وسط مناخ إقليمي بالغ الاضطراب ومفتوح على احتمالات أحلاها مُرّ وكوارثيّ وتفكيكيّ وتفتيتيّ... تُخاض معركة رئاسة الجمهورية اللبنانية (من قبل العماد ميشال عون) بعد تعطيل وتأخير (كانا من أدوات خوضها)، من موقع السعي لإحداث تعديلات في التوازنات الداخلية أي في توزيع الحصص والمكاسب في المواقع السياسية والإدارية تحت عنوان «الميثاقية». و«الميثاقية» المقصودة هي بالتحديد، الآن، تمكين ممثلي المسيحيين من أن يحصلوا على نصف النفوذ في الإدارة والمواقع الرسمية كافة، تماماً كممثلي المسلمين (إن لم يكن أكثر). أما المسيحيون، الأكثر تمثيلاً، فهم، حالياً، العماد عون وحزبه «التيار الوطني الحر».

خاض العماد عون هذه المعركة مستنداً إلى عدة عوامل. من هذه العوامل ما هو موضوعي، في السياق اللبناني نفسه بعد «الطائف»، وأهمه انعكاس نتائج الحرب الأهلية (1975-1990) سلبياً، على الحصة المسيحية. ممثلو المسيحيين (الموارنة خصوصاً)، لم يفقدوا امتيازاتهم فحسب، بل هم فقدوا الكثير من حصتهم وفق مبدأ «المناصفة» المؤقتة التي ترد في المادة 95 من الدستور اللبناني ما بعد «الطائف» (هي موضوعة تحت عنوان «المرحلة الانتقالية» ومحصورة في تشكيل الحكومة ووظائف الفئة الأولى). لقد أدى رجحان استخدام التعبئة الطائفية في تلك الحرب، وخصوصاً من قبل ممثلي المسيحيين في السلطة والشارع والمؤسسة الدينية، إلى ردود فعل استُغلَّت (برعاية سورية غالباً) من أجل تشويه تطبيق اتفاق «الطائف» واستبدال هيمنة طائفية قديمة بأخرى جديدة، وإن اختلفت الجهة الرابحة أو المستفيدة أو الراعية (معارضة العماد عون في حينه سهّلت هذه العملية بعد أن استخدم قسماً من الجيش في مواجهة تسوية «الطائف» ما أدى إلى هزيمة للجيش عموماً، وإلى تعزيز دور الوصاية السورية). تكونت، في مجرى عقدين ونصف العقد تقريباً، جملة تحولات وامتيازات وتوازنات، جعلت العنصر المسيحي، إلى حدٍ كبير، منتقص الحقوق أو مهمشاً أو تابعاً...
العامل الموضوعي الثاني، قائم في مسار ونتائج الصراعات الضارية الدائرة في المنطقة الآن. فقد تعرضّت بعض الأقليات الدينية والعرقية لاستهداف وحشي، وتصاعد العامل المذهبي بتغذية، أيضاً، من قوى خارجية (غربية وصهيونية) تعوِّل عليه في تجديد سيطرتها على المنطقة بوسائل الانقسام والاحتراب والفتن. التطرف الذي برز في هذه الصراعات وصولاً إلى التكفير الشامل وإعلان «دولة الخلافة» في مناطق من العراق وسوريا خصوصاً، أطلق، دون شك، ولأسباب متنوعة ومتباينة أحياناً، مشاعر وهواجس وحسابات تتصل بالمصير وبالعلاقات وبالتعايش، وبالكيانات والخرائط المرشحة للتبدل والتحول، بشكل دراماتيكي (بعد مئة سنة على تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو).
استحضر العماد عون وفريقه في هذه المعركة حنيناً غامضاً إلى ماضي الامتيازات واحتمال استرجاعها أو استرجاع قسم منها. نشر الكثير من الأحلام والأوهام حول قوته الشخصية كرئيس يستطيع أن يعيد لموقع الرئاسة، ولمن يشغله وهجاً، وقدرة على حكم البلاد والعباد، كما في مرحلة ما قبل «الطائف». طبعاً لا يمكن توجيه كل النقد للعماد عون على تفاعله على هذا النحو مع الطوفان الطائفي والمذهبي المستشري في المنطقة. يجب مراجعة مواقع وأدوار قوى أخرى دفعت التعبئة المذهبية إلى مداها الأقصى، في كل المنطقة الملتهبة الآن من المحيط إلى الخليج (ولو بدرجات متباينة).
في سياق متصل، كانت تجربة تخلٍّ وعزل مريرين، من قبل قوى دولية ومحلية، قد دفعت العماد عون إلى إقامة تحالف مع حزب الله محلياً ومع سوريا إقليمياً، في مقابل تأييد انتخابه رئيساً للجمهورية. صمد هذا التحالف أمام استهدافات الغزو الإسرائيلي المحرّض عليه من قبل واشنطن في تموز من عام 2006. بمقدار ما شكل هذا التحالف عامل التصاق بـ«محور الممانعة» شكّل عامل افتراق عن خصوم هذا المحور في الداخل والخارج. حال ذلك دون انتخاب عون رئيساً عام 2008 حيث مارس، أيضاً، المستفيدون من التصرف بالحصة المسيحية، دوراً مهماً في ذلك. اندلاع الأزمة السورية عام 2011 حال، مجدداً، دون انتخابه في ربيع عام 2014. تغيّر الوضع بعد فشل خصوم النظام السوري في إسقاط سلطة الرئيس بشار الأسد (ومعها كل سوريا)، ما أعاد العماد عون إلى موقع المرشح الأقوى. تبلور هذا الأمر، خصوصاً، منذ أكثر من عام، حين نفذت روسيا تدخلاً كبيراً في سوريا لمصلحة الرئيس بشار الأسد وسلطته وحلفائه.
إلى ذلك فقد استفاد العماد عون من قرار إقليمي ودولي، لا زال سارياً، بضرورة عدم تفجير الوضع اللبناني. العامل الأساسي في ذلك منع تفاقم أزمة النازحين والمهجرين السوريين ومضاعفتها بأزمة لبنانية. هو استفاد، أيضاً، من تراجع التأثير والنفوذ السعوديين في لبنان: بسبب انشغالات المملكة، من جهة، وضعف حلفائها، من جهة ثانية. وهو، استفاد، في امتداد ذلك، من أزمة الرئيس سعد الحريري التي أملت عليه السعي للعودة، بأقسى السرعة الممكنة، إلى رئاسة الحكومة: مرة عبر ترشيح النائب سليمان فرنجية، وثانية عبر ترشيح عون نفسه.
لكن ينبغي أيضاً الاعتراف بأن عون وفريقه قد مارسا براغماتية مشهودة: من توقيع تفاهم مع حزب الله أوائل عام 2006، إلى توقيع تفاهم مع الرئيس سعد الحريري أواخر عام 2016 مروراً بإعلان نوايا مع «القوات اللبنانية» قبل حوالى عام.
النقاش لا يدور، في الواقع، حول غياب المشاركة والتوازن في ممارسة الأدوار والسلطة... لا جدال في أن تجاوزات المتحاصصين حقيقية وكبيرة: في التمسك بمبدأ المحاصصة أولاً، وفي الصراع فيما بينهم لنيل الحصة الأكبر، بكل الأساليب غير المشروعة، ثانياً، وفي الاعتداء على حقوق الأكثرية الساحقة من المواطنين، بمن فيهم المسيحيون، ثالثاً... النقاش يدور حول الحل. يذهب البعض إلى أن المناصفة («الميثاقية») التي ينادي بها عون ستشكل خطوة على طريق تطبيق الدستور في بنوده الإصلاحية وأبرزها تحرير كل الإدارة من المحاصصة الطائفية والمذهبية: هذا «كحلم إبليس الجنة». ذلك أن أصحاب المكاسب الجديدة لن يتخلوا عنها قطعاً. ينبغي الإشارة إلى أن «المناصفة»، بالمعنى الطائفي، هي، في ظروف غياب المناصفة الديموغرافية (ثلث مسيحي مقابل ثلثين مسلمين)، هي امتياز جديد دون أدنى شك. وهي ستكون، بالضرورة، لتحقيقها أو للاحتفاظ بها، مصدر توترات ونزاعات سياسية وأمنية. ولقد استدعت عمليات من هذا النوع، دائماً، مساعي أكيدة للاستقواء بالخارج لمواجهة مطالب الخصم الداخلي: بثمن التبعية وغياب الاستقرار والمزيد من ضعف الوحدة الداخلية والسيادة الوطنية.
إنها حلقة قاتلة إذن: لأن لبنان قد عانى، أكثر من سواه، من الحروب الأهلية التي امتد أخطرها (1975 – 1990) 15 عاماً.
هذا الوضع الشاذ الممارس والمكرَّس في «الصيغة اللبنانية الفريدة» هو الذي سمَّم حياة وعلاقات اللبنانيين، وأساء إلى إنجازاتهم وتضحياتهم وانتصاراتهم غير المسبوقة ضد العدو. وهو وضع يحتاج إلى خطة مرحلية شاملة للتخلص منه: خطة وطنية وليس خطة طائفية. بهذا فقط يكون الرئيس العتيد رئيساً لكل اللبنانيين وليس لفريق منهم فقط. وهي خطة، للـ«مصادفة»، قائمة في الدستور اللبناني نفسه!
* كاتب وسياسي لبناني