يعيش أكثر من 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، ونحو 14 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدات إنسانية للبقاء، وذلك وفق ما أظهرته دراسة للأمم المتحدة منذ ما يقارب الستة أشهر، حول حصيلة السنوات الخمس للحرب السورية، أعدّتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية.

ومع مرور خمس سنوات ونصف السنة، لم يعد سيف الوقت قاطعاً لدى السوريين، تبدو الأيام متشابهة في الحرب التي أصبح مصيرها بين اللاعبين الدوليين أميركا وروسيا، ومن يدور في فلكهما، واللذين يحددان مواعيد المؤتمرات، ومواقيت التسويات والمعارك، وحتى خطوط التماس يرسمونها كيفما يشاؤون من دون اعتراض من أحد.
وفي كل مرة بعد إهدار وقت المجتمعين من أجل سوريا مثل مؤتمر لوزان الأخير، ما زال وقت الحرب يقطع بالسوريين أشواطاً من دون أن يشعروا، ويمكن القول إن نسبة الفقر المرتفعة بعد سنوات الحرب الخمس، يمكن أن تتضاعف خلال وقت قصير من 80 بالمئة، إلى أكثر من 90 بالمئة حين تحل الذكرى السادسة، في حين أن المستفيدين من الحرب، وهم على الأكثر 10 في المئة من السوريين، ما زالوا يستفزون «أخوتهم» الفقراء، عن طريق استمرارهم في ركوب اليخوت وزيارة الفنادق الفاخرة داخل سوريا وخارجها، ويستمرون في قضاء وقتهم الطبيعي في نهب السوريين الآخرين، تلك الفئة بالتعاون مع الجهتين المتحاربتين في سوريا «الدولية والإقليمية»، تستمر الحرب من أجل طمعهم الذي لا ينتهي، في وقت يستمر فيه ارتفاع مؤشر الفقر والتشرد والغرق بالموت للسوريين، وتسويق فكرة «الغابة» عبر تصاعد الإجرام والسرقة والنهب، ما يؤدي إلى اجتياح أفواج الفقر لمجتمع كامل، فبحسب معايير الأمم المتحدة تجاوز الفقر في سوريا المعايير العالمية، والذي يعتبر كل إنسان يعيش على 1.9 دولار أو أقل باليوم!
تحذّر معظم دول العالم من الآثار المدمّرة التي جرّتها وتجرّها الحرب السورية خصوصاً على الشرق الأوسط وأوروبا، متناسين في الوقت نفسه أنه مع مرور الوقت وتصاعد مؤشر الفقر، سيؤدي ذلك إلى تعقيد المشكلة وازدياد العنف من كل الأطراف بحثاً عن لقمة العيش والخروج من شبح الحرمان. ولعلّ الأسوأ هو زيادة نفوذ السارقين النادرين على حساب الأغلبية الصامتة التي لا تستطيع الانفجار سوى على نفسها.

لا يخشى السوريون سوى من صعوبة تأمين المحروقات للتدفئة

على ساعة السوريين، وفي بداية التوقيت الشتوي القاسي في كل سنة من الحرب، داخل سوريا وخارجها، يبدو أن الحديث الجدّي عن قرار دولي لإيقاف الحرب في سوريا، قد تأجل عملياً إلى أشهر طويلة «كالعادة»، إلى حين معرفة شخصية وتوجّه الفائز من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهل ستتحاور أميركا وروسيا أم سيُقفل باب الحوار بينهما، ويسير قطار الحرب العالمية الثالثة التي يحذر منها الكثير من المحللين السياسيين؟! لم تعد هناك أهمية لذلك لدى السوريين في هذا التوقيت من السنة بعد أن يمشي قطار أيام الشتاء الطويلة، بأوجاع مئات الآلاف.
تخشى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من أن تضاعف الحرب السورية من إحصائيات العنف والفقر واللجوء وغيرها مع اقتراب العام السادس للحرب، في حين لا يخشى السوريون سوى من صعوبة تأمين المحروقات للتدفئة، ومن ساعات الظلام التي لا تنتهي بانتظار الكهرباء، أو من التشرّد في العراء، في حين يجلس أقل من 20 في المئة من السوريين، الذين لم تتلطّخ جيوبهم بالفقر، يسرقون كل شيء يُتاح لهم، ولا يمكن لأحد الإشارة لهم أو التحدث عنهم، البعض يسميهم بالفاسدين والسارقين أو «الخونة»، أو دواعش الداخل، أو دواعش المعارضة! في إشارة إلى تشابه وحشية هذه الفئة ومساواتها بتنظيم "داعش"، لكن الخوف يمنع من فضحهم، فهم المتكلمون باسم الشعب السوري «من الطرفين»، وهم فقط من لا يشعرون بوجود الحرب، فالبيوت الفاحشة الثراء والفنادق التي يجلسون فيها، تمنع دخول برد الشتاء القارص إلى عظامهم الذهبية، في حين يموت أطفال سوريا من البرد، ويقتل الفقراء بعضهم من أجل لقمة العيش في غياب أدنى مستوى للحياة الطبيعية، ومن «الطبيعي» ألا يستطيع أي من الفقراء في سوريا الوقوف بوجه الخونة السارقين، فالإرهاب الذي يمارس منهم يمنع التفكير ولو للحظة بأن يشار إليهم، وتلك الفئة حتى الإعلام العالمي لا يشير إليها ولا يعتبرها أصلاً سبباً من أسباب استمرار الحرب!
وفي كل يوم شتوي يعيش مئات آلاف المجمّدين السوريين في ثلاجة المجتمع الدولي، إلى حين أن تقسّم الدول العظمى قالب الحلوى السورية في ما بينهم، ويرموا للسوريين الفتات منها، على مبدأ القول المنسوب لملكة فرنسا ماري أنطوايت: « إذا لم يكن هناك خبز للفقراء.. فليأكلوا الجاتو».
مع كل ساعة تمر فيها الحرب، ربما لم يبقَ للسوريين حتى «فتات الجاتو» من على مائدة المجتمع الدولي، أو من على موائد من يتحكم بانحدار المجتمع السوري نحو هاوية الفقر والموت، لم يتبق الكثير من الأشياء التي من الممكن أن يحصل عليها السوريون إلّا الشعور الدائم باللاستقرار، وما يحصل حالياً يشبه مقولة الأديب والشاعر الكبير، السوري الراحل محمد الماغوط: «لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن..أعطونا الأحذية وأخذوا الطرقات..أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد.. أعطونا السماد الكيماوي وأخذوا الربيع.. أعطونا الجوامع والكنائس وأخذوا الإيمان.. أعطونا الحراس والأقفال وأخذوا الأمان".
على ما يبدو بأنهم أعطونا الوقت الكافي للفقر، وأخذونا إلى حرب مجهولة النهاية.

*صحافي وكاتب سوري