافق ذلك مع اتساع عمليات القتل التي يقوم بها أفراد ومجموعات من المتمرّدين بحقّ قطاعات واسعة من المجتمع. هذه القطاعات لا تنتمي في الأغلب إلى بيئة محدّدة ولا يُعرَف أصلاً إن كانت توالي السلطة أم لا، وهو ما يجعل منها هدفاً مرغوباً للتمرّد، إذ إن استهدافها يوسِّع من دائرة الاشتباك ويحضّ السلطة على ممارسة المزيد من البطش المضادّ بحجّة حماية المجتمع من المتمرّدين ومجازرهم.


التمرد لم يعد يستخدم الطائفية كأداة من
جملة أدوات متاحة

هكذا، تقع الفوضى وتتوسّع دائرة القتل و«القتل المضاد»، وتبدأ المجازر بحصد أفراد المجتمع ومن دون تمييز غالباً بين بيئاته، فالسلطة مستمرّة في القتل ولكنها تفعل ذلك كدولة تحمي نفسها من التحلّل والسقوط بينما المتمرّدون لا يفعلون المثل، ويقتلون لمجرّد الرغبة في القتل، وهو ما يجعل منهم خطراً داهماً ليس على السلطة فحسب، وإنما أيضاً على المجتمع الذي زادت انقساماته بفعل انخراطهم في القتال على أساس الهوية والمعتقد الديني.

من التمرّد إلى الإبادة

هذا الخطر أصبح وجودياً الآن، لأنّ التمرد لم يعد يستخدم الطائفية كأداة من جملة أدوات متاحة وإنما حوّلها في طوره الابادي الحالي إلى نسق واحد يعمل من خلاله على تدمير المجتمع ومنعه من التماسك والحفاظ على نفسه. وإذا لاحظنا فإنّ القوى المتمرّدة التي لا تزال حريصة على حقن الدماء وإيجاد سبل مناسبة للتسوية هي الأكثر عزلة من غيرها، وهي التي تتعرّض باستمرار لعمليات اغتيال بدعوى تواصلها مع السلطة وخيانتها «لمبادئ التمرّد». بالطبع هي ليست حريصة تماماً على المجتمع وإلا لما لجأت إلى التمييز ضدّ أفراده على أساس طائفي، ولكنها أدركت بعد كلّ القتل الذي مارسته أن تمرّدها لن يأتي بنتيجة وسيدفع بالمجتمع الذي يحتضنها إلى لفظها تماماً كما لفظ السلطة من قبل. وهذا بالضبط هو ما حدا بها إلى القبول باستراتيجية التسويات، حيث يعتمد تمرّدها بشكل أساسي على احتضان المجتمع له، وحين يرفضه هذا الأخير ويعتبره عبئاً عليه فسيفشل بالضرورة، وسيغدو في أحسن الأحوال استنزافاً متواصلاً لقوّة هذه المجموعات وتماسكها. الصلة بالمجتمع هنا والقرب منه لعبا دوراً أساسياً في «إنهاء التمرّد» أو في إخضاعه لرغبة المجتمع، في حين أنّ القوى التي تهيمن على التمرّد وتقوده الآن لا تعترف بهذا القرب وتعتبره عائقاً أمام مشروعها القائم على تحطيم المجتمعات ومنعها من إحداث التراكم الضروري لتقدمها. التسويات بهذا المعنى هي فعل تراكم، ومع أنها تعبر عن لحظة ضعف تجاه السلطة إلا أنها تتيح للمجتمع معاودة تجميع قواه، وقد يكون ذلك ضدّ مصلحة السلطة، ولكنها تسمح به لأنها منهكة هي الأخرى ومحتاجة إلى استراحة من الحرب التي يقودها التمرّد المحلّي ضدّها. الطرفان هنا يعوّلان على التسوية وعلى ما تتيحه من إمكانات لترميم ما أفسدته الحرب داخل المجتمع، فبالنسبة إليهما الاحتراب هو مشروع موقّت بينما التسوية هي حلّ دائم وعلى أساس هذا الحلّ يمكن معاودة بناء المجتمع من جديد. والحال أنّ ما يسمح بذلك هو وجود قوى نافذة على الجهتين تدفع باتجاه هذا «الحلّ» وتملك الإمكانات اللازمة لتطبيقه وفرضه على الآخرين، وهذا ممكن حالياً بالنسبة إلى السلطة على اعتبار أنّ «قرارها مركزي» وغير خاضع لتجاذبات القوى داخلها، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى التمرّد الذي لم تعد تقوده القوى المحلّية الراغبة بالتسوية، لا بل أصبحت بمثابة قوّة اعتراض عليه ليس أكثر. هي الآن تتعرّض بفعل هذا الموقف إلى «حملات إبادة» مركّزة، فحرصها على المجتمع يثير جنون التيار الإبادي المسيطر على التمرّد ويمنعه من الإخلال بالتوازنات القائمة بينها وبين السلطة، ولذلك يستهدف قياداتها بالقتل ويحاول إخراجها من أيّ مكان يصل إليه أثناء زحفه إلى المركز. هو بالفعل يقوم تجاه هذه القوى وغيرها بممارسات إبادية، فبعد أن يقضي عليها تماماً ويحتلّ بيئاتها يتوجّه إلى حيث توجد السلطة وخصوصاً في الأطراف حيث يتعذّر عليها المواجهة كما يجب، فيخرجها من هناك ويمثّل أبشع تمثيل بعناصرها، ثم يواصل الزحف إلى المركز.
يفعل ذلك بالاعتماد على العناصر الخارجية التي لا تربطها بهذا المجتمع أيّ صلة وبالتالي يسهل عليها تحطيمه وجعله يعاني إلى هذا الحدّ، وقد يعتمد أيضاً على القوى المحلّية التي أمكنه شراؤها بالمال بعد هزيمتها وإجبارها على مبايعته وإعلان الولاء المطلق له. أما الناس الذين يخضعون لسلطته في المناطق التي يحتلّها فغالباً ما يُعامَلون كالعبيد، حيث تُنتزَع منهم الحقوق الأساسية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية) لقاء توفير بعض الخدمات التي كانت متوافرة أساساً قبل وصول التيار الإبادي إليهم. على الأقلّ في حالة وجود السلطة أو التمرّد المحلّي كانت المساوة في الحقوق والواجبات موجودة رغم التفاوت الذي كان حاصلاً أيضاً، في حين أنها معدومة الآن، والأسوأ من انعدامها ولادة نظام امتيازات يشبه من حيث البنية والممارسات النظام الإقطاعي. هذا النظام يمنع حالياً توزيع الدخل المنهوب أصلاً، ويحتفي بالعبودية، ويكرّس الفصل بين الجنسين، ويؤسّس «لنظام قضائي» بالاعتماد على أحكام الشريعة وحدها.
يقول التروتسكيون عن هذه الحركات إنها تمثل «الثورة المضادة» في الإقليم، والحال أنها بدأت كذلك حين كان التمرّد المحلّي الداخلي في أوجه، لكنها تحوّلت الآن إلى أنظمة حكم تبزّ الأنظمة القائمة وتضعها في جيبها. بالقياس إليها يصبح نظام الأسد وقوى التمرّد التي تقاتله في الداخل هما «الثورة».
* كاتب سوري