إذا وضعنا جانباً التنافس بين سليمان فرنجية، المؤيد للمقاومة ضد إسرائيل والتكفيريين، والعماد ميشال عون، المؤيد أيضاً للمقاومة ضد الإسرائيليين والتكفيريين على رئاسة الجمهورية، يمكننا أن نرى بوضوح أن انتخاب العماد ميشال عون جاء نتيجة لميزان قوى في الشرق الأوسط لم تفرضه القوى الإقليمية التقليدية كالسعودية ودول الخليج ومصر وسوريا، بل جاء نتيجة ميزان قوى فرضها الصراع الدولي القائم في الشرق الأوسط والذي همّش إلى حد بعيد دور القوى الإقليمية. ولذلك يكتسب انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في لبنان أهمية خاصة تفوق بكثير أهمية ذلك على صعيد الساحة اللبنانية.

قبل أيام عدة، وبعدما أعلن سعد الحريري دعمه لترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية ووعد بإعطائه أصوات كتلته في البرلمان، علق وزير الخارجية الأميركي جون كيري على ذلك بقوله: «لا أعتقد أن سعد الحريري جادّ في هذا الترشيح».
هذا يعني أن الولايات المتحدة على الرغم من نفوذها في لبنان لم تستطع حتى أن تقدم اسم مرشح آخر ليكون منافساً لعون مرشح المقاومة المناهضة لإسرائيل والتكفيريين.
(نحن نأخذ هنا بعين الاعتبار أن فرنجية وعون لا يختلفان ولن يختلفا حول تأييد ودعم المقاومة ضد إسرائيل والتكفيريين).

الانعكاس الأكبر لانتخاب عون سنبدأ برؤية آثاره في إسرائيل

لقد كان التنافس بين أصحاب النهج الواحد، ولذلك ظهر ميزان القوى بشكل أوضح فلم تتمكن القوى الدولية الداعمة لإسرائيل و«الإرهاب» والدول الإقليمية الدائرة في فلك هذه الدول من إيجاد بديل لمرشح المقاومة المناهض لإسرائيل وللتكفيريين.
وإذا كانت الصورة بهذا الوضوح، فهذا يعني أن ميزان القوى على الساحة السورية، وهي الساحة المركزية للصراع، وعلى الساحة العراقية وهي الساحة المحتدمة بالمعارك في آخر معاقل «داعش»، قد بدأ يميل لمصلحة القوى المدعومة دولياً من موسكو وطهران وكل الدول التي تنادي بمحاربة الإرهاب ووحدة الأراضي السورية ووحدة الأراضي العراقية. ولا شك أن أفراد ميزان القوى في الساحة اللبنانية الذي ظهر عبر انتخاب ميشال عون سوف ينجم عنه تأثير الوضع الجديد في لبنان على دول عدة في الشرق الأوسط، فتأييد مصر والجزائر وتونس للعماد ميشال عون على سبيل المثال يضع هذه الدول في موضع التعارض مع الموقف السعودي، وهذا الأمر قد يزداد عمقاً واتساعاً مع ما تناقلته الأخبار من أن السعودية قررت وضع الجزر تحت هيمنة البحرية الإسرائيلية، إذ إن المحاكم المصرية اعتبرت تسليم الجزر للسعودية أمراً مفروضاً وغير قانوني، وقرار المحاكم المصرية سيجبر مصر على سحب تسليمها هذه الجزر للسعودية، ما سيخلق توتراً في العلاقات المصرية السعودية، إضافة إلى التوتر الذي نشب بسبب تأييد مصر لترشيح الجنرال ميشال عون.
أما الانعكاس الأكبر والأخطر، فهو ذلك الانعكاس الذي سنبدأ برؤية آثاره في إسرائيل. فمع احتدام معارك الموصل وتلعفر وقريباً الرقة ودير الزور، وكذلك المعارك في حلب في ظل قرار وزراء الخارجية الروسي والسوري والإيراني الذي اتخذ في اجتماعهم في موسكو هذا الأسبوع ، في ظل كل يظهر أن ميزان القوى سوف يتحرك سريعاً لمصلحة التحالف المعادي للتكفيريين وللطامعين في أرض سوريا والعراق والسعودية وقطر. ويقوم الاستراتيجيون الإسرائيليون هذه الساعات بدراسة كل الاحتمالات بعد نجاح العماد عون وتبوئه رئاسة الجمهورية في لبنان.
إذ إن مثل هذا الوضع الديناميكي والمتحرك إلى الأمام لمصلحة القوى المناهضة للتكفيريين، سوف يعني بالضرورة تمتين تحالف هذه القوى ضد طرف أساسي داعم للتكفيريين تمثله إسرائيل، وهذا سوف يعني أن يدفع ويضغط طيور الأركان الإسرائيلية الجارحة لأخذ مبادرة تشن من خلالها إسرائيل عمليات إرهابية ذات أشكال متعددة. ولا شك أن تجربتنا القتالية والصدامية مع العدو الإسرائيلي تدلّنا على أن مخططات الاغتيال تأتي دائماً على رأس جدول أعمال هذه الطيور الجارحة. ونحن هنا في فلسطين المحتلة إذ نراقب بفرح انتصار الفريق المقاوم في لبنان وننبّه من أن ما جرى في لبنان خلق في قلب الإسرائيليين نوعاً من القلق الشديد، وخصوصاً أن خبراءهم توصلوا الى نتيجة مفادها أن الحائط الذي بني على مدى 30 كلم من الحدود أو أكثر لن يشكل إلا عائقاً فقط وليس مانعاً، كذلك ننبه إلى أن إسرائيل سوف تلجأ الى ضخ دعم غير مسبوق للتكفيريين على جبهة تمتد من القنيطرة إلى درعا لتلقي تلك المساعدات بشتى أنواعها (خبراء وأسلحة) حيث تلتقي مع القواعد التي يرعاها البريطانيون الممثلون في درعا بقوات خاصة وضباط أركان يقودون غرف عمليات يساهم فيها ضباط إسرائيليون. وننبه أيضاً إلى أن تركيا هي الاحتياطي الدائم لتشتيت جهد الجيش العربي السوري عبر خلق جبهات فرعية (وهي تمارس هذا الدور في العراق) وتحديداً مثل هذا الدور في الرقة وتلعفر.
برغم ذلك، فإن كل محاولات إسرائيل وتركيا بحسب رأينا لن تنجح إلا في إطالة مدة القتال وليس التأثير في نتيجته، فالنتيجة هي حتماً انتصار قوى المقاومة. وهنا يبرز مرة أخرى الموضوع المهم والأساسي وهو التصدي لإسرائيل.
إذا كانت الولايات المتحدة تفاجئ قوى المقاومة في معارك مختلفة في مواقع مختلفة، فلماذا نتبع التكتيك نفسه مع إسرائيل. إن الحائط لا يحمي أحداً وخلق الترسانات الحديدية وقبابها على كل الحدود لا يعني أن الداخل مقبب بالحديد أيضاً. ولا شك أن لدى المقاومة عقولاً وكفاءات ذات قدرات استراتيجية وتكتيكية، ولا شك أن إسرائيل لا تدري كم هي كمية المعلومات التي تمتلكها المقاومة العربية عن مؤسساتها وعن نقاط ضعفها. فإذا كان نتنياهو يظن أن بإمكانه تهجير الفلسطينيين قسرياً من الضفة الغربية وبناء المستوطنات مكانها وتحويل العمال إلى عبيد، فللمقاومة دور خاص عندما نتذكر أن الانتفاضة الأولى التي حولت إسرائيل الى جيش احتلال محاصر في زاوية قامت بسلاح الحجارة، فكيف بانتفاضة سلاحها الحجارة والعقل.

*كاتب وسياسي فلسطيني