هذا أول الغيث. أعطت انتخابات رئيس الجمهورية لوزير التربية ذريعة لإقفال كل المؤسسات التعليمية. وهو انتظر عودة السنة الدراسية بفارغ الصبر. ستعطيه كما سابقاتها مجالات لكي يصول ويجول، ويملأ حياة اللبنانيين.

أول التدخلات التي باتت ماركة مسجّلة باسمه، إيقاف الدروس وخفض أيام التدريس بحجة الطقس. لم يسبق أن كانت الدروس تتوقّف ويُسجن الطلاب في بيوتهم إذا تغيّر الطقس أو برُد أو أثلجت في الأعالي. حقّق سبقاً في عدد أيام التعطيل الذي افتعله.
ثاني تدخلاته تتناول المناهج. عمل ما بوسعه للتشحيل منها وخفضها، كأن لديه ثأراً قديماً عليها. كانت مقررات الفلسفة الأكثر استهدافاً من قبله. لديه حقد على الفلسفة وتدريسها. بهذا وذاك دخل الوزير على حياة اللبنانيين واحتلّ حاضرهم.
تبقى الجامعة اللبنانية. كانت ولا تزال له فيها صولات وجولات، من التدخّل في أمور أكاديمية حيث التدخّل محرّم، إلى تقديم خدمات الهدف الوحيد منها اكتساب ولاءات، دون مراعاة معايير الاستحقاق والأهلية. وهو يقيم الدنيا ولا يقعدها لتوفير خدمات، إذا كانت تؤمن له رصيداً عند طرف ما. وهل من حرمة لشيء عند صنف معيّن من السياسيين؟
لكنه هو نفسه، رئيس «مجلس التعليم العالي». وهو بهذه الصفة مخوّل أن يستكتب تقارير ودراسات عن مؤسسات التعليم العالي، وخصوصاً المؤسسات التي فرّخت بعد الحرب، لتبيان مقدار الأذى الذي تلحقه بأجيال لبنان الجديدة وبنظامه التعليمي المتميّز. لم يشأ إزعاج المقاولين في ميدان التربية. لم نسمع يوماً أن مؤسسة خاصة تعرّضت لمساءلة بسبب تزوير العلامات الذي هو القاعدة عندها. لم نسمع أن الدولة ممثلة بوزارة التربية والتعليم العالي، طبقت نصاً تنظيمياً لضبط أداء مؤسسات التعليم العالي، كما تنص على ذلك المواد 54-56، من «قانون التعليم العالي». تتعاون الدولة ممثلة بالوزارة مع مقاولي التعليم العالي، على التفريط بإرث من الجدية والانضباط في المناهج، كما يبذّر ابن عاق ميراثه.
حين ينظر اللبنانيون إلى تجربتهم الوطنية منذ قرن ونصف قرن حتى الآن، لا يجدون شيئاً يُعتدّ به غير نظامهم التعليمي. حاصرهم الكيان ونخبته الفاشلة ودأب على تشتيتهم في أنحاء المعمورة. لكنه ترك لهم حرية أن يتعلّموا إذا استطاعوا في بلدهم. وتعدّدت نظريات التنمية خلال العقدين الأخيرين التي تركّز على أهمية تأهيل رأس المال البشري كمصدر للنمو. وكانت الأكثر رواجاً بينها تلك التي بلور مفاهيمها أمارتيا سن (Sen)، تحت عنوان التمكين (capability enhancing). وهي نظرية ترى في تأهيل رأس المال البشري شرطاً أول بل وحيداً للنمو، وخصوصاً أن النمو يقوم في جزء مهم منه على إنتاج خدمات، تستند إلى «أفكار» جديدة. نظرية التمكين هذه وغيرها من نظريات النمو، التي فرضت نفسها خلال العقود الأخيرة، تفترض دوراً للدولة، أكبر وأهم مما كان عليه الأمر في القرن العشرين. أي لا تفترض انكفاء للدولة وانسحاباً من قبلها من المسؤولية وتلهياً بالخزعبلات.
أما حين تتحوّل الممارسة الحكومية في مجال التربية إلى إلهاء للقاعة وتفريخ أرانب، فنكون كما لو تُركنا على قارعة الطريق.

* أستاذ جامعي