الى اليوم، لا تزال الكتابات التي تصدر في ذكرى هزيمة حزيران دليلاً على الأبعاد شبه الأسطورية التي اخذتها حرب الـ 67 في السياق العربي (في الفكر وفي السياسة).

بالمعنى العملي والمباشر، الهزيمة العسكرية في حزيران مثّلت ضربة قاصمة للمشروع العربي الوحيد الذي كان يتحضّر لقتال اسرائيل، ويبني دولةً وجيشاً ضمن منطق المواجهة العسكرية ولأجلها.

لا ريب في أنّ عبد الناصر، حين ذهب الى الخرطوم وقبل بالتصالح مع السعوديين وغيرهم من الأنظمة الموالية للغرب، فهو كان يعلم أن تحرير فلسطين ــــ دفعة واحدة وبالقوة ــــ لم يعد هدفاً مباشراً (وقد صارت هناك أرضٌ وطنية تحتاج الى تحرير). وحين رضخ الزعيم المصري للنظام العربي القائم وقبل بالعمل من ضمنه، كان يعرف انّه يسير في طريقٍ آخره ليس حملة عربية مشتركة ضد اسرائيل، بل تسوية سياسية ومعاهدات مع العدو، اضافة الى أن مشروع التحرر العربي، بالمعنى الراديكالي، قد وضع على الرفّ للمدى المنظور.
الّا انّ «النكسة» قد تمّ توصيفها بكلّ الأشكال باستثناء كونها حرباً، فهي صارت رمزاً ايديولوجياً استعمله كلّ معسكر لدعم أجندته والترويج لرؤيته عن السياسة والمجتمع، منذ أواخر الستينيات والى اليوم.
في بعض كتبه، اعتمد جورج طرابيشي فكرةً طريفة، وهي أنّه بالامكان استخدام وسائل التحليل النفسي، الفرويدي، وتطبيقها على المستوى الجماعي لتحليل ثقافة بأكملها (بالطبع، لن تعترف العلوم الاجتماعية بهذا كمنهجية تحليل او تأريخ، ولكنه تشبيه «أدبي» مفيد). قرّر طرابيشي أن العرب مصابون، منذ صدامهم مع الغرب الاستعماري، بعقدة «جرحٍ نرجسي»، من النوع الذي يمنع الذات من التكوّن براحة، مردّه الوعي بالدونية تجاه الغرب. وأن هزيمة حزيران مثّلت نكأً لهذا «الجرح النرجسي»، عمّق آثاره وعقّدها.
فكرة أن «الهزيمة في دواخلنا» كانت الطاغية على تحليل الحرب. لم يتمّ النّظر الى الهزيمة كنتيجة لفشلٍ عسكري وقرارات خاطئة، أو كأي حربٍ أخرى، قد تُهزم فيها وقد تفوز، بل كان الخطاب العربي يصرّ على انها انعكاس لخللٍ ما ــــ عميق ــــ فينا، وانشغل قسم معتبر من الثقافة العربية ــــ لعقود ــــ في البحث عن هذا «الخلل».
في حين نظر الاسلاميون الى الحرب كدليلٍ على فشل النظام الايديولوجي المناوىء لهم، وحمولته الحداثية، وصعدت صيغة العودة الى الدين؛ كان الراديكاليون العرب يستخلصون من الحرب النتيجة المعاكسة. حكم العديد من المثقفين اليساريين، يومها، بأن هزيمة عبد الناصر كان سببها أنه لم يكن راديكالياً كفاية، واشتراكياً كفاية، وثورياً كفاية؛ وأن عدم القطع الكامل مع التراث والتقليد هو الذي انتج النظام الهجين ــــ واجهة حداثية وعقلية تقليدية ــــ الذي لا يمكن أن يباري دولة غربية كاسرائيل في الفعالية والحرب والاقتصاد (هذه، تقريباً، كانت فكرة صادق جلال العظم في «النقد الذاتي بعد الهزيمة»).
الّا أن الأثر الأبرز لعملية «استبطان الهزيمة» هذه كان في انتشار خطاب الدونية واحتقار الذات، برعاية اسرائيل والاعلام العربي اليميني، الذي استعمل «النكسة» كدليل ساطع على عدم قدرتنا كعرب ــــ بالمطلق ــــ على مواجهة اسرائيل والغرب، وأننا «شعوب فاشلة»، والتسليم هو طريقنا الوحيد.
حتى بعد تجارب معاكسة، في لبنان وغزة، لم تتمكن اسرائيل فيها من القضاء على قوى أصغر منها بكثير، وبعد أن ثبت أن الانتصارات «المبهرة» للجيش الاسرائيلي لم تكن تحصل الا في غياب عدوًّ في وجهه (وهو، عسكرياً وبالنظر الى ما تلا، الدرس الأهم لحرب الـ 67)؛ ما زال «جيل الهزيمة» يبحث عن أسباب «النكسة» في ثقافتنا وحضارتنا ووعينا، والبعض يرسم خطاً سببياً يصل بين هزيمة حزيران وصعود «داعش». المستقبل، لحسن الحظ، هو لجيلٍ تكوّن وعيه مع هزائم اسرائيل في لبنان، وقهر «غولاني» في غزة، واخراج اميركا من العراق. هو جيلٌ ــــ على عيوبه ــــ لا يستبطن عقد الدونية، ولن يرضى، بأي حال من الأحوال، بالواقع الذي أورثه اياه ابناء النكسة.