أمضيت السنوات الأربع عشرة الماضية في العمل مع الحركات التي تعنى بالعدالة الاجتماعية وحقوق السكّان الأصليين في أميركا اللاتينية والعالم العربي. منذ خمس سنوات، كنت واحدة من المشاركين في ائتلاف القوى والمجموعات التي قامت بتنظيم أسطول الحرّية والذي أبحر الى قطاع غزّة في عام 2010. بعد الغارة الإسرائيلية على الأسطول، قمت بإلقاء اللوم على نفسي بسبب فشلي في حماية بعض من زملائي في الأسطول.


فاقم هذا من شعوري المسبق بالذنب لعدم قدرتي على إنقاذ العديد من الأصدقاء، والرفاق، وحتّى أشخاص غرباء من لقاء حتفهم بشكل عنيف على مرّ السنين، في فلسطين والعراق وجنوب لبنان. في الأشهر التي تلت الهجوم على أسطول الحرّية، اتخذت بعض القرارات المستعجلة، تحت تأثير الحزن، واعتمدت تحليلاً لما حدث كان صادقاً في النيّة، ولكنه كان ساذجاً سياسياً ويصعب التوفيق بينه وبين العديد من القناعات التي أحملها كناشطة نسوية ويسارية.
قرّرت كتابة هذا المقال للوقوف عند سذاجتي السياسية قبل خمس سنوات، في ما يتعلق بالسياسة التركية والإقليمية، وأيضاً لأخذ العبر والتفكير بما يتعيّن على حركة التضامن بشكل عام فعله لتحمل المسؤولية عن الأخطاء التي ارتكبناها في الفترة التي سبقت الهجوم على أسطول الحريّة في 2010 والفترة التي تلته.
لدى حزب الشعوب الديمقراطي اليساري والعمال وحركات العدالة الاجتماعية فرصة حقيقية لتحدي الوضع السياسي القائم وحالة الاستقطاب والتعصب في تركيا في الانتخابات. انه من الضروري جدّاً لأولئك الذين يقولون بأنّهم متضامنون مع الشعب الفلسطيني ونضاله أن يتضامنوا من منطلق رفض كل أشكال التمييز والقمع وعدم المساواة حيثما وجدت هذه الممارسات، والوقوف مع رفاقنا في تركيا الذين يصدحون بالحقيقة في وجه السلطة.
منذ خمس سنوات، عملنا نحن المنظّمين والمشاركين في أسطول الحريّة، ضمن إطار تحالف دولي واسع من المجموعات، والتي شملت عدداً من المنظمّات والأفراد المحافظة بشكل مغال في تركيا والمنطقة – الذين اتضحّ منذ ذلك الحين وبشكل جلي دعمهم الإيديولوجي والمادّي للأصوليات الطائفية. إن فشلنا في ملاحظة السياسة اليمينية الرجعية لبعض المشاركين في الأسطول كان بالفعل مشكلة عميقة. فسذاجتنا أدّت أيضاً في نهاية المطاف الى إعطاء الزخم لتيارات وأحزاب سياسية التي يتعارض خطابها الأحاديّ الجانب مع الكثير مما نناضل من أجله في إطار حركاتنا الساعية الى العدالة الاجتماعية.


علينا أن نفضح حس الامتياز
لدى بيض البشرة أينما وجد


في أعقاب ما حدث مع أسطول الحرية، فشلنا في تحدّي المعايير المزدوجة التي تعتري خطاب التيارات السياسية التي، وإن كانت تقف بحقّ تضامناً مع الضحايا الفلسطينيين وأسر ضحايا الغارة على أسطول الحرّية، لا يمتّد تعاطفها ليشمل أسر القتلى من كافة الأعمار الذين قتلوا على يد الدولة والشرطة في وطن هذه التيارات. فشلنا في تحدّي أولئك الذين يدينون بحق القمع المستمر والنفي والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني، ولكن في الوقت عينه يؤيدون، وبشكل لا يُغتفر، سياسة انكار الإبادة الجماعية للأرمن في وجه الناجين من تلك المجازر وأحفادهم.
فشلنا في تحدّي التناقضات الجوهرية التي يبديها أولئك الذين يدينون بحق التمييز اليومي الذي يواجهه الفلسطينيون، ولكن مع ذلك يتجاهلون أو حتى يشجّعون التمييز المستمر ضد العلويين والأقليات العرقية والدينية الأخرى في تركيا. فبعض الذين تعاونّا معهم في أسطول الحرية، وإذ يقفون مع الشعب الفلسطيني في معاناته مع الحصار الخانق والقصف، لم يستجيبوا بنفس السرعة والإلحاح في الوقوف مع الذين يحسبون على المذاهب الشيعية، فيما هم يتعرّضون للهجوم المتواصل في البحرين واليمن وغيرها، أو مع المسيحيين في الموصل، أو مع الأكراد في عين العرب/ كوباني، أو مع الايزيديين في سنجار وغيرهم من المكوّنات الأخرى التي تواجه اخطاراً وجودية ونمطاً عدمياً وعبثياً من العنف.
ان رفاقنا في تركيا، اليوم والبارحة، هم أولئك الذين يكافحون ضد كل أشكال التعصّب والقمع – سواء هي ترتكب باسم اليمين القومي المعادي للأجانب، أو التفوق لعنصري الطائفي اليميني، أو النيوليبرالية اليمينية. رفاقنا هم المدافعون عن حقوق الانسان، والطلبة، والصحافيون، والموسيقيون، والناشطون الأكراد، والمستنكفون الضميريون، والنقابيون في السجون التركية وسجناء الرأي القابعون خلف القضبان في كل مكان في العالم. رفاقنا هم أولئك الذين يؤمنون بأنه هناك صلة بين كافة حركات الكفاح من اجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، من تشياباس وأيوتزينابا بالمكسيك الى إكزارشيا بأثينا، والمحلّة الكبرى بمصر، وسوما وحديقة غازي في تركيا، ولامبيدوسا في إيطاليا، وكاليه في فرنسا، وبالتيمور في الولايات المتحدة، وبلعين في فلسطين. رفاقنا هم العائلات والمجتمعات المحليّة في جميع أنحاء العالم التي تكافح ضد الإفلات من العقاب والعنف اللذين يسمحان بتعذيب أبنائهم أو اخفائهم قسرياً. رفاقنا هم شرائح المجتمع في العالم العربي الذين يناضلون في الخطوط الأمامية ضد التطرف المدعوم خارجياً وإقليمياً. رفاقنا في تركيا وكل مكان هم أولئك المنخرطون في النضال ضد العنصرية، والنظام البطريركي، والطائفية، والطبقية، ورهاب المثلية، وضد العنف المتأصل في جميع أشكال التمييز.
رفاقنا في تركيا هم أولئك الذين يؤمنون بأن رفض الاستعمار والقمع في فلسطين يتطلّب رفضهما في كل مكان آخر. رفاقنا هم أولئك الذين يعارضون العثمانيين الجدد الذين يحاولون تبييض ارتكابات الدولة العثمانية ويحرّفون حقيقة ان جميع الامبراطوريات – السابقة والراهنة منها – هي مبنية على الموت والقهر. رفاقنا هم أولئك الذين يبحثون عن الإلهام وحس القيادة في تنظيم فعاليات التضامن من الفلسطينيين أنفسهم – عمّالاً، وأطبّاء، ولاجئين، وفلّاحين، ومعلّمين، ومنفيين، ونشطاء، وأكاديميين، وأسرى، وفنّانين، شباباً وشيوخاً – من أجل الوصول الى قيادة شعبية، وتعدّدية، وثابتة في المواقف، بالرغم من تناقضات وافتراق بعض الفصائل السياسية.
لدينا القدرة، كحركة تضامن، أن نواكب الصمود المستمر للشعب الفلسطيني بطريقة متّزنة ومتّسقة. ولكن لكي يكون هذا التضامن فعّالاً بحق، يجب علينا ان نتواضع وأن نتحمّل تبعات أخطائنا ونتعلّم منها. نحن بحاجة إلى أن نتحدى أنفسنا وبعضنا البعض، ووضع حد للممارسات النرجسية وعقدة «المخلّص الأبيض» التي تؤّثر في بعض جوانب من عمل حركات التضامن في دول الشمال. علينا أن نعي دورنا كحلفاء الذين يتركّز دورهم على إعطاء صدى للأصوات القوية والبليغة للفلسطينيين، الذين لا يحتاجون لمن يتحدّث بالنيابة عنهم. يتعيّن أيضاً علينا أن نفضح حس الامتياز لدى بيض البشرة أينما وجد، بنفس القدر الذي نقوم بفضحه عند الحركات الأخرى، وأن نتحدّى أولئك بيننا الذين يحاولون التحدّث نيابة عن الفلسطينيين وإنكار صفة الفعل لديهم.
نحن بحاجة للتأكد من أفعالنا هي دائماً على تواصل مع القاعدة الشعبية، وأن نخطط لفعالياتنا – مثل أساطيل كسر الحصار عن غزة المقبلة – وتحرّكاتنا وحملات المقاطعة من خلال تعاون وثيق مع المجتمعات. علينا أن نعطي الأولوية للتضامن من شعب الى شعب، وأن يكون لدينا فهم سياسي دقيق للسياقات التي نعمل داخلها.
نحن بحاجة إلى الاعتراف بأن التعاطف الانتقائي، وغير المتجذّر في حركة النضال العالمي الأوسع، لا يخدم أولئك الذين يكافحون ضد الظلم في فلسطين أو في أي مكان آخر. ذاك أنّ حمل راية فلسطين من دون الاعتراف بالأشكال الأخرى من التمييز والظلم الهيكلي والاجتماعي من حولنا هو بمثابة قول الحقيقة في وجه سلطة قمعية واحدة، وفي الوقت عينه تجنّب قول الحقيقة مع بعضنا البعض.
لدى حزب الشعب الديمقراطي اليساري واليسار المستقل في تركيا بشكل عام الفرصة لمحاولة تطبيق بعض ما هو وارد في عقدهم الاجتماعي. إذا نجحوا، وحتّى إن لم ينجحوا، فإن مواقفهم بشأن فلسطين والعديد من الصراعات المحلية والدولية الأخرى، تظل صادقة وملتزمة. يجب ان ندرك من هم حلفاؤنا الإيديولوجيون في تركيا وندعم بشكل عملي أولئك الذين يكافحون من أجل تغيير ثوري وتحويلي وجامع، على الرغم من وجود سلطة تزيد قمعيةً باضطراد. العديد منّا، نحن المتضامنين مع فلسطين، فشلنا من خلال جهلنا في تقديم هذا الدعم منذ خمس سنوات. ولكن السنوات الماضية حملت معها العديد من الدروس والعبر الشاقة التي سنستمر في استخلاصها وتعلّمها.
* ناشطة إيرلندية